Website Page 1 مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره) كتاب تاريخ ما بعد الظهور للسيد الشهيد محمد صادق الصدر (قد) تمهيد قد يكون من الطريف أن يتصدى الباحث للنظر إلى ما وراء الغيب ، ليخط تاريخ المستقبل بسطور ، وقد لا يعدو هذا التاريخ في نظر الكثيرين ، عن كونه سرداً لمجموعة من التنبؤات التي قد لا يقع شيء منها في مستقبل الدهر. وأي فشل لتنبؤات الفرد. أكثر ركاكة من أن يثبت كذب هذه التنبؤات وسقوط هذه الإخبارات. إذن ، فقد يبدو أنه من الأفضل أن يعرض الفرد صفحاً مثل هذا التاريخ ويهمله إهمالاً ، ويدع تسلسل الحوادث على مقاديرها ، بدون أن يزعم لنفسه القدرة على استكناه المستقبل أو النظر إلى ما وراء الغيوب . إلا أن هذه الفكرة يمكن أن تزول عن الذهن تماماً ، وتوجد الهمة في النفس نحو هذه البحوث … حين نعرف أن هذه المحاولة وإن كانت في حقيقتها – سرداً لحوادث لم تقع في الزمان . وإنما المستقبل وحده هو الكفيل بمعاصرتها وعرضها للعيان .إلا أنها لن تكون محاولة لإدعاء معرفة ما وراء الغيب ،كما أنها ليست تنبؤاً محضاً غير منطلق من قاعدة أو قائم على أساس ويتم إيضاح ذلك فيما سنذكره من جهات الكلام ، كما يلي : الجهة الأولى : في أهمية الموضوع في نفسه : الجهة الثانية : في طرق الإستدلال التي سوف تكون متبعة خلال هذا البحث . الجهة الثالثة : في الصعوبات التي تواجه البحث . الجهة الرابعة : في أسلوب الخروج عن هذه الصعوبات ومحاولة تذليلها جهد الإمكان . الجهة الخامسة : في ترتيب أبواب وفصول هذا الكتاب . صفحة (5) الجهة الأولى : اهمية هذا الموضوع . يكتسب هذا الموضوع أهميته ، من أهمية البحث حول المهدي (ع) ككل .من حيث كون هذا التاريخ حقلاً من حقوله وشعبة من شعبه . ومن المعلوم أن الفكرة المهدوية عند كل قائل بها ومؤمن بصدقها ، تقوم على أساس كون المهدي هو مصلحة العالم في المستقبل ، وهو الذي يقلب الظلم إلى العدل ، ويحول الظلام إلى نور ويحقق الرفاه و السعادة لكل فرد على وجه الأرض . فمن الحق أن يطمع الفرد إلى التعرف على تصرفات هذا المصلح العظيم في يومه الموعود ، وعلى أسلوبه وسياسته وطريقته في التدبير و القيادة . وأن هناك العشرات من الأسئلة تنبثق حول ذلك ، وخاصة بعد أن يعاصر الفرد الحياة الحاضرة بما فيها من تعقيد اجتماعي وتنظيم دولي وسياسي . فهل سيكون للمهدي المصلح نفس هذا التنظيم بحقوله العديدة ،أو أنه سيتخذ للعالم وجهاً آخر ويبينه بيده على شكل جديد ؟ فإذا استطاع هذا البحث أن يزيل الغموض ، ولو عن بعض هذه الأسئلة ويقرب جوابها إلى الذهن إلى حد كبير ، فهو غاية المطلوب . إذن ، فالحديث عن ( تاريخ ما بعد الظهور ) يعني التعرف على يوم الإصلاح العام على يد القائد المنتظر ، وهو يعني – بكل صراحة – التعرض إلى النتائج النهائية التي تتبناها الفكرة المهدوية ككل ، ووصف البشرية المثلى في مستقبله السعيد . والتعرض إلى هذا التاريخ ، لا يتوقف على الإيمان بأطروحة مهدوية معينة . هي الأطروحة الإمامية – مثلاًً – التي تؤمن بالغيبية الطولة للمهدي الموعود إذ يكون في الإمكان أن يقوم بمثل هذه الأعمال التي سنذكرها له بعد ظهوره و سواء كان غائباً في الفترة السابقة على ظهوره أم لم يكن (1) ومن هنا يكون لهذا البحث فائدة شاملة لكل المسلمين بصفتهم مؤمنين بفكرة المهدي . بل يكون لها أثر قريب بالنسبة إلى غير المسلمين ممن يؤمن بالمصلح المنتظر . وتنبثق أهمية هذا البحث مرة أخرى ، في محاولة تصفية ما قيل أو يقال في تحديد ما سوف يحدث يوم الظهور وبعده، مما قد يكون مشوهاً بالأساطير ، ومحاولة الإقتصار على إثبات ما قام عليه الدليل ، ورفض أي أمر آخر. صفحة (6) (1) هذا بحسب التصور، بغض النظر عما قلناه في تأريخ الغيبة الكبرى (ص501) وما بعدها من البرهان على تأثير الغيبة الطويلة على جانب تكامل القيادة لديه, وتعميق العادلة في اليوم الموعود. وتنبثق فائدة هذا البحث من زاوية ثالثة ، من البرهنة على الإرتباط العضوي الوثيق بين يوم العدل الموعود ، وبين الساس العام الذي يقوم عليه الكون وأهدافه الكبرى التي خلق من أجلها .تلك الأهداف التي كانت تطبيقات من مفهوم العدل العام ،والتي سار عليها التكوين والتشريع ، واضطلع بالسير على طبقه موكب الأنبياء والشهداء والولياء والمصلحين على مدى التاريخ . وسيظهر بجلاء، أن يوم الظهور ليس تاريخاً طارئاً أو قدراً مرتجلاً، وانما هو في واقعه النتيجة الطبيعية الكبرى التي أرادها الخالق الحكيم في تخطيطه العام …و التي شارك في إعدادها الأنبياء وبذلت في سبيلها التضحيات على مدى التاريخ . والفائدة الرابعة: وليست الأخيرة هي أن الفرد بعد اطلاعه على هذا التاريخ ، يستطيع أن يحمل فكرة كافية عن أوصاف المهدي وأعماله عند ظهوره ومما يوفر الدليل الكافي بأن يعرف : أن مدعي المهدوية هل هو المهدي الموعود قائد العالم ، أو أنه رجل مبطل كذاب . فإن الفرد قد يواجه في غضون حياته أو يقرأ في التاريخ دعوات مهدوية متعددة ،فلا يحار في مبدا الأمر في تصديقها وتكذيبها ، إن كان ممن يؤمن بالفكرة المهدوية أساساً ، فلا يعلم أن هذا هو المهدي المنتظر أو غيره. وهذه المشكلة وإن استطاع الفكر الإسلامي أن يذللها عن طريق البرهان العقائدي . إلا أنه بغض النظر عن ذلك، نستطيع أن نذللها عن طريق الدليل التاريخي … وذلك بمحاولة تطبيق الصفات الثابتة تاريخياً للمهدي الموعود على مدعي المهدوية . فإن كانت ثابتة له . إذن فهو على الحق ، وهو المهدي الموعود . وهذه جهة بطبيعتها مهمة لكل معتقد بالفكرة المهدوية . فإنه من المؤسف حقاً ومن المحرم دينياً ، أن يكون المهدي حقيقياً ثم لا يستطيع الفرد التعرف عليه . أو أن يكون المدعي كاذباً ثم لا يستطيع الفرد معرفة كذبه ، وإنما ينحرف بإتجاهه وينجرف بتياره . فلا بد ان يكون للفد محك عقائدي وميزان تاريخي في التعرف على رفض من يرفض وقبول من يقبل . وقد وفر الإسلام كلا الجانبين . وما هو محل كلامنا الآن هو الميزان التاريخي . صفحة (7) فهذه بعض فوائد هذا البحث ، التي تجعله من الأهمية والرسوخ مايؤهله أن يكون شعبة من المعرف الإسلامية وحقلاً من المعرفة الإنسانية . الجهة الثانية : في طرق الإستدلال التي سنتبعها من خلال البحث ، للتعرف على ما هو ثابت وما هو مرفوض . والإستدلال يختلف – بطبيعة الحال – بإختلاف النتائج التي نريد التوصل إليها. وهي مما يمكن تقسيمها بإنقسامات ثلاثة ، لابد من التعرف عليها وما هو محل الحاجة ومنطلق البحث منها … لكي نختار ما يناسبها من الإستدلالات . الإنقسام الأول: التقسيم من حيث اتجاه الفكرة المهدوية، أعني تحديد المصلح المنتظر في نظر الفرد . فإن الإتجاهات هنا ذات ثلاثة مسارات رئيسية : المسار الأول: المصلح المنتظر الذي يؤمن به غير المسلمين، على اختلاف بينهم في تشخيصه وصفاته، كالمسيحيين واليهود والبراهمة وغيرهم . المسار الثاني : المصلح المنتظر الذي يؤمن به المسلمون غيرالإماميين عادة ، وهو رجل يلقب بالمهدي ، يولد في زمانه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً. المسار الثالث: المصلح المنتظر للمسلمين الامامين خاصة، وهو المهدي الغائب محمد بن الحسين بن علي عليهم السلام الذي يظهر فيملاء الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وهذه المسارات في جوهرها واحدة ، تشير إلى مفهوم واحد مندرج في التخطيط الإلهي العام ، بشرت به الأديان وأكد عليه الإسلام . وإنما حصل الإختلاف فيه نتيجة لظروف معينة تمت إلى التربية الفكرية للبشرية بصلة ،كما سبق أن حملنا عنه فكرة في التاريخ السابق (1) وسنعرف تفاصيله في الكتاب القادم إلا أننا على أي حال ، ينبغي أن ننطلق في البرهان على حوادث المستقبل من أسس مسلمة ، لهذه المسارات الثلاث ليكون الكلام مقبولاً مسلم الصحة لديهل جهد الإمكان . ومعه ، فمن المتعذر إلى حد كبير التعرف على أسس مشتركة بالنسبة إلى المسار الأول - بتعبير آخر – مشتركة بين المسارات الثلاثة كلها … مما يعود إلى مفهوم المهدوية العام الذي تتسالم عليه الأديان . وذلك لعدم تسالمها – في حدود المقدار المعروف لدى أهلها من القواعد والأسس– على أمور مشتركة يمكن الإنطلاق منها على حقيقة معينة بهذا الصدد. ومعه يكون البحث عن تفاصيل اليوم الموعود، والأعمال التي سيقوم بها القائد النتظر متعذراً. وإنما غاية ما يمكن التعرف عليه والتسالم على صحته هو تطبيق للعدل على وجه الأرض على الإجمال. صفحة (8) (1) انظر ص251 وما بعدها إلى آخر الفصل. نعم ، لو اقتصرنا فكرة المصلح المنتظر على اليهودية والمسيحية والاسلام أمكن الإنطلاق من بعض الأسس المشتركة إلى بعض تفاصيل اليوم الموعود كما سنرى . وخاصة بعد أن يثبت في الإسلام – على ما ستسمع – نزول المسيح في ذلك اليوم . وسيكون لما ذكر في التوراة والإنجيل من تفاصيل جزء خاص آت من الموسوعة . واما الإستدلال على التفاصيل من خلال المسارين الثاني والثالث ، ففي الإمكان الحصول على الكثير من الأسس المشتركة النافعة بهذا الصدد . وسيكون المنطلق الأساسي المشترك هو ما نطق به القرآن الكريم من الوعد بيوم التطبيق الإسلامي العادل .ومن الخصائص الكبرى التي يتصف بها ذلك اليوم على ما ستسمع كما سينطلق الإستدلال مما تسالمت عليه أخبار الفريقين من الحقائق . أما ما استقل به كل فريق من الأخبار فسيكون لنا منه موقف خاص ، سنذكره . وينبغي الإلماع إلى أن الأخبار الأمامية ، قد تكفلت بنقل الحوادث للفترة الزمنية التي نؤرخ لها ، أكثر بكثير مما نقلته أخبار العامة . وخاصة فيما يعود إلى المهدي وأصحابه واعماله . وإن أكثرت الاخبار العامة الحديث عن المسيح والدجال وأشراط الساعة . وعلى أي حال ، فما يعود إلى مقدار الأخذ بالخبر أو رفضه سنذكره في الإنقسام الثالث إن شاء الله تعالى . الإنقسام الثاني : التقسيم من حيث مقدار الحودث التي يراد الحصول عليها واثباتها تاريخياً. وذلك: أننا كنا نتوخى الإطلاع على التاريخ التفصيلي لما بعد الظهور وذكر حودثه وأقوال معاصريه ، جملة وتفصيلاً ، كما لو كان مشاهداً محسوساً فعلاً . فهذا مما لا يمكن أساساً وينبغي الإعتراف سلفاً بتعذره وانقطاع السبيل إليه . بسبب ما سنسمعه فيما يلي من البحث من وجود الفجوات الواسعة في الروايات الناقلة للتاريخ المطلوب . إلا أن مثل هذا التفصيل ، مما لا يهم التعرض له ، وليس هناك مصلحة في معرفته . وإنما هو المستقبل وحده هو الكفيل بمعاصرته ، والله عز وجل هو القدير على إيجاده والعليم به .. وإن عشت أراك الدهر عجباً. صفحة (9) فإن أياً من المصالح الأربعة السابقة لا يتوقف تحققها على مثل هذا التفصيل بل يكفي فيها التعرف على الأفكار العامة والحوادث الرئيسية في ذلك العهد . وواردة في الأخبار بشكل يمكن إثباته تاريخياً ، دون ما هو أوسع من ذلك . ومن ثم لا ينبغي أن نتوقع من الباحث في تاريخ ما بعد الظهور ، زيادة من التفاصيل ، وإنما يقتصر بمقتضى مادة عمله وأسس مصادره على الافكار العامة والحوادث الرئيسية بطبيعة الحال . الإنقسام الثالث: التقسيم من حيث ما نتطلبه من الإثبات التاريخي ، باعتبار أننا تارة نتوخى حصول الإطمئنان والوثوق بوجود الحادثة المعينة ، وأخرى نكتفي بالإخبار الإعتيادي في إثباته . ومن هنا يكون لنا – بلحاظ ذلك – موقفان : الموقف الاول : اذا اردنا حصول الاطمئنان بوجود حادثة معينة مما ينقل حدوثها بعد الظهور... امكننا الاعتماد على المصادر التالية : المصدر الاول: القرآن الكريم بما فيه من ظواهر واضحة دالة على وصف العدل الاسلامي ، والخيرات التي تعود على البشرية عند تطبيق احكام الاسلام . المصدر الثاني: الروايات المتعددة الناقلة لحادثة معينة ، بحيث تكون إحداها قرينة على الأخرى ، ومصداقية لها بحيث تكون بمجموعها موجبة للثبوت التاريخي في اي حقل اعتيادي من حقول التاريخ . المصدر الثالث: أخبار الفريقين إذا تسالمت على نقل حادثة معينة ، ولو كانت بعدد قليل عند كل فريق ، فإنه يكفي لإثباتها. وذلك : لأن ظروف الرواية وأشخاص الرواة ، مختلفين عند كل مذهب إسلامي ، مما يوجب الإختلاف الكبير في النقل فإذا تسالموا على نقل مضمون بعينه ، كان هذا بعيداً عن الخطأ إلى حد كبير . المصدر الرابع : الخبر الذي تعضده القواعد الإسلامية العامة وتؤكد مضمونه فإنه يكفي إثباتاً تاريخاً ، ومثاله : الأخبار القائلة بأن المهدي عليه السلام يطبق الإسلام كما جاء به النبي (ص) فإنها مطابقة لنظرة الإسلام إلى استمرار تعاليم الدين الإسلامي إلى نهاية البشرية . صفحة (10) المصدر الخامس : القواعد الإسلامية العامة المبرهن عليها في علوم مختلفة من حقول الإسلام ، كالعقائد و الفقه وغيره . فإنها إذا كانت ثابتة في محلها أمكن التو صل بها إلى بعض النتائج ومثاله : القاعدة التي تقتضي عدم جواز الحكم القضائي إلا بسماع البينة مع توفرها . فإنها تنفي الأخبارالدالة على أن المهدي (ع) يقضي بدون سماع البينة ، كما سيأتي إيضاحه . فإذ اجتمعت هذه المصادر الخمسة بنتائجها . كان تخطيطنا العام لهذا التاريخ قد كمل إذ بها نستطيع أن نثبت كل ما هو مهم ورئيسي في عهد الظهور . وتبقى جملة من التفاصيل يوكل اثباتها بشيء من هذه المصادر الخمسة . الموقف الثاني : إذا اكتفينا في الإثبات التاريخي الإعتيادي أو النقل المنفرد . وهو ما سنحتاج إليه بطيعة الحال(1) في سرد عدد من التفاصيل التي لا يمكن التوصل إلى معرفتها بدون ذلك . بالرغم من أن قيمة الأثبات لا تزيد على قيمة هذا الخبر المنفرد . ونحن بهذا الصدد ، نستطيع أن نقبل بعض المصادر ، وأن نرفض بعضاً : أما المصادر التي نقبلها ، فهي كما يلي : المصدر الأول : النقل المنفرد الذي تقوم القرائن القليلة على تأييده ... كالقرائن الحالية ، أو وجود روايتين فقط بمضمون واحد ، أو سندين لرواية واحدة . فإن أحدهما يكون قرينة على صحة الآخر . المصدر الثاني : النقل المنفرد الذي يقبل عادة في الفقه كمثبت للحكم الشرعي الإسلامي . وهو الخبر الذي يتصل بالمتحدث الأول عن طريق الثقات . فإنه يمكن اعتباره إثباتاً كافياً بلحاظ الموقف الثاني ، وإن تجرد عن القرينة على صدقه . صفحة (11) (1)وهذا هو فرق الإثبات الذي نحتاجه في هذا التاريخ عن الإثبات الذي أسسناه في التاريخ السابق (208) فإنه كان قائماً على رفض الخبر المنفرد بكل أشكاله وسميناه بالتشدد السندي . وذلك لعدم الإحتياج إلى مثل هذا الخبر . أما هنا فسنحتاج إليه بالضرورة ، لأن عدداً من الحوادث منقولة بالخبر المنفرد فقط وهي مما نحتاج إليها في ضبط التسلسل العام للحوادث . وسيكون لهذا الفرق نتائج ملموسة كما سيأتي . وأما المصادر التي نرفضها فهي كما يلي : المصدرالأول : الخبر الذي تنفيه القواعد الإسلامية العامة المبرهن عليها كما سبق مثاله . لا يختلف ذلك بين ما إذا كان خبراً منفرداً أو عدة أخبار. ولا يختلف في القاعدة بين أن يكون مستفاده من الكتاب أو السنة أو غيرهما . المصدرالثاني : الخبر الذي يوجد له معارض ينقل خلافه . وذلك فيما إذا وجد لدينا خبران ينقلان حادثة معينة بشكلين متغايرين أو ينقلان حادثتين متنافيتين ، ونحو ذلك . وفي مثل ذلك : إذا كان أحد طرفي المعارضة ، أعني أحد الخبرين ، راجحاً على صاحبه ، كما لو كان مستفيض النقل أو موفقاً مع القواعد العامة أو الشواهد الأخرى ، أخذنا به وطرحنا الآخر . وإن لم يكن هناك رجحان في أحد الطرفين سقط كلاهما عن إمكان الإثبات التاريخي . وقد فصلنا القول في ذلك التمهيد الذي عقدناه لـ " تاريخ الغيبة الصغرى " (1) فلا حاجة إلى الإطالة فيه . المصدر الثالث : المصدر الذي لا يوجد له مؤيد ولا مفند ، مما لم يروه الثقات ، ولا ارتباط له بالقواعد العامة بشكل مباشر ، لتدل على صحته أو نفيه . فإنه بطيعة الحال لا يصلح للإثبات التاريخي بهذا الصدد . ويرفض هذا المصدر إلى جنب المصدرين السابقين ، يمكن ملاحظة أن الروايات الناقلة لحوادث اليوم الموعود ، قد تخلصت مما يحتمل أن يتطرق إليها من دس أو يحزم حولها من وهم أو يكتنف حقلها من أساطير ، وبذلك تكون مصادرنا المعتمدة واضحة لا غبار عليها وصالحة لعرض الفكرة المهدوية تجاه العالم . الجهة الثالثة : في الصعوبات التي يواجهها هذا البحث . وهي صعوبات عديدة اقتضتها ظروفها ومصالحها الخاصة والعامة . على ما سنرى . ولا بد في المقام من أن نستثني ما ذكرناه من الصعوبات في تاريخ " الغيبة الصغرى " ، مما يعود إلى التاريخ شكل عام (2) وإلى الروايات الواردة في المهدي بشكل خاص(3) . فإنها صعوبات شاملة لهذا التاريخ ، وقد ذللناها هناك . ونقتصر هنا على الصعوبات التي يختص بها هذا التاريخ . وهي قد تتحد مع تلك الصعوبات أحياناً في العنوان ، إلا أنها من حيث الفكرة والأهمية تختلف عن سابقاتها ، كما لا يخفى على المقارن . (1)انظر ص28 وما بعدها وص46 وما بعدها . (2)ص24 وما بعدها إلى عدة صفحات . (3)ص42 وما بعدها إلى عدة صفحات . صفحة (12) و يمكن أن نعرض الصعوبات فيما يلي : الصعوبة الأولى : قيام الأخبار الناقلة لحوادث المستقبل ، على الرمزية في كثير من أساليبها ونقاط عرضها ، وخاصة فيما يعود إلى شخص المهدي (ع) كقوله في بعض الروايات الآتية " إذا هز رأسه أضاء له ما بين المشرق والمغرب " وأنه " يضع يده على رؤوس الأنام فيجمع أحلامها " وإن " رايته ليست من قطن و لا كتان وإنما هي ورقة من اوراق الجنة " و غير ذلك من التعبيرات . ويراد بها حقائق إسلامية واعية لكنها لم تستعمل المداليل الإعتيادية للألفاظ . وإنما استعملت الرمزية التي عرفناها في تاريخ الغيبة الكبرى(1). الصعوبة الثانية : تعمد الإجمال في الروايات والسكوت عن بعض ما سيحدث من الأعمال والأقوال … بشكل يبدو بوضوح إرادة المتكلم حذف بعض الحقائق التي لا يجد مصلحة في التصريح بها . كسكوت بعض الروايات عن ذكر مضمون خطبة المهدي في المسجد الحرام أول ظهوره ، وسكوت الروايات عن مضمون خطبته في مسجد الكوفة عند وروده العراق. وسكوتها عن كثير من نصائحه واساليب امتحانه لأصحابه . بل يقتصر على القول : وأنا أعلم بما يقوله لهم . وإما ماذا يقول لهم ، فهذا مما لا سبيل إليه . ومثله ما ورد في عدد من الروايات عن أصحاب المهدي (ع) : وأنا أعرف أسمائهم وأسماء أبائهم ...ولكنه لا يسمي واحداً بالمرة . الصعوبة الثالثة : وجود الفجوات الضخمة فيما ينقل من الروايات ، وعدم انحفاظ تسلسل الحوادث بأي حال . وهذا ما كان يبدو مثله في ما سمعناه من التواريخ السابقة ، إلا أنه في هذا التاريخ أشد تركيزاً ووضوحاً . فانحفاظ التسلسل الزمني للعديد من الحوادث ، يكاد يكون متعذراً . كما أن كثيراً من مهمات الأعمال التي سيقام بها بعد الظهور محذوفة بالمرة . ومن الملاحظ أنه كلما تقدم الزمن مبتعداً قلّت الحوادث المنقولة ، وازدادت الفجوات ، مضافاً إلى ازدياد الرمزية والإجمال أيضاً .(1)ص212 وما بعدها. صفحة (13) فبالنسبة إلى الصعوبة التي نتحدث عنها ، نلاحظ أن الحوادث الواقعة قبل الظهور بقليل أو بعده بقليل ، منقولة ومتوفرة إلى حد كبير . وأما في الفترة اللاحقة لذلك ، فليس هناك إلا حوادث متفرقة ولمام من الأقوال من دون ترتيب أو تعيين . وإذا ازداد البعد وتوجه النظر - مثلاً - إلى حادثة موته أو قتله وإلى من يخلفه بعده ، كانت الروايات نادرة إلى حد كبير. وهذه الصعوبات الثلاثة أمور راهنة تعمدها النبي (ص) والأئمة (ع) في حديثهم عن المهدي (ع) لعدة أسباب ، أهمها : وجود الفجوات الثقافية والفكرية الواسعة بين عصر صدور الروايات والعصر الذي تتحدث عنه الروايات ، من حيث أن تطور الفكر الإسلامي وتعمقه خلال القرون المتطاولة التي يعيشها ما بين هذين العصرين ، وتطوره المتزايد على يد القائد المهدي (ع) ... جعل من المتعذر على سامعي هذه الأحاديث في عصر المعصومين عليهم السلام فهم واستيعاب ما قد يقع من أعمال وأقوال في العصر المؤرخ له . ومن هنا كان من المصلحة سكوت المعصومين عن التصريح بها أساساً ، وفقاً لقانون : كلم الناس على قدر عقولهم . الصعوبة الرابعة : اتخاذ الروايات مساراً معيناً من التفكير ، بحسب المذهب الإسلامي الذي تتبناه . والحديث عن ذلك ، يتشعب إلى شعبتين ، باعتبار ما ورد من الأخبار في مصادر العامة تارة ، وما ورد من الأخبار في المصادر الخاصة أخرى . الشعبة الأولى: في الأخبار الواردة من مصادر العامة من أخواننا أهل السنة والجماعة ، كالصحاح الستة وغيرها. فإن هذه الأخبار التي تتضمن التنبؤ بحوادث المستقبل ، من هذه المصادر ، تنقسم إلى أربعة أقسام . وما يفيدنا - كما سنعرف – هو أشدها اختصاراً وغموضاً. القسم الأول : وهو الذي يمثل المسار العريض والإتجاه الفكري الأهم لهذه الأخبار ، وهو الحديث عن الفتن والملاحم أي الحروب التي تقع خلال التاريخ ، وما ينبغي أن يكون موقف الفرد المسلم منها . ثم الحديث عن الدجال وأوصافه وأفعاله . والحديث عن عيسى بن مريم (ع) ونزوله إلى الأرض وحروبه مع الدجال ومع يأجوج ومأجوج بعد انفتاح السد الذي حبسوا خلفه . ونحو ذلك من المضامين . وهذا هو الذي يمثل الأعمال أغلب من الأخبار الناقلة لحوادث المستقبل وقد سبق أنا ذكرنا وناقشنا في " تاريخ الغيبة الكبرى " ما يعود منها إلى تلك الفترة . وهي لا تمت إلى ( اليوم الموعود) بصلة . وسنذكر في هذا التاريخ ما يعود منها إلى نزول المسيح وبعض الأمور الأخرى . صفحة (14) القسم الثاني : وهو يمثل طائفة مهمة من الأخبار ، وهي الأخبار المثبتة لوجود المهدي (ع) أساساً ،وأنه من ولد فاطمة مع التعرض إلى اسمه وأوصاف جسمه ، وأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً . وهي بمجموعها تزيد على التواتر بكثير ، وتثبت وجود المهدي بالضرورة ... ولكنها لا تنفعنا في تاريخ ما بعد الظهور إلا قليلاً . القسم الثالث : ما يعود إلى شرح نتائج التطبيق الإساتمي الكامل والمصالح الواسعة التي تترتب على العدل الحقيقي ... كالأخبار الدالة على كثرة المال وأنه يبحث الرجل عمن يقبل زكاته فلا يجد ، وبأن الفرات يحسر عن جبل من ذهب ، لو فسرناه بسعة الزراعة وكثرة الخيرات . وهذا القسم لا يذكر في المصادر العامة مقترناً باسم المهدي (ع) وظهوره ، نعم قام البرهان على أن مضمونها لا يمكن أن يتحقق إلا في ذلك العصر ، لعدم توفر التطبيق العالمي الكامل قبله . القسم الرابع : الأخبار المتكلفة لبيان المصالح وبعض النتائج الكبرى التي تترتب على ظهورالمهدي (ع) بنفسه وعنوانه . وهذا القسم وإن لم يرد في الصحاح الستة ، إلا أنه ورد في المصادر الحديثة الأخرى كمسند أحمد ابن حنبل ومستدرك الحاكم وأربعين الحافظ الأصفهاني وغيرها . وأوضح مثال على ذلك : ما ورد في هذه المصادر عن النبي (ص) . بمضمون : تتنعم الأمة في عهده نعمة لم تتنعم مثلها قط ، يرضى عنه ساكن الأرض و ساكن السماء . وما يمت إلى هذا القسم بصلة متوفر في الأخبار ، إلا أنه يقتصر على العموميات ولا يكاد يكون يشكل تاريخاً واضحاً . على أنه – مهما تعدد – فإنه يشكل الجزء الأقل من الأقسام الأربعة ، بالنسبة إلى مجموع المصادر ... كما أن القسم الثالث ، هو الجزء الأقل بالنسبة إلى الصحاح الستة . وسنرى موقفنا من هذه القلة فيما يلي من البحث . الشعبة الثانية : في الأخبار الواردة في مصادر الخاصة ، فيما يمت إلى تاريخ ما بعد الظهور بصلة . والإتجاه الفكري الذي تتخذه هذ الأخبار ، عادة ، هو الإتجاه الطائفي فالمهدي (ع) يناقش طبقاً له ويحارب لأجله ويقيم الإمتحانات المعقدة للآخرين على أساسه . وكأنه ليس في العالم من البشر إلا المسلمين بمذاهبهم المختلفة. صفحة (15) نعم ،من المنطقي الصحيح ، أن يجمع المهدي (ع) المسلمين على الحق الذي يعتقد به . وأن يختبر الناس على أساسه ، إلا أن هذا لا يعني بأي حال اقتصار جهوده على المسلمين ، بعد الذي سنبرهن عليه من عالمية دعوته من ناحية والعلم الوجداني ، بأن غير المسلمين أضعاف المسلمين إلى حين أو الظهور ، كيف وإن الأرض كانت وستبقى إلى يومئذ مملوءة ظلماً وجوراً . إذاً ، فالجهود المبذولة من قبل المهدي (ع) ،وأصحابه الخاصة المخلصين على سائر العالم، أضعاف الجهد المبذول على المسلمين ، أو قل تعادلهما على أقل تقدير ، أما أن تكون الجهود المبذولة على المسلمين أضعاف جهوده على غيرهم ، كما تدل عليه المصادر الخاصة ، فهو مما لايكاد يفهم . ولعل فبالإمكان إعطار المبررات الكافية لمثل هذا الإتجاه في الأخبار ، إلا أنها – بأي حال – تبقى مقتضبة بالنسبة لموقف المهدي (ع) من غير المسلمين . وأهم تبرير لذلك ، هو كون هذه الأخبار في واقعها انعكاساً للظروف المعاشة في زمن صدورها .ولا نعني بذلك كونها كاذبة أو مفتعلة على نسق معين ، فإن لكل خبر حسابه الخاص طبقاً للمنهج الذي أسلفناه . بل تعني أن ظروف الظلم والمصاعب التي كان يعيشها أصحاب الأئمة(ع) في المجتمع الإسلامي. من الدولتين الأموية والعباسية . كانت تعكس في نفوس القواعد الشعبية الأمامية الإعتقاد بأن الجبهة المضطهدة – بالكسر – لها ، تمثل المذاهب الإسلامية الأخرى ، ومن ثم تكتسب القضية المذهبية في أذهانهم عمقاً وأصالة ، أكثر من نسبتها العالمية ، لو صح التعبر . ويكون هو بحاجة إلى رفع معنوياتهم من قبل قادتهم الأئمة المعصومين (ع) ، من هذه الناحية أكثر من أي ناحية أخرى . وذلك باستخدام عدة طرق من أهمها : الكشف عن هذا الجانب بعينه من أعمال الإمام المهدي (ع) والسكوت عن أعماله الأخرى التي لا تمت إلى حاجة المجتمع بصلة وثيقة ، وإن كانت تمثل الجانب الأكبر في دولته . ومن المستطاع القول ايضاً ، أن الفجوات التي تركت ، لم يكن المجتمع عموماً ليهضمها بوضوح ، باعتبارها ممثلة لتصرفات المهدي (ع) على المستوى العالمي وفي عمق الوعي الذي يريده ، مما لم يكن المجتمع في عصر صدور هذه الأخبار على مستوى استيعابه . ومن ثم كان قانون " كلم الناس على قدر عقولهم " مانعاً للمعصومين (ع) عن الإعراب والكشف عن هذا الجانب من دولة المهدي (ع) مهما كان واسعاً . صفحة (16) وعلى أي حال ، فهذه الصعوبة التي نحن بصددها ، تعتبر واقعاً لا محيص عنه وإن علاقات المهدي بغير المسلمين ، لم تذكرها الأخبار إلا بأقل القليل . الصعوبة الخامسة : ما يعود إلى نقص الباحث بصفته ممثلاً لمرحلة معينة من تطور الفكر الإسلامي . ويتم إيضاح ذلك بتقديم عدة نقاط : النقطة الأولى: الفكر الإسلامي بصفته مجموعة من الحقائق والتشريعات كما يعرفها الله ورسوله وأولياؤه (عليه وعليهم السلام ) ... وهو الفكر الإسلامي الأعلى . والأطروحة العادلة الكاملة للحياة . المستوى الثاني : الفكر الإسلامي الموجود عند علماء المسلمين والمفكرين الإسلاميين على مر العصور، وهو في واقعه ناقل للمستوى الأول وحاك عنه ومنبثق عنه إلى حد كبير نتيجة للتبليغات والبيانات التي قيلت من قبل المشرع الإسلامي المقدس في الكتاب الكريم والسنة الشريفة . والمقصود الأساسي هو تربية الأمة على فهم وامتثال المستوى الأول عن طريق ممارستها وتدقيقها للمستوى الثاني ، بصفته ممثلاً لمستوى الأول ، وهي بأجيالها المتعقبة كفيلة بأن تقوم بذلك تدريجياً وكما سبق أن عرفنا في التاريخ السابق . ولا زال الفكر الإسلامي بمستواه الثاني في طريق التطور والتعمق والتوسع . ومن هنا صح أن يقال : إن كل جيل أو عدة أجيال من الأمة الإسلامية يمثل مرحلة للفكر الإسلامي . ولا زال الفكر الإسلامي في طريق الرقي، وينبغي الأعتراف بعدم وصوله إلى الكمال . ووجود عدد من البحوث غير المطروقة فيه ، كما هو غير خفي على المحققين في هذا الصدد. النقطة الثانية : إنه ينتج من ذلك : أن كل باجث ومفكر ، هو بطبيعة تكوينه ابن الفترة التي يعاصرها والزمن الذي يمر فيه . ويتعذر عليه بالمرة ، مهما أوتي من عبقرية وطول باع ، أن يسبق الزمن ، فيدعي الوصول إلى المستوى الأول للفكر الإسلامي ، أو أنه محتو على وعي وثقافة الأجيال الإسلامية القادمة من المستوى الثاني .... تلك الثقافة القائمة على انكشاف ما في سوابقها من الأخطاء ، وملء ما فيها من فجوات . صفحة (17) إذاً فكل باحث يحتوي على قصور طبيعي وذاتي في تفكيره الإسلامي بصفته ممثلاً لمرحلة معينة من تطور الفكر الإسلامي لا يمكن أن يتعداها . في حين يمثل الإمام المهدي (ع) بما ينشر في عصر ظهوره من ثقافات وأفكار وتشريعات ، يمثل المستوى الأول من الفكر الإسلامي ، ويصل بالمستوى الثاني إلى صف المستوى الأول تماماً كما نصت على ذلك الأخبار ، واعترف به سائر مذاهب الإسلام من أن يطبق أفسلام كما جاء به رسول الله (ص) . ومن هنا تنشأ الصعوبة ، من أن يتصدى باحث قاصر للتفكير فيما يتعدى عصره ، وللتوصل إلى حقيقة شخص كامل ومجتمع عادل. النقطة الثالثة :أنه بعد الذي عرفناه من فجوات ومصاعب فيما وردنا من الأخبار من تاريخ ما بعد الظهور ، سوف نضطر – على ما سنعرضه عن قريب – إلى تذليل هذه المصاعب عن طريق انتهاج القواعد الإسلامية المعروفة ، في عدة مجالات : في فهم النصوص عامة ، وفيما هو المقصود من الإستعمالات الرمزية خاصة ، في محاولة التعرف على الإتجاهات العامة التي سيسير عليها الإمام القائد على الصعيدين الإجتماعي والتشريعي ، وفي ترجيح بعض النصوص على بعض إلى غير ذلك من المسؤوليات في البحث والإستنتاج . ويبدو من الواضح ، بعد هذه النقاط : أن كل باحث إنما يملأ هذه الفجوات بمقدار ما لديه من الثقافة الإسلامية وما وصل إليه تطور الفكر الإسلامي في عصره .ويستحيل في حقه أن يصل إلى الواقع الراهن القائم بعد عصر الظهور على عمقه وشموله . وبخاصة بعد ورود ما سنسمعه في العديد من الأخبار من أن المهدي (ع) يأتي بأمر جديد وكتاب جديد وسلطان جديد . ولعل من أوضح أمثلة ذلك كما ذكره ابن عربي ( في الفتوحات المكية ) (1) عن تاريخ ما بعد الظهور ، مما يظن أن المهدي (ع) يقوم به من تصرفات وما يعينه من وزراء وما يسنه من تشريعات، فإنه إنما كتبه بمستواه من التفكير الإسلامي ، ونحن نجده الآن – بعد تعمق الفكر الإسلامي- في غاية الغرابة والتعقيد . صفحة (18) (1) أنظر ج 3 ص327 وما بعدها. وهذه الصعوبة ، بما ينفرد بها هذا البحث عن سائر أبحاث التاريخ وبما فيها ما كتبناه من تاريخ الإمام المهدي (ع) في غيبته الصغرى وغيبته الكبرى . فإن تلك الأبحاث كانت عرضاً لحوادث معاشة سابقة أو معاصرة ، مفهومة الأبعاد والجوانب ، يمكن للمفكر الإسلامي الأخذ بزمامها ، بخلاف العرض التاريخي لما بعد الظهور ، لما عرفناه من قصور الباحث من إدراك العمق الحقيقي لذلك العصر . الصعوبة السادسة : أنه قد يخطر على الذهن في نقد الأخبار الشارحة لحوادث الفترة التي نؤرخها : أنها قائمة على المعجزات وخوارق العادات ، وهي بطبيعتها بعيدة الحدوث صعبة التصديق ، ومن ثم يشكل ذلك ضعفاً في هذه الأخبار وصعوبة في فهمها واستيعابها . إلا أن هذه الصعوبة ومما لا يمكن إدراجها في قائمة المصاعب الحقيقية للبحث ، تلك المصاعب التي تضطر الباحث إلى التسليم بالأمر الواقع ، وإدخال النقص الحقيقي على بحثه . فإن هذه الصعوبة ليست كذلك ، وإنما تعتبر نقطة ضعف في البحث عند اتجاه المفكرين الذين اسقطوا المعجزات عند نظر الإعتبار . فإن عدداً مهماً من تلك الأخبار لا تحتوي على الإشارة إلى أي معجزة على الإطلاق . وإنما تروي أعمال المهدي (ع) ومنجزاته وعدد أصحابه وغير ذلك ، ومعه فلا تكون مشمولة هذه الفكرة أساساً. وأما الأخبار الدالة على المعجزات منها : فينبغي فحصها ومحاسبة كل خبر وكل حادثة على حدة ، فما كان منها مطابقاً لقانون المعجزات الذي برهنا عليه في ( تاريخ الغيبة الكبرى)(1) .. أخذنا به ، بمعنى أنه لم يواجه صعوبة من هذه الناحية . وما كان خارجاً عن حدود هذا القانون ، كان مرفوضاً من هذه الناحية وساقطاً عن الإثبات التاريخي . وقد سبق أن طبقنا ذلك بدقة في الكتاب المشار إليه . ويكون ذلك من القواعد العامة الدالة على تكذيبه . إذاً ، فهذه الصعوبة ، لا تكاد تشكل عقبة حقيقية تجاه هذا البحث ، وإنما المهم هو الصعوبات الخمس الأولى . ولابد من البحث عن إمكان تذليلها و الكفكفة من عمق تأثيرها جهد الإمكان _______________ .(1) ص37 . صفحة (19) الجهة الرابعة : في اسلوب الخروج عن الصعوبات السابقة ، وتذليلها بمقدار ما هو الممكن والمتوفر . وقد أشرنا فيما سبق : إلى أن الجواب الحاسم على هذه المشكلات ، والقاضي على هذه العقبات جملة وتفصيلاً ، مما لا يتوفر ، ولا يمكن توفره لأي باحث ، ما لم يكن معاصراً لعصر الظهور ، أو متأخراً . ومن ثم ينبغي الإعتراف بقصور هذا البحث عن الإحاطة بالعمق الحقيقي لليوم الموعود ، والحوادث التفصيلية الواقعة فيه .وإنما غاية ما نحاول أن نصور الفكار العامة والأعمال الرئيسية المتوفرة فيه . من خلال ما بلغنا من أخبار وما نعرفه من قواعد . وأن خير ما يخرج من تلك المصاعب السابقة هو اتخاذ اسلوبين مترتبين : الأسلوب الأول : تذليل المصاعب عن طريق القواعد العامة المؤسسة في الكتاب والسنة . وذلك بعرض جميع ما وردنا في مصادر هذا التاريخ عرضه على ما هو المعروف من فهم الإسلام لأمور ووجهة نظره إلى القضايا العامة والخاصة ... ذلك الفهم المستنتج من الكتاب والسنة ، والمستشهد عليه بآية أو رواية أو المعروف عن طريق الإستدلال العقلي القطعي . ونستطيع بهذه القواعد ، أن نصل إلى عدة نتائج أساسية حاسمة في تذليل تلك المصاعب : أولاً : محاولة فهم العبارات الرمزية ، بنحو ينسجم مع الفهم الإسلامي الصحيح ، باعتبار أن فهم ظواهرها المباشرة غير محتمل اساساً ، وإلا كان أساساً لتصورات خاطئة اسلامياً ، كما هو المبرهن عليه في البحوث الإسلامية . وإذ يدور الأمر بين إهمالها وتأويلها ، يكون تأويلها إلى المعنى الصحيح أفضل ، كيف ، ونحن نعلم أن استعمال الرمز على لسان النبي (ص) و الأئمة (ع) أمر غير غريب ، وخاصة فيما يكون فوق فهم السامعين الماشرين لهم ،،كما هو الحال في التعبير عن حوادث تاريخ ما بعد الظهور . ثانياً : محاولة ملء بعض الفجوات الموجودة في هذا التاريخ المنقول ، بما نعلم عادة قام المهدي (ع) به بعد ظهوره ، بحسب القواعد العامة .. . وإن لم يصرح به في الأخبار نتيجة لظروفها الخاصة . ولكن تبقى – مع ذلك – فجوات واسعة قد نستطيع ملأها ، أو جملة منها ،عن طريق الأسلوب الثاني الآتي . وبدونه ينبغي الإعتراف بالعجز عن الملء ، لكننا سنرى أننا نستطيع بالأخبار مع تحكيم هذين الأسلوبين تغطية المهم منها . صفحة (20) ثالثاً: رفض ما خالف القواعد العامة من النصوص ، وجعلها قرائن فاصلة في رفض أو قبول الأخبار ما لم تكن مستفيضة أو متواترة ، وجعلها المحك في هذا التمحيص . رابعاً: التوصل إلى بعض ما سكتت عنه الأخبار من الإتجاهات العامة لدولة المهدي (ع) مما يمكن التوصل إليه ، بعد تذليل الصعوبة الخامسة جهد الإمكان كما سيأتي . خامساً: التوصل إلى الربط بين الحوادث التي لا تبدو مرتبطة في النقل الواصل إلينا ، أو محاولة ترتيبها زمنياً إن لم يكن الترتب موجوداً على ضوء القواعد العامة ، مع الإمكان . إلى غير ذلك من النتائج المهمة التي سيأتي تطبيقها فيما يلي من البحث . الأسلوب الثاني : عند اعواز القواعد العامة أحياناً ، تنحصر معرفة النتيجة عن طريق عرض ( الأطروحات ) المحتملة ، كالذي سبق أن طبقناه في تاريخ الغيبة الكبرى .. بالنسبة إلى عدد من أمهات الأمور . وهذا يعني عرض أقرب الإحتمالات في مورد المشكلة ، أما اثنين أو ثلاثة ،مما لا يكون مخالفاً للقواعد العامة ويكون محتمل التحقق في زمنه الخاص .ويعني ذلك أيضاً عدم الجزم بأحد المحتملات ، بل تبقى المسألة معروضة بمحتملاتها ، لكن يبقى في الإمكان جمع القرائن الدالة على ترجيح أحد المحتملات ، في الأعم الأغلب. نعم ، يبقى لدينا أمران يحتاجان إلى مزيد من التأمل : الأمر الأول : المفهوم الطائفي المؤكد عليه في أخبار المصادر الخاصة ،كما سبق أن أشرنا ... وهو وإن كانت له مبرراته الخاصة في عصر صدور هذه الأخبار .كما عرفنا وإلا أن هذه المبررات تكاد تفقد قيمتها الإجتماعية في العصر الحاضر، لأن دولة المهدي (ع) عالمية شاملة للبشرية جمعاء ،وإذا كان مقصودها هو الإستيعاب والشمول في التاريخ ، فلا ينبغي التأكيد على هذا المفهوم خاصة وترك ما عداه من الأعمال والأقوال ، لعهد ما بعد الظهور بأي حال ، لأننا نكون قد اقتصرنا على بعض الجوانب دون بعض. صفحة (21) والذي ينبغي أن يقال : أنه بعد التسليم بإمكان تصديق هذه الأخبار ، ما كان منها صالحاً للإثبات التاريخي .. بناء على الفهم المهدوي الإمامي .. يمكننا تغطية هذا الإتجاه الطائفي في تاريخنا هذا بأسلوبين : الأسلوب الأول : أننا بعد أن نملأ الفجوات التي عرفنا ، ونرهن على اتصال المهدي (ع) بغير المسلمين شعوباً وحكومات ، تقديماً لإدراجهم في دولته العالمية ... ونستطيع فهم الإتجاهات العامة والآثار الكبرى التي تترتب على ذلك ... وعندئذ يمكننا أن نعطي لتلك الأخبار مدلولها الواقعي . إن الأمة الإسلامية ستصبح هي القائدة والرائدة للبشر أجمعين على طريق العدل الكامل ، وبجهودها سيفتح القائد المهدي (ع) العالم ، ومن منطلقاتها سيستطيع بث الدعوة المقدسة إلى العالم ، والأمة القائدة ينبغي أن تكون على مستوى هذه المسؤولية الكبرى ، وإلا كانت جهودها في العالم فاشلة .ومخلة في التخطيط العام في نهاية المطاف . ومن هنا كان التاكيد على ترتيبها في التخطيط الإلهي كبيراً ، سواء في عصر (الغيبة) أو في عصر الظهور .وقد انتجت تربيتها في عصر الغيبة تمخضها عن الجماعة المؤمنة التي تمارس فتح العالم بين يدي المهدي ، إلى جانب انحراف الأعم الأغلب من البشر وتمرسهم بالظلم والطغيان ، حتى من الأمة الإسلامية نفسها ، وهذه الأمة التي أصبح الأكثر فيها منحرفاً لا يمكن أن تكون على مستوى مسؤولية القيادة العالمية بأ ي حال . فإذا لاحظنا درجات الإخلاص الأربعة التي ذكرناها في التاريخ السابق(1) ودرسنا احتمالات تجاوب أفراد الأمة الإسلامية مع الإمام المهدي (ع) في أول دعوته ، وهي احتمالات واسعة جداً بلحاظ ما يحمله الأفراد من درجات الإخلاص . لكن يبقى الكثيرون ومما لا يتصفون بالإخلاص اساساً كما ينبغي رفع درجات الإخلاص عند الأفراد من الدرجات الدانية إلى العالية منها تدريجاً لتكون الأمة بسرعة على مستوى القيادة العالمية ، كأمة ذات دعوة وهدف . وهذا يحتاج إلى أعمال عسكرية وفكرية واسعة النطاق ، قد لا تقل عن المقادير الواردة في الأخبار التي سنسمعها خلال هذا التاريخ لكن ينبغي أن نفهم أن من يعمل المهدي (ع) ضده من الأفراد المسلمين هو كل منحرف منهم ، وإن كان على مذهب لمهدي نفسه من الناحية النظرية . (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص 248 وما بعدها صفحة (22) وهذا الذي يفسر لنا كيف أن جهود المهدي (ع) في أول ظهوره . وخلال فترة سيطرته على العالم عسكرياً وفكرياً وتكون مبذولة على الأمة الإسلامية نفسها أكثر من أي أمة أخرى قائدة للعالم ورائدة للحق . ريثما يستتب له الوضع العالمي ليوزع جهوده على العالم على حد سواء وليس في مداليل الأخبار التي نحن بصددها ما هو أوسع من ذلك . الأسلوب الثاني : في تغطية الإتجاه الطائفي للأخبار ، وهوالإستغناء عن ذكر ما يوجب جرح العواطف المذهبية وإثارة الضغائن بين المذاهب الإسلامية وإن اوجب ذلك وجود فجوة تاريخية . على أن الأخبار المتطرفة ليست كثيرة ، ليست واردة بطريق صحيح ولا تثبت للنقد أمام الأسلوب الذي اتخذناه بالعمل بالأخبار ، فلا يكون تركها مؤسفاً. الأمر الثاني : مما يحتاج إلى التأمل : أن ما قلناه من قصور الباحث عن إدراك العمق الحقيقي لليوم الموعود وقيادة المهدي (ع) فيه ، حقيقة واقعة لا مناص منها ، ومن هنا كون الباب منسداً أمام التعرف على التخطيطات والتشريعات التفصيلية التي يقوم بها القائد المهدي (ع) والعمق الحقيقي لثقافة الفرد المسلم والجماعة المسلمة في ذلك العصر . إلا أن هذا لا يعني بحال عدم إمكان التعرف على ذلك بنحو الإجمال ، على شكل قضايا تجريدية تتصف بشيء من العمومية ... وذات اختصار تجاه تلك التفاصيل القليلة على ما سنرى . إذاً ، فهذا البحث لا يمكنه أن يزاحم الحقائق في ذلك العصر ، أو يغني يعنها ، وإنما غاية جهده أن يلم بعناوينها العامة وقضاياها الإجمالية ونتائجها الرئيسية عن طريق مبرهن صحيح . وبالإطلاع على هذه الجهات . نعرف بوضوح جواب السؤال الذي ذكرناه في أول التمهيد ، من أن هذا البحث خال من الفائدة ورجم بالغيب قد يتحقق في المستقبل وقد لا يتحقق . أما إنكار فوائد هذا البحث ، فقد عرفنا ما يترتب علبه من فوائد الجهة الأولى من هذا التمهيد ، فإن كل فائدة منها تكفي في رجحان الدخول في هذا البحث فضلاً عن المجموع . صفحة (23) وأما كونه رجماً بالغيب ، فليس كذلك لأننا إذ نتكلم على المستوى الإسلامي ، إنما نأخذ ذلك من مصادر الإسلام الأساسية وقواعده العامة ، و ليس فيه أي إخبار بالمغيبات على الإطلاق . نعم ، نفس الأخبار الواردة عن النبي (ص) والأئمة (ع) التي نعتمدها في هذا الصدد ، تحتوي على الأخبار بالغيب أو بحوادث المستقبل، شأنها في ذلك شأن العديد من الأخبار التي اعتمدناها في التاريخ السابق ، والتي اثبتنا صحة الأعم الأغلب منها، وهو مما لا يكون مضراً على المستوى الإسلامي بعد إمكان تعليم الله تعالى إياهم ذلك ...ووجود المصلحة في تبليغه ، وهوالإعداد التدريجي للأمة الإسلامية لتلقي اليوم الموعود . مضافاً إلى أننا اختبرنا هذه الأخبار ، في التاريخ السابق ، فوجدناها صادقة وفيها ما هو مبرهن الصدق غلى حد يدل على صدق العقيدة الإسلامية ، فضلاً عن قضية المهدي ، كما قلنا هناك(1) فإذا أمكنن أن نصدق بعض الاخبار وامكننا ان لا نستبعد صدق الجميع . واما كون هذا التاريخ مما قد يتحقق أو لا يتحقق ، فهذا تابع لقوة ما سنعرضه من الأدلة ، وفيها ما هو قطعي الإنتاج ، وماهو مؤكد وما هو ظني، وإن كانت كلها صالحة للإثبات التاريخي طبقاً للمنهج الذي ذكرناه ،ولا معنى بطبيعة الحال ، أن نقول لما هو قطعي أو مؤكد ، أنه سوف لن يتحقق أو أن احتماله ضعيف !!!... الجهة الخامسة: في بيان ترتيب ابواب وفصول هذا الكتاب ... نذكره في البدء ليكون القارئ ملما بالتسلسل المنطقي لها، قبل الدخول في التفاصيل: يقع هذا التأريخ في اقسام ثلاثة: القسم الاول: في ارهاصات او تقديمات الظهور، بما فيها من اسس عامة، وضواهر خاصة. وفيه بابان: الباب الاول: في الاسس العامة للظهور، ونعني بها القضايا الرئيسية التي يبتني عليها اليوم الموعود. ويتكون هذا الباب من عدة فصول: الفصل الاول: ارتباط يوم الظهور بالتخطيط العام الإلهي للبشرية، ذلك التخطيط الذي سبق ان عرضناه وبرهنا عليه في تاريخ الغيبة الكبرى ______________________ .(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص 538 وما بعدها الى عدة صفحات. صفحة (24) الفصل الثاني : آثار الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور ، فيما يعود إلى الإمام المهدي (ع) نفسه وما يعود إلى أصحابه . وما يعود إلى البشرية على وجه العموم . الفصل الثالث : تويقت الظهور من ناحية شرائطه وعلاماته ، وفائدة تحقق هذه الأشياء بالنسبة إلى ما بعد الظهور . مع الإلماع إلى أن مثل هذا التوقيت لا ينافي الأخبار الدالة على نفي التوقيت . الفصل الرابع : الأيدولوجية العامة التي يتبناها الإمام المهدي (ع) تجاه الكون والحياة والتشريع . الفصل الخامس : التخطيط الإلهي لما بعد الظهور . وإن التخطيط الإلهي العام للبشرية لا ينقطع بالظهور ، بل يبقى ساري المفعول لكن على شكل جديد . الباب الثاني : حوادث ما قبل الظهور . ونعني بها الحوادث التي تقع قبل الظهور بزمن قليل . وهو ما سبق ان اجلنا فيه الكلام من تاريخ الغيبة الكبرى الى هذا التاريخ بعد ان فصلنا الكلام هناك بالحوادث التي لا تكون بطبيعتها قريبة من عصر الظهور . يندرج في ذلك : حروب السفياني وفتنة الدجال ، وقتل النفس الزكية ، والصيحة والنداء ، وغير ذلك ، مما ورد النقل عن حدوثه قبل الظهور بقليل . وقد سبق ان اعطينا فكرة كافية عن الثلاث اولا في التاريخ السابق الا اننا نحاول هنا ان نعطي فكرة جديدة عنها ، في حدود الفرق في اسس الاثبات ومنهجة البحث بين الكتابين ، وقد المعنا الى المهم منها قبل صفحات . القسم الثاني : حوادث الظهور واقامة الدولة العالمية الى وفاة الامام المهدي (ع) ويندرج فيه عدة ابواب : الباب الاول : في حوادث الظهور ، وما يليه الى حين مسير المهدي (ع) الى العراق ويتم الكلام في ذلك ضمن فصول : الفصل الاول : في معنى الظهور وكيفية ، وطريقة معرفة الامام (ع) بالوقت الملائم لذلك الفصل الثاني : في مكان الظهور وزمانه ، ونعني بالزمان : اسم اليوم والشهر ونحو ذلك مما قد في بعض الاخبار تعيينه . الفصل الثالث : خطبته الاولى ، مع بيان مغازيها والتعرض الى عمق مضامينها . صفحة (25) الفصل الرابع : عدد أصحابه وخصائصهم وكيفية اجتماعهم . الفصل الخامس : منجزاته الأولى إلى حين الوصول إلى العراق . الباب الثاني: فتحه للعالم بالعدل . وهو على عدة فصول : الفصل الأول : في نقطة الإنطلاق . والمراد به المكان الذي يبدأ به المهدي (ع) غزو العالم . الفصل الثاني : في سعة ملكه . الفصل الثالث : ضمانات النصر لديه (ع) ، وأنه كيف يمكن أن ينتصر بالعدد القليل على العالم وفيه القوى الكبرى ذات العدد والعدة . الفصل الرابع : في كيفية ومدة استيلائه على العالم . أعني من أول ظهوره إلى حين تأسيس الدولة العالمية بكاملها . الفصل الخامس : ما يحتمل أن يكون موقف الآخرين منه ، سواء في ذلك الأفراد أو الجماعات . الفصل السادس : في مدة بقائه في الحكم. الباب الثالث : التطبيق الإسلامي المهدوي ، أو الدولة المهدوية العالمية ، ويتضمن هذا الباب عدة فصول : الفصل الأول: مجيء المهدي (ع) بكتاب جديد وقضاء جديد ...وإعطاء الفكرة الصالحة عن ذلك . الفصل الثاني : موقفه من القضايا السياسية والإجتماعية . الفصل الثالث : ضمانات التطبيق السريع للعدل الكامل في العالم . الفصل الرابع : قيادات أصحابه . ومقدار قابليتهم وسعتها . الفصل الخامس : تمحيص المهدي لأصحابه وللأمة عامة . الفصل السادس : أسلوبه في تربية الأمة على وجه الإجمال بعد تعذر الإطلاع على التفصيل . الفصل السابع : منجزات المهدي على الصعيدين الإجتماعي والإقتصادي في حدود ما وردنا في الأخبار وما تقتضيه القواعد العامة . صفحة (26) الفصل الثامن : موقف الإمام المهدي (ع) من أهل الكتاب ، ومسألة مشاركة المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام ومعه في القيادة العالمية . الباب الرابع : في انتهاء حياة المهدي (ع) والحديث عن سبب موته . القسم الثالث : العالم بعد المهدي (ع) . و ينقسم إلى بابين : الباب الأول : في قيادة ما بعد المهدي (ع) ، وعرض صفات الدولة ومن حيث الرئاسة والخصائص العامة لها وللمجتمع . الباب الثاني : في نهاية البشرية ، وهل يصح : أنه لاتقوم الساعة إلا على شرار الخلق . هذا ويكون الكلام في هذا القسم الثالث موجزاً نسبياً ، لأجل أن نعرضه بكل تفصيل في الكتاب الرابع من هذه الموسوعة . وينبغي أن نشير هنا إلى أننا جعلنا عنوان هذا الكتاب : تاريخ ما بعد الظهور ، لأن المهم هو التعرض إلى تاريخ البشرية من زاوية ما يقوم به المهدي (ع) من أعمال من حين ظهوره فصاعداً . ويبقى التعرض إلى العلامات القريبة السابقة على الظهور بقليل ، وإلى الظهور نفسه وما يحتويه من ملابسات ، يبقى ذلك كأنه من مقدمات هذا التاريخ . صفحة (27) القسم الأول في إرهاصات الظهور ومقدماته بما فيها من أسس عامة وظواهر خاصة . وفيه بابان : الباب الأول في الاسس العامة لظهور المهدي (ع) ونعني بها القضايا الرئيسية التي يبتني عليها اليوم الموعد ، بما يحتويه من ظهور المهدي (ع) ودولته العالمية العادلة . ويتكون هذا الباب من عدة فصول : الفصل الأول ارتباط الظهور بالتخطيط الإلهي العام يكون التخطيط الإلهي العام المنتج لشرائط الظهور، قد انتهى ، وتكلل بنتيجه الكبرى ، وهو حصول اليوم الموعد . وحاصل الفكرة التي فصلناها في التاريخ السابق(1) : اننا انطلاقاً من قوله تعالى : ( وما خلقتُ الجن وَالإنسَ إلا ليَعْبُدُون)(2) نفهم : ان الغرض الإلهي الاسمى من ايجاد الخليقة . وامدادها بالادراك والاختيار ، هو التوصل بها إلى الكمال ، وهو تمحيض العبادة الحقيقة لله تعالى ، والغرض الإلهي لا يمكن ان يتختلف . وقد ذكرنا هناك معنى العبادة الحقيقية(3) ... وبرهنا(4) على ان وجود هذا الهدف يتوفق على عدة شرائط ، هي كما يلي : أولاً : وجود الاطروحة العادلة الكاملة المبلغة إلى البشر من قبل الله تعالى. لتكون هي القانون السائد في المجتمع . ثانياً : وجود القيادة الحكيمة التي يقوم بتطبيق تلك الاطروحة في اليوم الموعود . ثالثاً : وجود العدد الكافي من المخلصين المؤازرين للقائد بتطبيقه العالمي المنشود . أما الشرط الأول : فقد خطط الله تعالى لا يجاده وتربية البشرية عليه . ضمن خط الانبياء الطويل ، حتى تكلل هذا التخطيط بالنجاح بانجاز هذا الشرط ضمن الاطروحة الاسلامية المبلغة من قبل خاتم الانبياء (ع) ______________ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص 233 وما بعدها الى عدة صفحات. (2) الذاريات:51/65. (3) تأريخ الغيبة الكبرى ص234 (4) المصدر 476 وما بعدها. صفحة (33) وقد سبق هناك ان برهنا ان الاطروحة العادلة الكاملة هي الاسلام(1) . وأما الشرط الثاني : فقد وفره الله تعالى في المهدي (ع) كقائد امثل للبشرية ليكون هو المطبق لتلك الاطروحة الكاملة في اليوم الموعود . . . واكد على بقائه الطويل خلال اجيال عديده من البشر . ذلك البقاء الذي سنرى في الفصل الآتي ، كونه ضرورياً لتولية القيادة المألولة في اليوم الموعود ، وقد اعطينا طرفا ً مختصراً عن ذلك في التاريخ السابق(2) . وأما الشرط الثالث : فقد خطط الله تعالى لايجاده بعد الاسلام . فإن تربية الفرد على تفهم وتطبيق مناهج سابقة غير الاطروحة العادلة الكاملة . والتي سبق(3) ان برهنا على مرحليتها وضيق مضمونها باعتبار ان الذهن البشري لم يكن قابلاً لأكثر من ذلك . ان التربية على تفهم وتطبيق هذه المناهج مما لا يكون مجديا ً في تحقيق العدل في اليوم الموعود . وانما لا بد من تربية الامة الاسلامية على الاطروحة الكاملة نفسها . من حيث تفهمها واستيعاب مضمونها ـ من ناحية ـ والكفاءة لتطبيقها واطاعة مواد قانونها من ناحية ثانية . . . ليكون اللافذاذ الممحصين من هذه الامة شرف المشاركة في انجاز اليوم الموعود ، وتوطيد دعائم الدولة العالمية العادلة . ومن هنا كان لا بد ان تمر الامة الاسلامية بخط طويل من التربية ، وبظروف معينة من الامتحان والتمحيص ، من الناحيتين الفكرية والعاطفية . أما من الناحية الفكرية ، فتتربى الامة ، وبشكل غير مباشر كل البشرية . بما يقدمه لها المفكرون الاسلاميون من بحوث وتدقيقات لدينهم الحنيف ، لكي تكون الأمة ، ومن ثم : البشرية كلها ، على مستوى تفهم الافكار والتشريعات الجديدة التي تعلن في اليوم الموعود . وأما التربية من الناحية العاطفية ، أي من جهة تعميق الايمان والاخلاص فالاسلوب الرئيسي لذلك : هو ان تمر الامة بظروف صعبة من الظلم والمصاعب والانحراف ، ويكون رد فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف ، ويكون لدى النخبة الصالحة منها من الاخلاص والايمان وقوة الارادة ، بحيث يكون رد فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف رد فعل مخلص متضمن للتطبيق الكامل للاطروحة الكاملة ، او الإطاعة التامة للاسلام . صفحة (34) (1) المصدر ص 261. (2) المصدر ص 501 وما بعدها. (3) المصدر ص 255 وما بعدها و ص 258 وما بعدها. وتستمر التربية جيلا بعد جيل على هذا الاساس ، يتزايد خلالها هؤلاء الخلصون ، كما يتطرف العديدون إلى جانب الظلم والانحراف ، حتى يأتي اليوم الذي يتوفر العدد الكافي من هؤلاء المخلصين لقيادة اليوم الموعود وتنفيذه . وعندئذ يكون الوعد الإلهي ضروري التطبيق . بعد توفر شرائطة الثلاثة . ومعه نستطيع ان نفهم بكل وضوح ، مدى ارتباط يوم الظهور الموعود بالتخطيط العام للبشرية ، فانه في الحقيقة هو اليوم الذي يتحقق فيه السبب الرئيسي لايجاد العبادة الكاملة لله تعالى في خلقة . . . وبايجاده يتحقق الهدف الاسمى لخلق البشرية ككل . إذاً فيوم الظهور ، ليس يوماً ولا عرضاً عارضاً ، ولا ظاهرة موقتة ، وانما هو النتيجة الطبيعة المقصودة لله عز وجل من خلقة . وعلى طريقة كانت جهود الانبياء والأولياء والشهداء . اولئك الاعاظم الذين لم تتكمل جهودهم بالنتيجة الاساسية المأمولة في عصورهم ، بل بقيت مذخورة ومخططة لليوم الموعود . وعلى طريقة كانت تضحيات البشر والآمهم ، وما قاسوه من المصاعب والمصائب على مر التاريخ . وما مروا فيه من ظروف الظلم والعسف والنحراف . فهو غياث المستغيثين وامل الآملين ورافع كرب المكربين وظلم المظلومين ، ومحقق العدل العظيم . وسيأتي فيما يلي من البحث، المزيد من التفضيل والايضاح لهذه الفكرة . صفحة (35) الفصل الثاني في نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور بالنسبة إلى كل من الإمام المهدي (ع) نفسه ، وبالنسبة إلى أصحابه وخاصته ، وإلى الامة الإسلامية بشكل عام ، بل إلى البشر أجمعين تنقسم الغيبة الكبرى في مفهومها الضخم الذي حققناه في التاريخ السابق غلى ثلاثة مداليل : المدلول الأول : تأجيل اليوم الموعود إلى امد بعيد ، وإلى موعد مجهول . المدلول الثاني : طول عمر الامام القائد المذخور للمهمة ، ومعاصرة العالمية في اليوم الموعود . . . كما يقتضية الفهم الامامي للمهدوية ، معاصرة هذا القائد لتاريخ طويل واجيال كثيرة للامة الاسلامية . المدلول الثالث : غيبة هذا القائد خلال ذلك ، وعدم اطلاع الناس على شخصه، ومكانه واسلوب حياته . . . بالمعنى الذي ذكرناه من الغيبة في التاريخ السابق(1). ولكل من هذه المداليل تأثيره الحقيقي الفعال في اليوم الموعود . أما المدلول الأول : فهو مدلول ثابت ومنتج سواء على الفهم الامامي للمهدي او على الفهم الآخر . لان قضية التأجيل امر واضح للمسلمين عموماً من صدر الاسلام وإلى المستقبل . . . لا يختلف الحال فيه بين ان يكون القائد المهدي (ع) موجوداً خلال هذا الاجل الطويل او لم يكن ، او غائباً او ليس بغائب . _________ (1) أنظر تأريخ الغيبة الكبرى ص34 صفحة (37) ولهذا المدلول ، اعني التأجيل الطويل ، فوائد المهمة وآثارة العميقة على اليوم الموعود والدولة العالمية، من عدة نواحٍ : الناحية الأولى : مرور الامة الاسلامية بظروف التمحيص والاختيار . التي توضح حقيقة افرادها وتكشف عن ايمان المؤمنين فيها . وتجعلها على طريق تعميق الاخلاص والوعي . الناحية الثانية : ان ظروف التمحيص الطويل تنتج العدد الكافي من الافراد المخلصين الكاملين لغزو العالم بالعدل ، الذين يكون لهم شرف القيادة في اليوم الموعود . الأمر الذي عرفنا اهميته في التاريخ السابق مفصلاً. الناحية الثالثة : ان هذه المدة الطويلة كفيلة باكمال تربية الاجيال من الناحية الفكرية والعاطفية او - بتعبير آخر : على فهم الاطروحة العادلة الكاملة ، أولاً ، والتدرب على اطاعتها والتضحية في سبيلها . وقد سبق ان عرفنا في تاريخ الغيبة الكبرى فكرة مفصلة عن ذلك ـ وهذه التربية لا تختص بخصوص الممحصين الكاملين ، بل هي عامة تشمل سائر الأفراد على مختلف المستويات ، كما برهنا ، وهي تؤثر في الامة من زاوية جعلها على مستوى فهم القوانين والافكار والمفاهيم التي تعلن في الدولة العالمية والتي يكون اعلانها ضرورياً لاستتباب العدل الكامل في الارض . وهذه النواحي الثلاث ، كما قلنا ، لا ترتبط بوجود الامام الغائب ، بل يمكن تصور انتاجها لفوائدها بدون الايمان بذلك ، طبقاً للتصور غير الامامي للمهدي . . . حتى ما إذا علم الله تعالى إكماله للنتيجة بحسب ما هو المقصود في تخطيطه الطويل ، اوجد الامام المهدي في عصره ، فأخذ بقيادة الامة الاسلامية والبشرية إلى شاطئ العدل والسلام . الا ان هذا مما لا ينبغي المبالغة في نتيجته ، وان كان صحيحاً على أي حال ...وذلك بعد ان نلتفت إلى مجموعة امرين : الامر الأول : ما تسالمت عليه مذاهب المسلمين على اختلافها ، من ان الحق منحصر في مذهب واحد على الاجمال ، وام المذاهب الاسلامية الاخرى بعيدة عن واقع الاسلام بقليل او بكثير غاية الامر ان كل مذهب يدعي هذه المزية لنفسه . الأمر الثاني : ان التمحيص الإلهي الضروري لايجاد اليوم الموعود ، لا يكون الا على الحق ، والتجارب والمحن لا تنطلق الا من طاعته والاخلاص له . واما المذهب او المذاهب التي يكون في واقعها بعيدة عن الاسلام ، فالتربية على اساسها والتدريب على طاعتها تدريب على الباطل وان اتخذ صفة الاسلام . صفحة (38) اذاً ، فالتمحيص ينحصر في المذهب الواحد الحق المطابق للاسلام والمرضي لله تعالى من المذاهب المتعددة في الاسلام ، وهو ـ على اجماله ـ الذي يقوم فيه المخلصون الكاملون بقيادة البشرية بين يدي الامام المهدي في اليوم الوعود . ومعه ، فالفوائد المبينه على أساس المدلول الأول والناتجة عنه ، لا تترتب الا على ذلك المذهب الحق ، ولا يمكن ان يترتب على مجموع مذاهب المسلمين . وأما المدلول الثاني : وهو عمر الامام المهدي (ع) ومعاصرته لتاريخ طويل للامة الاسلامية خاصة وللبشرية عامة . . . فما يترتب عليه من الفوائد يختص بالفهم الامامي للمهدي (ع) ولا يعم فهم المذاهب الاخرى له . فإذا عرفنا ما لهذا المدلول من فوائد في تكميل وترسيخ العدل في عصر الظهور ، امكننا ان نعرف افضلية التصور الامامي على غيره من هذه الجهة . وان الله تعالى حين يريد افضل اشكال العدل للدولة العالمية ، فهو يختار التخطيط للغيبة . وبذلك نستكشف صحة التصور الامامي وتعين الاخذ به في التخطيط الإلهي . وقد بحثنا ذلك في التاريخ السابق(1) طبقاً لمنهج معين ، ونريد ان نبحثه الآن طبقا لمنهج آخر ، قد يكون اكثر تحليلاً : وخلاصة القول في ذلك : ان الاطروحة الامامية لفهم المهدي (ع) في حدودها الصحيحة المبرهنه التي عرضناها في التاريخ السابق : تتضمن ـ في حدود المدلول الثاني الذي نحن بصدده ـ عدة خصائص مهمة . الخصيصة الاولى : الايمان بعصمة الامام المهدي (ع) ، باهتباره الثاني عشر من الائمة المعصومين. الخصيصة الثانية : الايمان بكونه القائد الشرعي الوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، طيلة زمان وجوده ، سواء كان غائباً أو حاضراً . الخصيصة الثالثة : معاصرته لاجيال متطاولة من الامة الاسلامية خاصة والبشرية عامة . الخصيصة الرابعة : كونه على مستوى الاطلاع على الاحداث يوماً فيوماً وعاماً فعاماً عارفاً باسبابها ونتائجها وخصائصها . ________ (1) أنظر : التخطيط الخاص بايجاد القائد ص497 وما بعدها. صفحة (39) الخصيصة الخامسة : كونه على ارتباط مباشر بالناس خلال غيبتة ، يراهم ويرونه ويتفاعل معهم ويتفاعلون معه ، لا انهم لا يعرفون بحقيقة الا نادراً جداً ، وذلك طبقاً لـ ( اطروحة خفاء العنوان ) التي اخترناها وبرهنا عليها في تاريخ الغيبة الكبرى(1) . وكل هذ الخصائص مما يفقدها الفهم غير الامامي للمهدي ، بكل وضوح . وانما المهدي بحسب تلك الاطروحة شخص يولد في زمانه ، وييسر له الله عز وجل ظروف الثورة العالمية . فهل هذا العمل الكبير ممكن التنفيذ من قبل شخص غير معصوم ، احسن ما فيه انه يمثل ثقافة عصره ودرجة وعيه من الناحية الاسلامية ؟ ! .. الحق ، اننا ينبغي ان نذعن بان مثل هذا الانسان ، لا يمكن ان يؤهل للقيادة العالمية بأي حال ، وان خصائص المهدي في التصور الامامي ليست بالخصائص الطارئة أو الثانوية ، وانما هي اساسية في تكوين قيادته وتمكنه من تحقيق المجتمع العادل ، كما أراده الله تعالى وكما وعد به . أما الخصيصة الأولى : وهي عصمة الامام المهدي (ع) فتترتب عليها عدة فوائد ، يمكن ان نشير إلى اربعة منها : الفائدة الأولى : كونه وارثاً علم الامامة المتضمن للاسس الرئيسية للفكر القيادي العالمي . . . عن آبائه المعصومين عن رسول الله (ص) عن الله عز وجل . وأنى لمن يوجد في العصور المتأخرة الحصول على ذلك، الا بوحي جديد من الله عز وجل، وهو ما حصل الاجماع من قبل سائر المسلمين على عدم حصوله للمهدي(ع). ولا يخفى ما في الاطلاع على هذه الاسس الرئيسية من زيادة في القدرة على القيادة العالمية ، ان لم تكن ـ في واقعهاـ الطريق الرئيسي الوحيد لذلك وتعذر القيادة العالمية بدونها ، وكلما تعين شيء للقيادة العالمية او كان افضل لها . كان الله تعالى من منجزاً له لا محالة ، لكونه واقعا في طريق الهدف البشري الأعلى ، وكون اختيار عكسه ظلم للبشرية وموجب لتخلف الهدف وكلاهما محال على الله عز وجل ؟ الفائدة الثانية : الشعور بالابوة للبشر اجمعين ، فهو حين يحارب الكافرين والمنحرفين ويقتل العاصين ، لا يشعر تجاههم بحقد او ضغينة وانما يحاربهم من اجل مصالحهم انفسهم ونشر العدل والسعادة في ربوعهم . وايصال الحق إلى اذهانهم . __________ (1) أنظر ص34 وما بعدها. صفحة (40) واجتماع هاتين العاطفتين ، اعني الشعور بالابوة مع قصد القتل ، لا تتوفر لدى أي أحد في التجربة الفعلية للفتح الاسلامي الا اذا كان معصوماً . ومن هنا رأينا الفتح الاسلامي بعد انحسار القيادة المعصومة عنه ، قد تحول إلى مقاصد اخرى لا تمت إلى الشعور بالعطف الابوي على الشعب المغلوب ، بأي صلة ... وانما اصبح الفتح تجارياً محضاً، كما سمعنا طرفاً منه في (تأريخ الغيبة الصغرى)(1). فإذا كان هذا الشعور متعذراً لغير المعصوم في الفتح الاسلامي العالمي ذو النطاق المحدود ،فكيف بالفتح الاسلامي العالمي، بما تزهق فيه من نفوس ، وماتحصل فيه من اموال ، وما يتسع فيه من سلطان . الفائدة الثالثة : عدم الانحراف بالقيادة عن مفهومها الاسلامي الصحيح الذي يشجب استغلالها في سبيل ترسيخ الكرسي والتمسك بدفة الحكم والجشع الشخصي . . . هذه الآثار السيئة والعواطف المنحرفة التي لا يكاد تنفك عن كل من يحكم رقعة من الأرض، او دولة معينة ، فكيف إذا أصبح الحكم عالمياً واصبحت السيطرة والنفوذ في القمة من السعة والشمول .ان الفرد مهما كان صالحا ونقيا قبل هذه القيادة ، سيكون مثل هذه القيادة محكا لانحرافه وطمعه ، لمدى ضغط الدافع الشخصي والمصلحي على الفرد الحاكم ، مالم يكن معصوما بالفعل عن ارتكاب كل قبيح ومعصية في التشريع الاسلامي . الفائدة الرابعة: الدقة الكاملة في التطبيق العالمي للاطروحة العادلة الكاملة ومن ثم الأخد بزمام المجتممع للعبادة المحضة لله عز وجل ، التي هي الهدف الأساسي من ايجاد الخليفة . وهذه الدقة يمكن ان تتوفر للمعصوم بكل سهولة ، بناء على الفهم الامامي للعصمة . وهو ان المعصوم ممتنع عليه الخطأ والنسيان مضافاً إلى عصمته من الذنوب ، وان الامام ( متى أراد ان يعلم شيئا اعلمه الله تعالى ذلك) كما نطقت به الاخبار(2) . فان المشاكل العالمية مهما كثرت وتعقدت ، يمكن للامام التصف بهذه الصفات ، ان يهيء لحلها اقرب الاسباب. _____________ (1) أنظر ص96 وما بعدها. (2) أنظر: الكافي (الاصول) لثقة الإسلام الكليني (مخطوط) في باب بعنوان: أن الائمة إذا شاءوا بعلموا علموا . صفحة (41) ولعل هذا هو السر الأساسي في جعل هذه الصفات للمعصوم واتصافه بها مع انه لا تترتب عليها مصالح الدعوة الإلهية بالمعنى الشخصي . وذلك: انه قد يستشكل في الدليل العقلي التقليدي على العصمة ، بان : غاية ما دل عليه ذلك الدليل هو وجوب عصمته عن الذنوب وعن الكذب في التبليغ والدعوة ، لكي يكون كلامه مؤثراً في الآخرين ومقنعاً لهم . بخلاف ما لو عرفوه محتمل الكذب في حياته السابقة ، فان هذا التأثير لا يحصل لا محالة ، اما عصمته عن الخطأ والنسيان فهو مما لا يشمله ذلك الدليل لإمكان تدراك ما فات بعد الالتفات . والجواب عن ذلك ، على ضوء النتائج السابقة ، ان العصمة عن الخطأ والنسيان مما يتوقف عليه التطبيق العالمي للعدل الكامل(1) . وخاصة في مهمته الأولى، وتحويل العالم الفاسد إلى عالم صالح عادل ، والمفروض في كل معصوم ان يكون على مستوى القيادة الثابتة له نظرياً . اعني ان يكون له من القابليات ما يمنعه من التقصير في تنفيذها . باعتبار ان ايكال الدعوة إلى شخص قاصر عن تطبيقها مستحيل على الله عز وجل ، بل لا بد ان تنسجم دائما مدعيات الدعوة الالهية من الناحية النظرية مع امكان التطبيق على طول الخط . هذا حال المعصوم ، ام الغير المعصوم ، فيتعذر عليه تماما قيادة العالم بالعدل ، وخاصة في تحويل لأول مرة من الظلم إلى العدل ، الأمر المملوء بالمشاكل والعقبات . ولعل أطرف ما يبرر ذلك ، ما روي عن ذي القرنين حين اوكل إليه الله تعالى قيادة العالم ، ولم يكن حاكماً من الناحية العملية إلا على بعض العالم . . . وقد أوحى الله تعالى ، ( يا ذا القرنين انت حجتي على جميع الخلائق ما بين الخافقين من مطلع الشمس الى مغربها . وهذا تأويل رؤياك . ________ (1) ولا ينافي هذا ما قلناه في التاريخ السابق عن القاعدة القائلة: اذا أراد الامام أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك. فاننا حددناها هناك (ص517) ببعض القبود. ولكنها في ضمن تلك الحدود تكون كافية للقيادة العالمية ، ولا يقتضي الدليل الذي ذكرناه هنا ما هو أوسع من ذلك. صفحة (42) فقال ذو القرنين : ياإلهي انك ندبتني لأمر عظيم ، لا يقدر قدره غيرك . فأخبرني عن هذه الأمة ، بأية قوة اكابرهم ، وبأي عدد أغلبهم وبأي حيلة أكيدهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أكلمهم . وكيف لي بأن اعرف لغاتهم ، وبأي سمع أعي قولهم ، وبأي بصر انقدهم ، وبأي حجة اخاصمهم ، وبأي قلب أعقل عنهم ، وبأي حكمة أدبر أمرهم . وبأي علم اتقن امرهم ، وبأي حلم اصابرهم ، وبأي معرفة أفضل بينهم ، وبأي عقل احصيهم. وبأي جند أقاتلهم ، فإنه ليس عندي مما ذكرت يارب شيء ! فقوّني عليهم ، فانك الرب الرحيم الذي لا تكلف نفساً إلا وسعها ، ولا تحملها إلا طاقتها ) (1). فهذه الرواية تبرز بوضوح صعوبة ممارسة الحكم العالمي . ولئن ذللت المدينة الحديثة بعض هذه المصاعب إلى حد ما ، فانها اضافت إليها مصاعب وتعقيدات جديدة . تزيد في الطين بلة . ولولا ان الله عز وجل وعده بعد ذلك ـ لو صحت الرواية ـ بالتوفيق والتسديد ، لكان من الحق تعذر بل استحالة القيادة الشخصية غير المعصومة للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم كله. نعم ، ترتفع هذه الاستحالة ويقل التعذر ، مع وجود القيادة الجماعية الا اننا سبق ان ناقشناها بالتفصيل في التاريخ السابق(2) ، وسيأتي تطبيق ذلك في مستقبل هذا التاريخ . وسيتضح انه لا يمكن للمهدي ان يأخذ بالقيادة الجماعية الا بعد ان تمر البشرية بتربية طويلة طبقا للمناهج التي يضعها بنفسه . وعلى أي حال ، فقد كان المقصود البرهنه على أهمية الخصيصة الأولى للمهدي (ع) وهي صفة العصمة ، وانه لا يمكن لأي شخص غير معصوم الاضطلاع بمهمة القيادة العالمية. وأما الخصيصة الثانية للامام المهدي (ع) في الفهم الامامي ، وهي كونه القائد الشرعي والوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، حتى في حال غيبته . . . فتترتب عليها عدة فوائد بالنسبة إلى من يؤمن بقيادته . فان اثرها الكبير في تعميق التمحيص الإلهي وتوسيعه . ________ (1) انظر إكمال الدين للشيخ الصدوق ( نسخة مخطوطة). (2) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 477 وما بعدها. صفحة (43) فإن الفرد المؤمن بقيادته حال غيبته ، حين يكون على محك التمحيص الإلهي ، الساري المفعول لاجل صقل ايمانه وتعميق اخلاصه وتكميل نفسه . . . إذا اخذ الفرد مفهوم القيادة المهدوي في ذهنه ، فانه سوف ينعكس على سلوكه بكل وضوح . وسيتجه إلى العمل والتضحية اكثر من الفرد الخالي من هذه الفكرة بطبيعة الحال ، وذلك ، لا قتران مفهوم القيادة المهدوية في ذهنه بعدة حقائق . الحقيقة الأولى : كونه جندياً مأمورا موجها بالفعل للعمل في سبيل الله واطاعة احكامه . وان أوامر قائده المهدي (ع) موجودة ومتوفرة لدية متمثلة بالاحكام الاسلامية ، فان المهدي هو المثل الحقيقي للاسلام ، فأوامر الاسلام أوامره ، ورغبات النبي (ص) في امته رغباته . الحقيقة الثانية: كونه مسوؤلا ومحاسبا امام هذا القائد ، ولو بشكل غير مباشر . كيف وأن صوت القائد موجود في ضميره الاسلامي يحمله على الخير ويردعه عن الشر . وهذا الفرد يعلم ان قائده حي مطلع على ما يصدر منه من اعمال ويقيم ما يقوم به من حسنات او سيئات ، فأحرى به ان يدخل السرور عليه بحسناته وان لا يخجل امامه بسيئاته وانحرافه . الحقيقة الثالثة : الشعور بمظلومية هذا القائد حال غيبته ، وبمظلومية البشر البائسة التي اوجبت لها غيبة امامها ومرورها بعصور الظلم والانحراف ، كثيرا من القمع والاضطهاد . الحقيقة الرابعة : الشعور باتنظار هذا القائد ، واحتمال ظهوره وقيامه بدولة الحق في اي لحظة من الزمن . وهذا يستدعي ، بطبيعة الحال ، ان يرعي الفرد تعميق اخلاصه وايمانه وتضحياته في سيبل دينه . . . ليكون له الزلفة لدي امامه وقائده عند ظهور واهلية شرف المشاركة بين يديه في اصلاح العالم وقيادته . إلى غير ذلك من الحقائق التي تكون كل واحدة منها فضلا عن مجموعها من اكبر المحفزات للفرد المؤمن على مزيد العمل والتضحية في الخط الاسلامي الصحيح . وهذا نفسه يوجب النجاح في التمحيص الإلهي بشكل اعمق واسرع بطبيعة الحال . ولا يمكن ان يترتب شيء من هذه الفوائد مع عدم الايمان بقيادة الامام المهدي (ع) وغيبته . وهناك فوائد اخرى تترتب على ذلك ، تكون مشتركة مع الخصائص الآتية بحسب التطيبق والوجود ، ومن هنا كان الأفضل ذكرها مع تلك الخصائص . صفحة (44) الخصيصة الثالثة : وهي عبارة عن معاصرة الامام المهدي (ع) لاجيال طويلة من البشرية . . . ولها عدة فوائد نقتصر منها على فائدتين تعود احداهما على الامام نفسه وتعود الأخرى على البشرية : أما الفائدة التي تعود الى الامام ، فهي ما عرضناه في التاريخ السابق(1) وأقمنا عليه القرائن من ان معاصرة الامام للأجيال توجب اطلاعه المباشر على قوانين تطور التاريخ وتسلسل حوادثه ، الأمر الذي يؤثر تأثيراً كبيراً في عمق قيادته بعد ظهوره. وأما الفائدة التي تعود الى البشر ، فهي باعتبار ما ورد في اخبار المصادر الخاصة من الحاجة إلى وجود الامام حاجة كونية قهرية مضافاً إلى الحاجة القيادية . منها : ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني في الكافي(2) بإسناده عن أبي حمزة ، قال : قلت لأبي عبدالله ـ الصادق ـ (ع) : تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرص يغير إمام لساخت . وما أخرجة بسنده عن أبي هراسة عن أبي جعفر الباقر ـ(ع) ، قال : لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لما بأهلها كما يموج البحر بأهله . وهي تدل بظاهرها ـ بغض النظر عن إمكان حملها على الرمزية ـ بأن بقاء الإمام ضروري لحفظ بقاء الأرض ومن عليها ، حتى يكون لها وجود ونظام كوني كامل يمكن تنفيذ الوعد الإلهي وإنتاج التخطيط العام من خلاله . وهذا إنما يتم مع وجود الإمام معاصراً لكل الأعوام والأجيال البشرية . . . وخاصة بعد الاعتقاد الإمامي المؤيد باخبار العامة(3) بأن الأئمة اثنا عشر للحصول على هذه الفائدة . وقد يكون هذا هوالمراد من قوله امام المهدي (ع) ، فيما روي عنه : واني لأمان لأهل الأرض ، كما أن النجوم امان لأهل السماء (4).\ _________ (1) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 514 وما بعدها. (2) انظرباب:ان الارض لا تخلو من حجة اصول الكافي ، (نسخة مخطوطة). وكذلك ما بعده . وانظر أيضاً: الغيبة للشيخ الطوسي ص 92 ط النجف. (3) أخرجها البخاري: انظر ج9 ص101 ومسلم انظر ج 6 ج 3-4 وغيرهما من الصحاح وكتب الحديث. (4) انظر ناريخ الغيبة الكبرى ص 54 عن الاحتجاج للطبرسي. صفحة (43) الخصيصة الرابعة : كون الأمام المهدي (ع) على مستوى الاطلاع على الاحداث ، يوماً فيوماً وعاماً فعاماً ، عارفاً بأسبابها ونتائجها . وتحتوي على عدد من الفوائد مضافاً إلى الفائدة الأولى من الخصيصة الثالثة ، أهمها : الحفاظ على المجتمع المسلم ودفع البلاء الواقع عليه من أعدائه عليه . فإن الإمام المهدي (ع) حين يعلم يجريان الأحداث وأسبابها ومسبباتها ، وما قد تؤول إليه من مضاعفات ، وحين يكون مكلفاً إسلامياً برفع الأضرار والدواهي عن المجتمع المسلم ، في بعض الحدود التي ذكرناها في التاريخ السابق(1) ... وقد وعد هو (ع) بذلك فيما وري عنه(2) ... حين يكون كذلك ، فانه لا محالة يقوم بوظيفة المقدسة خير قيام . وقد عرضنا(3) الأسلوب الذي يمكنه (ع) به أن يقوم بالأعمال النافعة خلال غيبتة. هذا مضافا إلى تقييمه للناس والمجتمعات ، طبقا للميزان العميق الذي يحمله ويعرفه ، الأمر الذي يوفر عدة نتائج : منها : اطلاعه على درجة إيمان المؤمنين وإخلاص المخلصين ، واتجاهاتهم السلوكية والعقائدية في الحياة . ومنها : اطلاعه على سلوك المنحرفين والكافرين ، ومحتملات نتائجة على الإسلا م والمسلمين ، لأجل التوصل من ذلك إلى محاولة الحد من تأثيره. ومنها : معرفته بتحقيق شرط اليوم الموعود ، الذي هو يوم ظهوره ، وهو وجود العدد الكافي من الناصرين والمؤازرين له على فتح العالم ومباشرة حكمه بالعدل طبقاً لاحد المحتملات في أسلوب تعرفه على يوم ظهوره، مما سوف يأتي عرضه واختيار الصحيح منه. الخصيصة الخامسة : وهي اتصال الإمام المهدي (ع) بالناس ومحادثته لهم وتفاعله معهم ... ولها ـ على الاقل ـ فائدتان ، إحداهما خاصة بالإمام المهدي (ع) والأخرى عامة للمجتمع المسلم كله. _______ (1) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 53 وما بعدها. (2) المصدر ص 167 و ص175. (3) المصدر ص 176. صفحة (46) أما الفائدة الخاصة به (ع) ، فهو اختلاطه بالناس وارتفاع الوحشة عنه ، تلك الوحشة المشار إليها في بعض الأخبار(1) والثابته له على تقدير بعده عن الناس وسكناه في الصحارى والقفار ، كما ورد في رواية ناقشناها في التاريخ السابق(2) . هذا ،مضافاً إلى قضاء حوائجة الشخصية الضرورية لكل إنسان ، بشكل أسهل من أي أسلوب آخر يتخذه في الحياة . وأما الفائدة التي تعم المجتمع كله ، بانصال المهدي (ع) بأفراده ، فهي انه (ع) ، حين يتصل بالناس ، يقوم بوظيفة الإسلامية تجاههم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقريبهم من الطاعة وإبعادهم عن المعصية وحثهم على الأعمال العامة النافعة وبذور الصلاح في الأفراد والمجتمع ... في الحدود وبالشكل الذي سبق ان حولناه على التاريخ السابق . ومن ثم السير قدماً بتحقيق الشرط الثالث من شرائط الظهور، باعتبار أن الناس كلما ازداد إيمانهم واخلاصهم ، كلما كان احتمال تحقق العدد الكافي لغزو العالم أقرب وأوضح . وهذا وينبغي أن نعرف في نهاية الحديث عن خصائص الإمام المهدي (ع) في غيبته : انها خصائص متساندة ومتعاضدة ، باعتبار أن المتصف بها شخص واحد ، فمن المنطقي أن تكون الفوائد المشار إليها منطلقة من مجموع الخصائص وإن كانت بواحدة الصق ونحوها أقرب . وبهذا يتم الكلام عن المدلول الكبرى. وأما المدلول الثالث للغيبة الكبرى ، وهو استتار الامام القائد وخفاء شخصه وعمله ومكانه على الناس ، اعني بصفته الحقيقية . . . . ففائدته الكبرى بالنسبة إلى اليوم الموعود ، هو حفظه (ع) من شر الأعداء للقيام ليبقى مذخوراً بالمهام الكبرى في ذلك اليوم المجيد . ________ (1) عن الامام الباقر(ع) انه قال: لا بد لصاحب هذا الامر من عزلة،ن ولا بد في عزلته من قوة، وما بثلاثين من وحشة...الحديث. أنظر تأريخ الغيبة الكبرى ص 47 عن غيبة الشيخ الطوسي. (2) وهو ما ورد عن المهدي(ع) نفسه يقول عن أبيه (ع): وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ومن البلاد إلا عفرها..الحديث. المصدر ص 72. صفحة (47) وهذا ما أشرنا إليه في الأخبار : أخرج الشيخ الطوسي في الغيبة(1) بإسناده عن زرارة ، قال : ان للقائم غيبة قبل ظهوره ، قلت : ولم ؟ قال : يخاف القتل . وفي حديث آخر(2) عن زرارة بن أعين أيضاً ، قال سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : إن للغلام غيبة قبل أن يقوم ، قلت : ولم ؟ قال : يخاف . وأوما بيده إلى بطنه . وأخرج الشيخ الصدوق في إكمال الدين(3) بإسناده عن سعيد بن جبير قال : سمعت سيد العابدين علي بن الحسين يقول : في القائم منا سنن من سنة الأنبياء (ع) . . . إلى أن قال : وأما موسى فالخوف والغيبة ... الحديث . وفي حديث آخر(4) عن محمد بن مسلم الثقفي الطحان ، قال : دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلوات الله عليه وعلى آله فقال لي ، مبتدئاً : يامحمد بن مسلم ان في القائم من آل محمد (ص) شبهاً من خمسة من الرسل . . . إلى أن يقول : واما شبهه من موسى فدوام خوفه وطول غيبته وخفاء ولادته . . . الحديث ولعل هذه الفائدة ، هي المصلحة الوحيدة التي بينتها الأخبار للغيبة الكبرى . باعتبارها المصلحة الوحيدة المناسبة مع المستوى الفكري والثقافي الذي كان موجوداً في عصر صدور هذه الأخبار. وثبوت هذه الفائدة واضح ، بعد التسليم بأمرين : الأمر الأول : الفهم الإمامي القائل : بأن المهدي هو الإمام الثاني عشر من الأئمة المعصومين (ع) . الذي هو الفهم الذي ننطلق منه في إثبات أكثر مداليل الغيبة الكبرى كما عرفنا . _________ (1) ص201 . (2) نفس المصدر ص202 . (3)نسخة مخطوطة غير مرقمة الصفحات. (4) نفس المصدر. صفحة (48) الأمر الثاني: ان الإمام المهدي (ع) لو كان ظاهراً معروفاً بحقيقته ، قبل اليوم الموعود ، لقتله الظالمون لا محالة... بعد التسالم الواضح على أن هدفه الأساسي هو تطهير الأرض من الظلم وتبديل أوضاع الظالمين . إذاً ، فكل من لا يرضى بهذا التبديل ، انطلاقاً من انحرافه ومصالحة الشخصية ، سيكون ضده. وسيكون القضاء على المهدي (ع) متيسراً بأسهل طريق . لأنه ليس له من ينصره أو يدافع عنه ، أو ويوجد من لا يكفي لذلك ، لما عرفناه مفصلاً من أن نصره متوقف على تمخض التخطيط العام عن وجود العدد الكافي لغزو العالم بالعدل . وان هذا لا يتم الا قبيل ظهوره . واما خلال المدة المتخللة قبله فان التخطيط لم ينته بعد ولم ينتج هذا العدد الكافي . إذا فقيامه بالثورة العالمية متعذر تماماً ، ودفاعه عن نفسه بدون ذلك متعذراً أيضاً ، لاقتران وجوده في اذهان الناس بالثورة العالمية . . . إذا فتعين أن يكون غائباً غير معروف وان لا تنكشف حقيقته إلا يوم ظهوره في اليوم الموعود . وذلك من أجل جل أن يبقى مذخوراً لتلك المهمة الأخرى. ومن الواضح أن مقتله يفقد اليوم الموعود قائدة ، الذي لا يوجد غيره . بحسب الفهم الإمامي ، ومن ثم يخل بالدولة العالمية ، وبالهدف العام من خلق البشرية. وقد يخطر في الذهن : ان المهدي (ع) يمكن أن يكون معروفاً ، الا ان الله تعالى يحفظة عن طريق المعجزة ، لأجل تنفيذ اليوم الموعود والهدف العام ... بعد أن عرفنا(1) من قانون المعجزات ، كالطريق الطبيعي غير الاعجازي، متعيناً ، ولا تحدث فيه معجزة . وجواب ذلك : اننا عرفنا إلى حنب ذلك من قانون المعجزات انه متى أمكن السير نحو الهدف بدون معجزة ، كان الطريق الطبيعي غير الاعجازي ،متعيناً ، ولا تحدث فيه معجزة . فبالنسبة إلى المهدي (ع) حين كان هو الامام الثاني عشر من المعصومين (ع) ، ولا إمام بعده ، كان حفظه لليوم الموعود واطالة عمره متعينا بالمعجزات ، ولا بديل لذلك . ومن أجل هذا حدثت المعجزة وطال عمره . وأما حفظه لذلك اليوم بمعنى دفع القتل عنه ، فهذا يتعين عن طريق المعجزة . بل يمكن أن يكون عن طريق الغيبة أيضاً ، وهي طريق طبيعي واضح ، كما سبق أن برهنا في التاريخ السابق(1) لا يتضمن في أساسه الا غفلة كل أفراد البشر عن حقيقته وعدم العلم بكونه هو المهدي ، ومن ثم لا يوجد عند أحد القصد إلى قتله . بصفته مهدياً . وقلنا انه إذا أمكن الطريق الطبيعي ، ولا تقوم المعجزة بتنفيذه. صفحة (49) (1) انظر تأريخ الغيبة الكبرى ص38 . وبمعرفتنا مداليل الغيبة الكبرى ونتائجها الكبرى بالنسبة إلى الأمة الاسلامية خاصة والبشرية عامة . وبالنسبة إلى الإمام المهدي (ع) خاصة وتنفيذ اليوم الموعود عامة ... يتبرهن لدينا بوضوح أهمية الغيبة الكبرى ، وكونها رئيسياً في التخطيط الإلهي العام لا يمكن الإستغناء عنه . واما مع الأخذ بالفهم غير الإمامي للمهدي وكونه شخصاً يولد في زمانه وسيوقف للثورة العادلة في حينه . ان مثل هذه القائد لن يستطيع بأي حال قيادة العالم قيادة عادلة عادة ، ولو فرضنا ـ جدلاً ـ انه استطاع ذلك لفترة، فهو لا يستطيع ضمان بقاء التطيبق الإسلامي على الدوام ، كما هو المفروض في دولة المهدي وسيأتي الإستدلال عليه . وينطلق الحكم بعدم استطاعة مثل هذا الإنسان القيام بهذه المهمة ، من حقيقة عدم لياقته لذلك ، وقصوره عنه قصوراً تاماً ، بعد كونه فاقداً لكل النتائج التي عرفناها للغيبة الكبرى . وبخاصة صفة العصمة التي يكون فاقداً لها ولكل خصائصها المهمة . وأما المدلول الأول الذي يشمل الفهم غير الإمامي للمهدي ، فنتائجه تظهر في الأمة أو البشرية ، وليس لها نتائج خاصة بالمهدي كما مر. صفحة (50) Website Page 2 مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره) كتاب تاريخ ما بعد الظهور للسيد الشهيد محمد صادق الصدر (قد) الفصل الثالث توقيت الظهور من ناحية شرائطه وعلاماته . إن اهم الفروق بين شرائط الظهور وعلاماته ، هو أن الشرائط عدة خصائص لها التأثير الواقعي في ايجاد يوم الظهور والنصر فيه وانجاز الدولة العالمية ، ولولاها لا يمكن أن يتحقق سواء وجدت أو لم توجد وانما هي أمور جعلت من قبل الله سبحانه وبلغت إلى البشر من قبل الصادقين قادة الإسلام الأوائل . بصفتها دوالاً وكواشف عن قرب الظهور، إذا كانت منم العلامات القريبة ، أو عن أصل حصوله ، لو كانت من العلامات البعيدة ، وذلك : ليكون الأفراد المنتظرون لذلك اليوم المختارون للعمل فيه نتيجة لنجاحهم التام في التمحيص ، بحالة التهيؤ النفسي الكامل لا ستقباله عند حدوث العلامات القريبة . وهذا هو الذي قلناه في التاريخ السابق وعرفنا فيه عدة فروق بين الشرائط والعلامات بالنسبة إلى ما بعد الظهور . عرفنا في الفصل الأول : أن المهم المتبقي مما لم يحدث إلى الآن من شرائط الظهور ، ولم يتمخض التخطيط الإلهي عن ايجاده ، أمران : الأمر الأول : تربية الأمة ككل من الناحية الفكرية ، حتى يكون لها القابلية لاستيعاب وفهم وتطبيق القوانين الجديدة التي تعلن بعد الظهور. الأمر الثاني : تربية العدد الكافي للنصر في يوم الظهور من الأفراد المخلصين الكاملين الممحصين ، الذين يكونون على مستوى التضحية والفداء لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة . صفحة (51) وهذان الأمران يحدثان تدريجاً نتيجة للتربية الطويلة البطيئة للأمة ، تحت الظروف والخصائص التي سبق ان عرفناها . وسوف لن يتمخض التخطيط الإلهي لايجادهما الا قبيل الظهور . وبتعبير آخر: انهما عندما يتحققان يكون اليوم الموعود نافذاً بجميع شرائطة ، ومعه لا يمكن أن يكون متخلفاً أو متأخراً عن ذلك . واما الاطلاع على انهما تحققا فعلاً أو لم يتحققا ، فهو مما لا يمكن أن يعرفه الناس الا عند الظهور ، لأنه يكون دالاً على تحققهما قبله لا محاله ولا يحصل هذا الاطلاع عند البشر إلا للإمام المهدي نفسه ، على ما سنذكره في فصل قادم . وهذان الشرطان يكونان مقترنين في تطورهما التدريجي ، والوصول إلى الغاية المطلوبة . وبخاصة وهما لا يتضمنان في مفهومهما مقداراً محدداً غير قابل للزيادة . إذ في الامكان تطور الأمة من الناحية الفكرية والإخلاص على الدوام . غير أن لهذين الأمرين (حد ادنى) يصلح أن يقوم عليه اليوم الموعود ومع تحقق هذا الحد الأدنى لكلا الشرطين معاً يكون اليوم الموعود واقعاً ونافذاً لا محالة . ويكون التطور الزائد في جوانب الأمة الإسلامية موكولا ً إلى ما بعد الظهور . وهذان الشرطان متشابهان في التطوير إلى حد كبير ، تبعاً لازياد الظلم والانحراف ، المنتج لهما معاً . ولكن لو فرض أن أحدهما كان اسرع من الأخر ، فترة من الوقت ، بحيث وصل إلى الحد الإدنى المطلوب قبل الآخر كما يتصور ـ عادة ـ في الجانب الفكري ، فانه أسرع تطوراً من جانب الإخلاص وقوة الإرادة ، كما برهنا عليه في التاريخ السابق(1) ... هو حصول الحد الأدنى من العدد الكافي من الجيش الفاتح للعالم ، مع تعمق القابلية الفكرية للأمة أكثر دقة ورسوخاً . وكذلك لو فرض تطور الإخلاص أكثر من القابلية الفكرية ، فإنه مما لا ضير فيه ، إن لم يكن أكثر نفعاً بالنسبة إلى يوم الظهور . ___________ (1) انظر تأريخ الغيبة الكبرى ص265 . صفحة (52) وعندما يتكامل هذان الشرطان ، تكون كل الشرائط المطلوبة قد اجتمعت في زمن واحد . فالأطروحة العادلة الكاملة موجودة بين البشر ، متمثلة بتعاليم الإسلام كما برهنا عليه في التاريخ السابق(1) .والأمة قد ترتب على فهمها بدقة واتقان ، وأصبحت قابلة لتفهم القوانين الجديدة التي تكون على وشك الصدور في اليوم الوعود . والقائد موجود متمثل بالإمام المهدي (ع) على كلا الفهمين الإمامي وغيره . والعدد الكافي من الجيش العقائدي القيادي متوفر لفتح العالم ونشر العدل والسلام بين ربوعه مع وجود العامل المساعد المهم وعو انكشاف نقاط الضعف لكل التجارب البشرية والمبادئ والقوانين الوضعية السابقة على الظهور ، واليأس من حل بشري جديد ، كما سبق أن اوضحناه في التاريخ السابق(2). وإذا اجتمعت هذه الشرائط . كان تنفيذ الوعد الإلهي والغرض الأهم من الخلق ضرورياً ،لاستحالة تخلف الوعد والغرض في الحكمة الإلهية الأزلية . ومن هنا نعرف أن وقت الظهور ، منوط باجتماع هذه الشرائط . ومن أجل ذلك ، قد يخطر في الذهن منافات ذلك مع ماورد في اخبار المصادر الخاصة من نفي التوقيت وتكذيب الوقاتين . كرواية الفضيل ، قال : سألت أبا جعفر (ع) : هل لهذا الأمر وقت ؟ ... فقال : كذب الوقاتون كذب الوقاتان ، كذب الوقاتون . وعن أبي عبد الله الصادق (ع) : كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ، ونجا المسلمون ، وإلينا يصيرون . وعنه (ع) : من وقت لك من الناس شيئاً ، فلا تهابن أن تكذبه فلسنا نوقت لأحد وقتاً(3) . وأخرج النعماني عن أبي بكر الحضرمي ، قال : سمعت أبا عبدالله ( ع) يقول : انا لا نوقت هذا الأمر(4). وهذه الأخبار بعدد قابل للإثبات التاريخي ، وواضحة الدلالة على نفي التوقيت . فلو كان ما ذكرناه من اقتران اليوم الموعود بشرائطة توقيتاً له . إذا يجب تكذيبه جملة وتفصيلاً . ____________ (1) المصدر ص 261. (2) تأريخ الغيبة الكبرى ص249 وغيرها. (3) الغيبة للشيخ الطوسي ص262 ... الاخبار الثلاثة كله (4) الغيبة للنعماني ص 155. صفحة (53) إلا أنه من حسن الحظ ! ان التوقيت المنفي ليس هو ذلك بل المراد به ـ بوضوح ـ تحديد الوقت بتاريخ معين ، كما لو قيل ـ مثلا ـ إن الظهور أو اليوم الموعود ، يكون في سنة الفين ميلادية أو في سنة الفين هجرية . والقرينة على ذلك ، ما ورد من الأخبار التي تنفي توقيتاً معيناً : كالذي أخرجه النعماني(1) باسناده عن عمار الصيرفي قال: سمعت ابا عبدالله (ع) يقول : قد كان لهذا الأمر(2) وقت ، كان في سنة أربعين ومائة ، فحدثتم به وأذعتموه ، فأخره عزوجل . وعن أبي الثمالي قال سمعت ابا جعفر (ع) يقول : يا ثابت ان الله كان قد وقت هذا الأمر في سنة السبعين . فلما حدثناكم بذلك أذعتم وكشفتم قناع الستر ، فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك عندنا وقتاً ، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب . وفي هذه الأخبار بعض المفاهيم وبعض المناقشات ، لا مجال للدخول فيها . ولكنها لا تضر بما نريده الآن من انها دالة على أن المراد من التوقيت تحديد الوقت بتاريخ معين ، فإن الروايات الأخص تكون قرينة على الأعم . وهذا النحو من التوقيت فيه عدد من نقاط الضعف : النقطة الأولى : إنه جزاف بدون أي دليل . كيف وقد أجمع المسلمون على أن وقت اليوم الموعود موكول إلى علم الله عزوجل . مع الغموض التام بالنسبة إلى الناس .. بل ظاهر الرواية الأخيرة انه خفي حتى على المعصومين أنفسهم . ومن هنا يكون ذكر أي تاريخ معين جزافاً محضاً وكذبأً صريحاً . النقطة الثانية : ان تاريخ الظهور لو كان محدداً معروفاً ، لكان من أشد العوامل على فشل الثورة العالمية وفناء الدولة العادلة ، فإنه يكفي أن يحتمل الأعداء ظهوره في ذلك التاريخ ، ولو اعتبار المسلمين ذلك . فيجتمعوا على قتله في أول أمره وقبل اتساع ملكه واستتباب أمره . _______________ (1) المصدر ص 157 وكذلك الخبر الذي بليه. (2) المراد من هذا الأمر ما يشمل ظهور المهدي(ع) وليس خاصاً بذلك. وفي بعض الروايات ما هو خاص به كذلك أخرجه النعماني عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ع) قال قلت له:جعلت فداك متى خروج القائم عليه السلام . فقال: يا أبا محمد ، إنا أهل بيت لا نوقت. وقد قال محمد (ص) كذب الوقاتون ... الحديث ( غيبة النعماني ص155 وما بعدها). صفحة (54) ولذا اقتضى التخطيط الإلهي ، من أجل إنجاح اليوم الموعود ، أن يكون الظهور فجائياً ، مثاله مثال الساعة لا يجليها لوقتها ، كما نطقت بذلك الأخبار وسنرى ما لعنصر المفاجأة من أثر فعال في نصره . النقطةالثالثة : ان الامة الاسلامية حين يكون التخطيط الالهي قد انتج نتيجته فيها ، ولم يصبح بعد على مستوى مسؤولية اليوم الموعود ، فإنها تكون مقصرة بالنسبة إلى كل حدود ومقدماته ... وتكون هذه الحدود والمقدمات فوق مستواها العقلي والثقافي والديني . ومن هنا لم يتورع الناس عن افشاء التوقيت الذي كان فيما سبق ، ولو أعطوا وقتاً جديداً لأفشوه أيضاً لا محالة . . . ومن هنا الغي التوقيت ، كما سمعنا من هذه الأخبار . وهذا أيضاً أحد الأسباب في تحريم تسمية الإمام المهدي (ع) خلال غيبته الصغرى ، كما سمعنا في تاريخها(1) فإنهم ان عرفوا الاسم أذاعوه وإن علموا بالمكان دلوا عليه . وهذا القصور العام في الأمة هو المشار إليه في بعض الأخبار ، كقول الإمام موسى بن جعفر (ع) : يابني عقولكم تضعف عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله . ولكن إن تعيشوا تدركوه(2) . فإن المراد بالعقول ما نسمية بالمستوى الفكري والثقافي ، والمراد بالأحلام ما نسمية بالإخلاص وقوة الإرادة وكون الأمة على مستوى المسؤلية . . . وكلاهما ضعيفان بمنطوق الرواية .كما دل عليه البرهان أيضاً . وليس المراد من هذه الرواية وأمثالها ما يفهمه بعض الناس ، من امتناع التعرف على مصلحة الغيبة ، وخفاء مصلحة وجود الإمام خلالها . . . بعد كل الذي سبق أن عرضناه في كتب هذه الموسوعة مستفاداً من القرآن الكريم والسنة الشريفة نفسها . النقطة الرابعة : ان وقت الظهور وإن كان محددا في علم الله الأزلي ، لكنه بالنسبة إلى علله وشرائطة ينبغي أن لا يفترض له وقت محدد . ______________ (1) انظر تأريخ الغيبة الصغرى ص277 وما بعدها. (2) روته النعماني في غيبته ص78 ونقلناه في تأريخ الغيبة الكبرى ص11. صفحة (55) فإن تحديد التاريخ يمكن أن يكون على مستويين : المستوى الأول : علم الله الأزلي بالأشياء منذ القدم ، المتعلق بكل الممكنات أو المخلوقات بأسبابها ومسبباتها. المستوى الثاني: وجود المعلول بالنسبة إلى وجود علته ، فإن المعلول يحدث متى حدثت علته ، بلا دخل للزمان في ذلك أصلا ً . مثاله : إننا لو نسبنا تاريخ اكمال بناء البيت بالنسبة إلى القوى المادية والبشرية العاملة فيه ، كان تاريخه منوطاً بتحقيق هذه المكونات ، حتى ما إذا وضع البناء آخر حجر في كيان الدار ، تكون هذه الدار قد انتهت ، بغض النظر عن طول زمن البناء وقصره . . .فانه قابل للاختلاف حسب الظروف والطوارئ والقابليات والإمكانيات . وحيث يبرهن فلسفياً بأن علم الله تعالى الأزلي المتعلق بالأشياء ليس علة لها ، وانما يتعلق بها ويكشف عنها على ما هي عليه في الواقع ، إذا، ففي الإمكان قصر النظر عن تعلق ذلك العلم به معه يكون المستوى الثاني للتوقيت صحيحاً ، ويكون وجود الشيء منوطاً بوجود علته واجتماع شرائطة ومكوناته ، من دون أن يكون الزمن ملحوظاً في تحديد حدوثة على الاطلاق . . . بل قد يكون قابلاً للزيادة والنقص ، كما قلنا . ومن هذا القبيل ، يوم الظهور . فإننا لو غضضنا النظر عن علم الله الأزلي لم يبق لدينا أي وقت محدد له ، وأنما هو منوط بحصول شرائطه وعلله . فمثلا ً نقول : متى اجتمع العدد الكافي للغزو العالمي بالعدل الكامل . من المخلصين الممحصين ، كان يوم الظهور ناجزاً ، سواء كان زمان وجودهم والفترة التي تحققهم طويلة جداً أو قصيرة . وهذا دليل آخر على أن التوقيت بمعنى تحديد التاريخ المعين جزاف محض . وهذا هو مرادنا من التوقيت الذي برهنا عليه . وهو توقيت إجمالي يخلو من التحديد بالومان تماماً . فلا يكون قولاً جزافاً ولا واجب التكذيب . كما لا يكون تحديده الإجمالي خطراً على الأمام المهدي وموجباً لفشل مهمته بعد الظهور . هذا تمام الحديث في توقيت الظهور باعتبار شرائطة . وأما توقيت الظهور باعتبار علاماته . فقد سبق أن عرفنا في التاريخ السابق جملة من العلامات ، وفحصنا ادلتها ودقفنا في معانيها . . . ولنا موقف آخر معها في الباب الثاني الآتي من هذا التأريخ. صفحة (56) والمهم هنا هو أن نعرف ان العلامات على قسمين : القسم الأول : علامات واردة في الأخبار ، ولا على تقع قبل الظهور بزمن قليل بل على ان تقع قبله ، ولو بزمان بعيد وأمد طويل . وقد عرفنا في التاريخ السابق ان أغلب هذه العلامات قد تحققت وصدقت بها الأخبار . إلا إنها في واقعها لا تحتوي على أي توقيت بالنسبة إلى الظهور. وإنما لها فوائد أخرى . أهمها : أن الخبر الوارد إذا قرن الحادثة بالظهور وانها واقعه قبله في الجملة . ثم رأينا الحادثة قد حدثت ، فنعرف أن الخبر صادق في بإخباره عن الحادثه علامة على الظهور . القسم الثاني : من العلامات ما صرحت الأخبار بقرب حصوله من زمن الظهور . وقد قلنا في التاريخ السابق(1) ان هذا النحو من العلامات وإن لم يكن له ارتباط سببي بيوم الظهور ، إلا أنه مما جعله الله تعالى تنبيهاً لخاصة أوليائه المخلصين الممحصين علامة على قرب الظهور ، ليكونوا على الأستعداد التام من الناحية النفسية والعقائدية لاستقبال إمامهم وقائدهم ، وتلقي مهامهم ومسؤولياتهم عنه . بل إن التهيؤ النفسي غير خاص بالممحصين ، بل شامل لكل مسلم مسبوق بوجود هذه العلامات ، وخاصة بعد تحققها والتأكد من صدق الإخبار السابق عنها . غير أن تهيؤ الأفراد لاستقبال الظهور يختلف باختلاف درجة ثقافتهم وايمانهم ووعيهم ويكون أحسن أشكال التهيؤ صادراً ـ بطبيعة الحال ـ من المخلصين الممحصين . وسيكون لهذه الفكرة نتائجها في مستقبل هذا البحث . وهذا القسم من العلامات يتضمن التوقيت بوضوح ، ويشير إلى قرب حصول الظهور ومن هنا أمكن التهيؤ لاستقباله . إلا إنه قد يخطر في الذهن سؤالان حول ذلك : السؤال الأول : إن هذه العلامات كما تنبه المخلصين الذين يعدون أنفسهم للفداء بين يدي المهدي (ع) : كذلك تكون منبهة لاعداء المهدي (ع) ، فيعدون أنفسهم للقضاء عليه وطمس حركته ، في أول حدوثها. _____________ (1) انظر تأريخ الغيبة الصغرى ص530. صفحة (57) وهذا سؤال أثرناه في التاريخ السابق ، وأجبنا عنه مفصلاً(1). ومجمل الفكرة : أن الأعداء سوف لن يلتفوا إلى حصول هذه العلامات ، ولو التفتوا فإنهم لن يعلموا انها من قبيل العلامات إلى ظهور المهدي (ع) . ولو علموا فإنهم لن يستطيعوا التألب عليه . لأنه يظهر في زمان غير مناسب لذلك ، على ما سنرى في فصل قادم . ولو فرضنا أنهم التفتوا وتألبوا ، فلا يكون ذلك مجدياً أيضاَ ، لما سنعرفة في المستقبل البحث من أن المهدي (ع) ، لن يعلن عن أهدافه الكاملة لأول وهله ، ومن هنا فلن تلتفت الدول إلى خطره المباشر عليها ، إلا بعد أن تقوى شوكته ويتسع سلطانه . إذاً ، فلو كانوا تألبوا فإنهم سوف لن يستعملوه ضده إلا بعد فوات الأوان . السؤال الثاني : إن التوقيت بهذه العلامات ، مناف للأخبار النافية للتوقيت والآمرة بتكذيب الوقاتين . والجواب على ذلك ، يكون على مستويين : المستوى الأول: أن ننظر إلى الزمان المتخلل بين وقوع هذه العلامات كزماننا هذا ... ونقول : بأن هذه العلامات لو وقعت لدلت على قرب الظهور . وهذه قضية صادقة لا تشمل على التوقيت المنهي عنه على الإطلاق وانما هي توقيت إجمالي ، كالذي قلناه في شرائط الظهور تماماً من أنها : لو حصلت لظهر المهدي (ع) . فإن عدم الاطلاع على زمان وقوع هذ العلامات مستلزم بطبيعة الحال لجهالة زمان الظهور وعدم تحديده ، ذلك التحديد المنفي من الاخبار. المستوى الثاني : أن ننظر إلى الزمان المتخلل بين وقوع هذه العلامات وبين الظهور فإن كل فرد يشاهد إحدى العلامات القريبة ، من حقه أن يقول : أن المهدي (ع) سيظهر بعد قليل . ويمكن أن نفهم هذا القول على شكلين : الشكل الأول: إن هذا القول لا يحتوي على تحديد معين للوقت ، باعتبار أنه يبقى مردداً بين اليوم والأيام ، بل بين العام والأعوام ، فإن تخلل عشرة أعوام مما بين ظهور العلامة القريبة وظهور المهدي (ع) ، غير ضائر بكونها قريبة ، لضآلة هذه الأعوام العشرة تجاه الزمان الطويل السابق عليها ومعه فلا تكون تحديداً ، ولا تندرج في الأخبار النافيه للتحديد. _______________ (1) المصدر السابق ص 532. صفحة (58) الشكل الثاني : ان نتنازل عما قلناه في الشكل الأول ، ونقول : إن هذا القول ، أعني : أن المهدي سيظهر بعد قليل ... يتضمن التحديد والتوقيت إذاً ، فلا بد من الالتزام بأن الأخبار الدالة على وقوع العلامات القريبة مخصصة لأخبار التكذيب وخارجة عن مدلولها . وتكون النتيجة : ام كل تحديد لتاريخ يوم الظهور كذب وواجب الرفض إلا إذا كان مستنداً إلى حدوث علامة من العلامات القريبة ، فإنه يكون صادقاً وجائز التلقي بالقبول. ولأجل ذلك ـ في الحقيقة ـ وضعت هذ العلامات ، وهو تأكد المخلصين الممحصين من قرب الظهور . ومعه فمن غير المحتمل بقاء التحديد كاذباً ومحرماً إلى ذلك الحين .كما أنه ليس جزافاً من القول بعد استناده إلى العلامة التي سمع بوقوعها في يالأخبار ، وقد رآها متحققة في عالم الوجود . مع العلم ، ان هذ العلامات لا تدل على أكثر من أقتراب اليوم الموعود وأما تحديده باليوم والشهر ونحوه . فيبقى سراً في علم الله تعالى ، حتى يتحقق الظهور. صفحة (59) الفصل الرابع الايديولوجية العامة التي يتبناها المهدي (ع) تجاه الكون والحياة والتشريع والذي نريد التعرف عليه في هذا الصدد ، هو الاطلاع الكامل على العمق الحقيقي للوعي الذي ينشره الإمام المهدي في المجتمع ، ولا تفاصيل الأسس العامة التي تبتني عليها الايديولوجية يومذاك . فإن ذلك مما يتعذر الإطلاع عليه قبل يوم الظهور ، كما ذكرنا في التمهيد . وانما الذي نثير التساؤل عنه ونحاول التعرف عليه الآن ، هو بعض العناوين العامة التي يتصور اتجاه الايديولوجيه المهدوية نحوها أو التي قد يخطر في الذهن ذلك منها . معه يكون التساؤل مثاراً عن أمور أربعة: الامر الأول : الدين يعتنيه المهدي (ع) ، ويعلنه في العالم . الأمر الثاني : المذهب الذي يتخذه (ع) . الأمر الثالث : التساؤل عما إذا كان يتبنى بعض المفاهيم المحددة الضيقة كالعنصرية والقومية والوطنية ونحوها . الأمر الرابع : التساؤل عما إذا كان نظامه مشابهاً في المفهوم أو المدلول مع الأنظمة السابقة على الظهور ، كالرأسمالية والإشتراكية ، أو لا ؟ ونتكلم عن كل من هذه التساؤلا ت الأربعة ، في ضمن جهة من الكلام . الجهة الأولى : في الدين الذي يتبناه الإمام المهدي (ع) ويحكم العالم على أساسه . وهو دين الإسلام بصفته الأطروحة الكامله التي تحقق العبادة الحقيقية العبادة الحقيقية المستهدفه من خلق البشرية أساساً ، كما سبق أن عرفنا . صفحة (61) ويتم الاستدلال على ذلك بعدة أساليب ، نذكر منها ما يلي : الأسلوب الأول : أن نستعرض بعض الظواهر المهمة لنتائج العدل السائدة في دولة المهدي ... فإذا عطفنا على ذلك انحصار العدل الكامل بالإسلام ، إذا ، فهذا الأسلوب متوفق على مقدمتين : المقدمة الأولى : استعراض بعض الظواهر المهمة والنتائج العظيمة للعدل السائد في دولة المهدي العالمية . وهذا بتفاصيله موكول إلى الباب الثالث من القسم الثاني من هذا التاريخ وإنما نقتصر في المقام على ذكر بعض الأمثلة . فمن ذلك ما أخرجه ابن ماجه(1) عن أبي سعيد الخدري : أن النبي (ص) قال : يكون في أمتي المهدي . . . فتنعم فيه أمتي نعمة لم ينعموا مثلها قط . تؤتي اكلها ولا تدخر منهم شيئاً . والمال يومئذ كدوس ، فيقوم الرجل فيقول : يا مهدي عطني فيقول : خذ . وما يرويه البخاري(2) عن ابي هريرة : أن رسول الله ( ص) قال ، ـ في حديث ـ : ومتى يكثر فيكم المال فيفيض ،حتى يهم رب المال من يقبل صدقته ، ومتى يعرضة فيقول الذي يعرض عليه لا أرب لي به . وقد برهنا في التاريخ السابق(3) بانحصار حدوث هذه الكثرة من المال في دولة المهدي (ع) دون ما قبلها . مضافاً إلى دلالة هذه الأخبار المروية هنا . وما أخرجه مسلم في صحيحه(4) عن ابي سعيد وجابر بن عبدالله قالا : قال رسول الله (ص) : يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده . وما أخرجه الشيخ المفيد في الإرشاد(5) عن المفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : ان قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها . إلى أن قال : وتظهر الأرض من كنوزها حتى يراها الأرض على وجهها . ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته ، فلا يجد أحداص يقبل منه ذلك ، واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله . ____________ (1) أنظر السنن ج2 ص1367. (2) انظر الصحيح ج9 ص74 . (3) انظر نـريخ الغيبة الصغرى ص 231 و ص335. (4) ج8 ص 185 . (5) أنظر ص342. صفحة (62) ومثل ذلك ما ورد في كتاب العهدين في وصف دولة العدل المنتظرة ، كقوله(1) : وتنفتح أبوابك دائماً(2) نهاراً وليلاً لا تغلق ، ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملكهم ، لأن الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد ، وخراباً تخرب الأمم . كقوله : بل يقضى بالعدل للمساكين ، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ، ويضرب الأرض بقضيب فمه ،ويميت النافق بنفخة شفتيه ....فيسكن الذئب مع الخروف و يربض النمر مع الجدي ... والبقر والدبة ترعيان ، تربض أولادهما معاً . والأسد كالبقر يأكل تبناً .ويلعب الرضيع على سرب الصل .ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان ، لا يسوؤن ولا يفسدون . في كل جبل قدسي .لأن الأرض تمتلىء من معرفة الرب (3). إلى غير ذلك من النصوص في كتب العهدين . ولكل من هذه النصوص تحليله وتفسيره الذي سيأتي في مستقبل البحث ... وإنما المراد الإلمام في الجملة بحالة السعادة والرفاه التي يعيشها شعب المهدي (ع) – وهو كل البشرية – في دولته وتحت نظامه . المقدمة الثانية : انحصار العدل الكامل في الإسلام . وهذا يحتاج إلى بحث عقائدي لسنا الآن بصدده ، وإنما نشير الآن إلى خلاصة نتائجه : وهي أننا بعد أن علمنا الإسلام هو آخر الشرائع السماوية ، وأن العقل البشري قاصر عن إيجاد العدل الكامل في العالم .وأن الله تعالى وعد في كتابه الكريم بتطبيق العدل الكامل والعبادة المحضة على وجه الارض، بل كان هذا هو الغرض الأساسي للخلق . _____________ (1) أشعيا :60/ 13 (2) مرجع ضمير المؤنث المخاطب هو (اورشليم ) عاصمة بني اسرائيل في نظر اليهود .ولكننا سنبرهن في الكتاب القادم على انحصار صحة هذه النبؤات بدولة المهدي (ع) ، وإنما ذكرت اورشليم باعتبارها العاصمة الدينية المهمة في نظر اليهود .فإن انتقلت الأهمية إل غيرها انتقلت النبؤات أيضاً ، لأنه تتبع الدين الحق حيث يكون. (3) أشعيا : 11/ 4-8 صفحة (63) إذن فينحصر أن يكون هذا العدل المشار إليه هو الإسلام لعدم إمكان حصوله من العقل البشري وعدم إمكان نزول شريعة أخرى بعد الإسلام . وإذا تم الأسلوب الأول وبكلا مقدمتيه ، عرفنا أن كل ما ذكر من أنحاء وأنواع السعادة والرفاه الموجود في دولة المهدي (ع) ، دولة الحق والعدل المنتظرة ، هو في الحقيقة نتيجة لتطبيق مفاهيم وقوانين ألإسلام فيها إذاً فقد تبرهن : أن الدين الإسلامي الذي يعتنق والقانون الذي يتخذ في تلك الدولة هو الإسلام ، بقيادة القائد العظيم الإمام المهدي (ع) . الأسلوب الثاني : أن نستعرض نصوص الأخبار الدالة على أن الإمام المهدي (ع) يطبق الإسلام بالخصوص . وهي على عدة أقسام : القسم الأول : الأخبار الدالة على أن المهدي من النبي (ص) ومن عترته ومن أمته ومن أهل البيت .وإذا كان المهدي متصفاً بهذه الصفات ، فهو على دين الإسلام بالضرورة . أخرج أبو داوود(1) ونعيم بن حماد والحاكم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله (ص) : المهدي مني ... الحديث. وأخرج أحمد والباوردي في المعرفة وأبو نعيم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله (ص) :أبشركم بالمهدي رجل من قريش من عترتي ... الحديث وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة : سمعت رسول الله (ص) يقول : المهدي منا أهل البيت ، رجل من أمتي ...الحديث. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حماد في الفتن عن علي قال: قال رسول الله (ص) :المهدي منا أهل البيت ... الحديث . وأخرج (2) ابن أبي شيبة و الطبراني والدارقطني في الإفراد وأبو نعيم والحاكم عن ابن مسعود ، قال: قال رسول الله (ص) : لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي ... الحديث . ____________ (1) انظر الحاوي للفتاوي للسيوطي ج2 ص124 .وكذلك الأخبار الأربعة التي تليه . (2) المصدر ص125 و كذلك الخبر الذي يليه . صفحة (64) وأخرج الطبراني عن ابن مسعود عن النبي (ص) قال: لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيه رجل من أهل بيتي. إلى ذلك من الأخبار ، ودلالتها على المطلوب أوضح من أن تخفى . القسم الثاني: الأخبار الدالة على أن المهدي (ع) يحكم الأمة الإسلامية على الأخص .وهو حين يحكمها بصفتها الإسلامية ، فسوف لن يكون حكمه إلا بالإسلام . أخرج الترمذي (1) وحسنه ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: إن في أمتي المهدي يخرج الحديث. أقول : يخرج فيها يعني يحكمها . وأخرج نعيم بن حماد وابن ماجة عن أبي سعيد ، أن النبي (ص) قال : يكون في أمتي المهدي ... الحديث . وأخرج (2) أحمد ومسلم عن جابر، قال: قال رسول الله (ص) يكون في أهر أمتي خليفة... الحديث. القسم الثالث : الأخبار الدالة على تطبيق المهدي (ع) للإسلام و سنة النبي (ص) . أخرج الطبراني في الأوسط (3) وأبو نعيم عن أبي سعيد : سمعت رسول الله (ص) يقول : يخرج رجل من أهل بيتي يقول بسنتي . الحديث . وأخرج – يعني نعيم بن حماد -(4) عن علي عن النبي (ص ) ، قال : المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي ، كما قاتلت أنا على الوحي . وأخرج ابن حجر في الصواعق (5) قال : وصح انه (ص) قال : يكون اختلاف عند موت خليفة ...إلى أن قال : ويعمل في الناس بسنة نبيهم (ص) ويلقى الإسلام بجرانه على الأرض . ________________ (1) المصدر ص126 وكذلك الخبر الذي يليه . (2) المصدر ص131. (3) المصدر والصفحة (4) المصدر ص148. (5) انظر ص98. صفحة (65) وروى الشيخ الطوسي في الغيبة (1) عن أبي جعفر الباقر (ع) ، قال : ويقتل الناس حتى لا يبقى إلا دين محمد (ص) .. الحديث . واخرج أبو يعلى(2) عن أبي هريرة قال : حدثني خليلي أبو القاسم (ص) قال : لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي ، فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق ... الحديث . أقول : الحق في نظر رسول الله هو الإسلام . وروى الشيخ المفيد في الإرشاد(3) عن المفضل بن عمر الجعفي ، قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (ع) يقول: إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم لى حقه ، وأن يسير فيهم بسنة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله .... الحديث . القسم الرابع : من لأخبار ، ما دل على أن المهدي (ع) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً . وهي أخبار متوترة مروية عن النبي (ص) وقادة الإسلام الأوائل .وهم يرون أن القسط والعدل هو الإسلام ليس إلا ، فيكون المعنى اعتناق وتطبيق الإمام المهدي (ع) للإسلام عقيدة ونظاماً . وقد أحصى الصافي في منتخب الأثر (4) لهذه العبارة الكريمة مائة وتسعة وعشرون حديثاً ، وقد روتها المصادر العامة بكثرة بما فيها الصحاح كأبي داود وابن ماجة والترمذي إلى مصادر أخرى كثيرة ذكرناها في التاريخ السابق(5) مضافاً إلى مصادر علماء الإمامية ومصنفيهم فإنها أكثرمن أن تحصى . _____________ (1) انظر ص 283. (2) الحاوي للفتاوي ص131 (3) انظر ص 342 وما بعدها. (4) انظر ص478. صفحة (65) · (5) تاريخ الغيبة الكبرى ص281 وما بعدها . وسيأتي في القسم الثاني من هذا الكتاب ما يزيد هذه الأخبار بأقسامها الأربعة وضوحاً. وهذها الأسلوبان من الإستدلال على حقيقة الدين الذي يتخذه المهدي (ع) ثابتان بغض النظر عن الدليل القائم على أساس التخطيط الإلهي والقائل بأن الأطروحة العادلة والكاملة المطبقة في اليوم الموعود في دولة المهدي (ع) هي الإسلام .وتصلح نتيجة هذين الأسلوبين للإستدلال على هذه الحقيقة . بأن نقول: إن المهدي (ع) يطبق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية ، كما ثبت في التخطيط العام وهو يعتنق ويطبق الإسلام . كما ثبت بهذين الأسلوبين الأخيرين .....إذاً فالإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة . وكذلك يصح الإستدلال بالعكس ، بأن نغض النظر عن هذين الأسلوبين ونتساءل من جديد عن حقيقة الدين الذي يعتنقه المهدي ( ع) فنقول : إن المهدي يطبق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته ، كما ثبت في التخطيط العام .والإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة ، كما استدللنا في التاريخ السابق (1) وسيأتي الحديث عن ذلك في الكتاب الآتي أيضاً ...إذاً ، يثبت أن الدين الذي يعتنقه المهدي (ع) ويطبقه هو الإسلام ، إذ لا يحتمل أنه يطبق الإسلام وليس بمسلم ...فإن التطبيق الإسلامي سوف لن يكون تاماً وعادلاً إلا إذا كان الرئيس الأعلى مسلماً ، كما ثبت في الفقه الإسلامي .ويصلح أن يكون هذا أسلوباً ثالثاً إلى جنب الأسلوبين السابقين . إذاً ، فهاتان الحقيقتان وهما : 1- إن دين المهدي (ع) هو الإسلام . 2- إن الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة يمكن الإستدلال بإحداهما على الأخرى ، بعد أخذ إحداهما مسلمة والأخرى محلاً للإستلال ، وكلتاهما مدعمتان بأدلة أخرى غير هذه . وإذا تبرهن على أن المهدي (ع) يطبق الإسلام في اليوم الموعود .باعتبار النظام الذي يتكفل العدل الكامل... فإنه يترتب على ذلك عدة نتائج فيما إذا قورنت دولته بالدولة الحاضرة . وهذا ما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب ، ونذكر الآن بعضها على سبيل المثال . ____________ (1) انظر ص 261 منه. صفحة (67) منها: توحيد المعتقد الديني في العالم بدين الإسلام ، طبقاً لقوله تعالى : " من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه " على أساس أن هذا الدين هو الذي ينظم العالم ويحل مشاكله ويحقق له العدل الكامل . ويأتي هذا التوحيد تحت ظروف معينة يهيؤها القائد المهدي ، نشير إليها في مستقبل البحث . ومنها : أن العالم سوف يحكم بأطروحة قانونية واحدة ،لا يحق فيها التجزئة ولا يجوز عليها الخروج . ومنها اتحاد السياسة والدين في سير التطبيق و التاريخ ، كما كان عليه الحال في زمن النبي (ص) والخلافة الأولى ، وإنهاء فكرة : فصل الدين عن الدولة . ومنها : ابتناء الحكم ، ابتناء التكامل الفردي والإجتماعي على الأساس الإلهي .ويتم القضاء تماماً على أي اتجاه مادي في العالم مهما كان نوعه . ومنها : إنهاء فكرة كحق تقرير المصير . فإن مصير البشر قد تقرر من الأعلى ، من التخطيط الإلهي العام ولن يكون منبثقاً من البشر أو ناتجاً عن آرائهم الناقصة . إلى غير ذلك من النتائج ، التي سيأتي التعرض لأسبابها ونتائجها مفصلاً . الجهة الثانية : المذهب الذي يتخذه المهدي (ع) من مذاهب الإسلام ، يمكنأن يراد من المذهب أحد المعنيين : المعنى الأول : أن يراد بالمذهب مجموع الأفكار المتبناة من العقائد والفقه السائد بحيث يكون كلام شيوخ المذهب وعلمائه دخيلاً في بلورته وصقل فكرته . المعنى الثاني : أن يراد بالمذهب العقائد الرئيسية التي تشكل حجر الزاوية فيه والأساس الرئيس له ...كالقول بالعدل والإمامة الذين كانا محل الخلاف بين الإمامية وغيرهم من المسلمين . فإن أردنا المعنى الأول من المذهب، فينبغي لنا أن نجزم بأن المهدي (ع) سيغار في تفاصيل تشريعه كل مذاهب المسلمين الموجودة قبل ظهوره ، ولايحتمل فيه أن يكون منسوباً إلى أي من المذاهب السائدة . لأن الكثير من أفكار كل مذهب. ناتج عن أفكار مفكريه واستنتاجات علمائه ، وهي– على أي حال - قابلة للخطأ والصواب. ما لم تكن من ضروريات الدين أو واضحات العقل . _______________ (1) آل عمران : 3/ 85. صفحة (68) والمهدي (ع) سيطبق عند ظهوره الإسلام الواقعي كما جاء به النبي (ص) سواء وافق الأحكام المعروفة للمذاهب أو خالفها . وسيأتي بقوانين إسلامية جديدة لتنظيم العالم . ليجعله كله على عتبة الرقي والتكامل . ولذا صرح عدد من علماء العامة ومفكريهم في مناسبات مختلفة . بعد انطباق أحكام المهدي مع شيء من المذاهب الأربعة . ولا غيرها . قال ابن العربي في الفتوحات المكية (1) في كلامه عن المهدي : به يرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلا الدين الخالص .أعداؤه مقلدة العلماء أهل الإجتهاد لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم .... وقال السيوطي : (2) عن الحكم الذي سيمارسه عيسى بن مريم (ع) - وهو العضد الأيمن للمهدي (ع) ، كما سنعرف -، في دولة الحق ، قال: وإذا قلتم أنه يحكم بشرع نبينا ، فكيف طريق حكمه به المذهب من المذاهب الأربعة المقررة ، أو باجتهاد منه ؟! . هذا السؤال أعجب من سائله !!!!! وأشد عجباً منه قوله فيه : بمذهب من المذاهب الأربعة !!!! .فهل خطر ببال السائل : أن المذاهب في الملة الشريفة منحصرة قي أربعة ، والمجتهدون من الأمة لا يحصون كثرة ...فلأي شيء خصص السائل المذاهب الأربعة . ثم كيف يظن بنبي أنه يقلد مذهباً من المذاهب ، والعلماء يقولون : إن المجتهد لا يقلد مجتهداً ، فإذا كان المجتهد من آحاد الأمة لا يقلد ، فكيف يظن بالنبي أنه يقلد . إلى غير ذلك من الكلمات التي لا حاجة إلى استقصائها . وأما موقف الإمامية من ذلك ، فواضح .فإنهم يعتبرون المهدي (ع) ، مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي ، بصفته الإمام الثاني عشر من ائمتهم (ع) . فمن غير المحتمل لديهم رجوعه في التشريع أو غيره إلى أحد علمائهم أو إلى أكثر بل هو يستقيل ببيان التشريع الإسلامي ، ويكون واجب الطاعة في غيبته . وأما إذا أردنا بالمذهب ، ما يعود إلى المقومات الرئيسية كالإعتقاد بالعدل والإمامة وعدمه ... ____________ (1) ج3 ص327. (2) انظر الحاوي للفتاوي، للسيوطي ج2 ص280. صفحة (69) فالملاحظ بالنسبة إلى المهدي (ع) سكوت الأخبار الواردة في مصادر العامة والجماعة عن مذهبه ، سكوتاً تاماً، في حدود اطلاعنا . فلو أردنا الجواب على مثل هذا السؤال وهو : ان المهدي من أهل السنة ، يؤمن بأصولهم الإعتقادية ، أو بالأهم منها على الأقل ... كان ذلك متعذراً عن طريق الأخبار . ومن هنا سكتت كلمات محققيهم عن التعرض لذلك .. واكتفوا بالقول بأنه يطبق الدين الحقيقي ، من دون اي إشارة إلى أنه ممن يوافقهم في المذهب أولاً . نعم ، من يرى منهم بأن المهدي (ع) يعمل بفقه أحد المذاهب الأربعة يرى – بطبيعة الحال - أنه ملتزم عقائدياً بما يعتقدونه ، غير أن محققيهم اعترضوا على هذا القول واستنكروه ، كما سمعنا . إذاً، فلم يتم الإثبات التاريخي الكافي لذلك . نعم ، تبقى هناك فكرتان : إحداهما أشمل من الأخرى ، لا بد من عرضهما في هذا الصدد: الفكرة الأولى : فيما تقتضيه القواعد العامة ، من تعين مذهبه على وجه الإجمال . من المسلم به بين المسلمين كون أحد المذاهب الموجودة بين مذاهبهم حقاً . وأن المذاهب الأخرى باطلة غير مطابقة للعقائد الإسلامية الصحيحة .وسبق أن قلنا أن اصحاب الإمام المهدي (ع) الممحصين في عصر الغيبة ، إنما يكونون من ذلك المذهب أياً كان – دون غيرهم . ليتم تمحيصهم عل الحق وإخلاصهم له، لا على غيره، كما هو واضح . ومعه فلا بد من الإلتزام بأن مذهب المهدي (ع) هو ذلك المذهب الحق الذي يختار له الله تعالى عليه اصحابه. ولا يحتمل أن يكون مخالفاً لهم في المذهب لانه يلزم منه أن لا يكون أحدهما على الحق وهو باطل بالضرورة. واما تعيين هذا المذهب الحق وتسميته من دون المذاهب الأخرى ... فهذا راجع إلى وجدان كل مسلم ، وما قام الدليل عنده من صحة أي مذهب من المذاهب . ستكون الفكرة الأولى لدى الفرد المسلم أن يقول : إن المذهب الحق هم مذهبي ، والدليل على صحته قائم عندي، إذا فالمهدي يكون عليه ، هكذا يقول أهل كل مذهب ...، يبقى مذهب المهدي – بعد ذلك – مجملاً . صفحة (70) وقد لا يكون هذا ضائراً ، فإن التعرف الإجمالي على مذهبه ، بالشكل الذي قلناه ، كاف على المستوى الذي يقنع سائر المسلمين . ويكون البحث فيه إسلامياً عاماً غير طائفي . ويكون المهدي (ع) – في ذاته – مختاراً في تطبيق المذهب الذي يريده على العالم . الفكرة الثانية : وهي اخص من سابفتها ، فإنه يمكن القول : بأن المهدي (ع) على المذهب الإمامي الإثني عشري . وذلك باعتبار القرائن والمراجحات التالية : المرجح الأول : ما ورد أن المهدي (ع) من أهل البيت ومن العترة وقد سمعنا عدداً من هذه الأخبار فيما سبق .ومنها ما هو موجود في الصحاح الستة ، التي سنقتصر على النقل عنها : أخرج أبو داود(1) وابن ماجة (2) عن أم سلمة ، قالت : سمعت رسول الله (ص) قول إن المهدي من عترتي من ولد فاطمة . وأخرج أبو داود أيضاً(3) قوله (ص) : لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي ... الحديث . وأخرج ابن ماجة (4) قوله (ص) : المهدي منا أهل البيت ... الحديث. وأخرج الترمذي (5) قوله (ص) لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي . إلى غير ذلك من الأخبار . وإن أخص موارد انطباق مفهومي العترة وأهل البيت هم : بنت النبي (ص) الزهراء وزوجها وولداها ، وقد يشمل سلمان الفارسي رضوان الله عليه الذي ورد في شأنه قول النبي (ص) : سلمان منا أهل البيت(6) . فليكن الإمام المهدي (ع) على مذهبهم . وليس هو غامضاً ولا مجملاً في التاريخ . ________________ (1) انظر السنن ج 2 ص 422. (2) انظر السنن ج2 ص 1368. (3) انظر السنن ج2 ص 422. (4) انظر السنن ج2 ص 1367. (5) انظر الجامع الصحيح ج 3 ص 343 . (6) انظر اسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الاثير 2 ص331 . ذكر من رواية ./* صفحة (71) المرجح الثاني : ما ورد من الأخبار في مصادر العامة من أن الأئمة اثنا عشر بعد النبي (ص)... أما بالنص على أن المهدي (ع) هو آخرهم أو بدون ذلك . فإنها تنطبق على الإتجاه الإمامي في فهم الإسلام بالتعيين ، دون غيره ، ومعه ، يتعين الإلتزام بأن مذهب المهدي (ع) موافق لهذا الإتجاه . أخرج البخاري(1) عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي (ص) يقول : يكون اثنا عشر أميراً . فقال كلمة لم أسمعها .فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش .وأخرج مسلم (2) نحوه .وذكر له أسناد عديدة إلى جابر بن سمرة. وأخرج الترمذي (3) عن جابر بن سمرة ، قال : قال رسول الله (ص) : يكون من بعدي اثنا عشر أميراً .قال : ثم تكلم بشيء لم أفهمه .فسألت الذي يليني ، فقال : كلهم من قريش . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وقد روى من غير وجه عن جابر بن سمرة . وأما ما رواه أحمد وغيره في خارج الصحاح .فكثير. وإذا تعين صحة الإتجاه الإمامي ، بهذه الأخبار ، ثبت كون المهدي هو الثاني عشر من هؤلاء الأمراء الذين يشير اليهم النبي (ص) .وهو المطلوب . كالذي أخرجه القندوزي في ينابيع المودة (4) نقلاً عن فرائد السمطين للحمويني بسنده عن مجاهد عن ابن عباس ، قال : قدم يهودي يقال له : نعثل فقال :يا محمد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين ... إلى أن يقول : فما من نبي إلا وله وصي ، وأن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون ، فقال : إن وصيي علي بن أبي طالب ، وبعده سبطاي الحسن والحسين ، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين . قال :يا محمد قسمهم لي : قال : إذا مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فإبنه جعفر . فإذا مضى جعفر فإبنه موسى ، فإذا مضى موسى فإبنه علي ، فإذا مضى علي فإبنه محمد ، فإذا مضى محمد فإبنه علي ، فإذا مضى علي فإبنه الحسن ، فإذا مضى الحسن فإبنه الحجة محمد المهدي . فهؤلاء اثنا عشر . _________ (1) انظر الجامع الصحيح ج 9 ص 101. (2) انظر صحيح مسلم ج 6 ص 3-4 . (3) انظر الجامع الصحيح ج3 ص 240 . (4) انظر ص 529 ط النجف . وص 369 ط الهند عام 1311 هـ . صفحة (72) وهذه النتيجة ، وهي صحة الإتجاه الإمامي في فهم المهدي (ع) ،ومن ثم القول : بأن المهدي إمامي المذهب وأنه أحد الأئمة الإثنا عشر ....هذه النتيجة لازمة لكل من يقول من علماء العامة : بأن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري ، كإبن عربي في الفتوحات المكية على ما نقل عنه في إسعاف الراغبين (1) ، إذ نسمعه يقول: " وهو عترة رسول لله (ص) من ولد فاطمة رضي الله عنها . جده الحسين بن علي بن أبي طالب. ووالده الإمام حسن العسكري بن الإمام علي النقي بالنون ابن الإمام محمد (التقي بالتاء ابن الإمام علي)(2) الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد ( التقي بالتاء ابن الإمام علي ) الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم . يواطىء اسمه اسم رسول الله (ص) ..." وكذلك الشعراني في اليواقيت والجواهر(3)، إذ قال هناك : المهدي من ولد الإمام حسن العسكري . وذكر موافقة الشيخ حسن العراقي وسيدي علي الخواص على ذلك . وكذلك كمال الدين بن طلحة في مطالب السؤول(4) حيث قال : الباب الثاني عشر: في أبي القاسم بن محمد الحسن الخالص بن علي المتوكل بن القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين ابن أبي طالب . المهدي الحجة الخلف الصالح المنتظر (ع) ورحمة الله و بركاته . _____________ (1) انظر ص 142 (2) ما بين القوسين عبارة نقلت من محله إلى المحل الذي اثبتناه بين القوسين فيما يلي وهو خطأ مطبعي غريب . وهي في الاول صحيحة وفي الثاني خاطئة. (3) انظر ص 288 ط 1306 وانظر اسعاف الراغبين ص141. (4) انظر ص 79. صفحة (73) وكذلك الحافظ الكنجي في كتابه البيان(1) حيث قال : وأما بقاء المهدي (ع) : فقد جاء في الكتاب والسنة ...ثم شرح ذلك إلى أن قال :وأما ألإمام المهدي (ع) : مذ غيبته عن الأبصار إلى يومنا هذا لم يملا الأرض قسطاً وعدلاً ، كما تقدمت الأخبار في ذلك . فلا بد أن يكون ذلك مشروطاً بآخر الزمان .فقد صارت هذه الأسباب لإستيفاء الأجل المعلوم (2) .أقول : وهذا الكلام منه واضح في اختيار الإتجاه الإمامي في فهم المهدي . وكذلك ابن الصباغ في الفصول المهمة (3) إذ نجده يتحدث عن المهدي مفصلاً ، وقال- فيما قال - :وأما نسبه أماً وأباً ، فهو ابو القاسم محمد الحجة بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين ...وأما لقبه : فالحجة والمهدي والخلف الصالح والقائم النتظر وصاحب الزمان ... الخ . وذكر الحافظ القندوزي في ينابيع المودة ، عدداً من العلماء الذاهبين إلى ذلك : منهم : الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح الدائرة(4) وشيخ الإسلام أحمد الجامي النامقي والشيخ عطار النيشابوري وشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي والسيد نعمة الله الولي والسيد النسيمي(5) والشيخ عزيز بن محمد النسفي(6) مضافاً إلى من ذكرناهم قبل قليل . المرجح الثالث : اعتراف الأئمة المعصومين السابقين عليه به عليه وعليهم السلام .....بل تنويههم به والحث عى إطاعته وانتظاره في عدد من الأخبار تفوق حد التواتر . وقد نقل عنهم بعض هذه الأخبار عدد من مصادر العامة كالبيان للكنجي ، وينابيع المودة للقندوزي وغيرهما . _____ (1) انظر ص 109. (2) انظر ص111 من البيان (3) انظر ص310 . (4) انظر ينابيع المودة ص 565 ط النجف وص 293 ط الهند. (5) المصدر ص 566 ط النجف وص 293 ط الهند . (6) المصدر ص 569 ط النجف وص 359 ط الهند . صفحة (74) أما علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) : فأخرج عنه الكنجي(1) وابن ماجة (2) وغيرهما ، قال : قال رسول الله (ص) : المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة . وأما فاطمة الزهراء بنت الرسول (ص) فقد قال لها أبوها . كما أخرجه عنه للكنجي في البيان (3) وابن الصباغ في الفصول المهمة (4) وغيرهما ، واللفظ للكنجي –: أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله ، وأنا أبوك ، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك ... ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين ، وهما سيدا شباب أهل الجنة . وأبوهما – والذي بعثن بالحق – خير منهما . يا فاطمة والذي بعثني بالحق وإن منهما مهدي هذه الأمة ، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن .... الحديث . والإمام الحسن الزكي بن علي (ع) نظر إليه النبي (ص) – فيما رواه السيوطي -(5) فقال: إن ابني هذا سيد ، كما سماه النبي (ص) ، سيخرج من صلبه رجل يسمى اسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبه في الخلق . واخرج السيوطي (6) عن ابن عساكر عن الحسين (ع) أن رسول الله (ص ) قال : أبشري يا فاطمة ، المهدي منك. وأخرج أيضاً (7) عن الدار قطني في سنته عن محمد بن علي (وهو الإمام الباقر عليه السلام) قال: إن لمهدينا آيتين لم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض : ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان ، وتنكسف الشمس في النصف منه ... الحديث . وأخرج عنه (ع) أيضاً بكنيته : أبي جعفر(8) بعض الأخبار . _____________ (1)انظر البيان ص 65 . (2) انظر السنن ج2 ص 1367 . (3) انظر ص 56 . (4) انظر ص 314 وما بعدها. (5) انظر الحاوي للفتاوي ص 125 ج 2 . (6) نفس المصدر ص 137 . (7) المصدر ص 136. (8)المصدر ص 141. صفحة (75) واما الإمام أبو عبد الله الصادق (ع) ، فقد كان له في ذكر الإمام المهدي (ع) موقف عاطفي عظيم ...أخرج القندوزي(1) عن المناقب عن سدير الصيرفي قال دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وإبان بن تغلب على مولانا ابي عبد الله جعفر الصادق(رضي الله عنه) فرأيناه جالساً على التراب وهو يبكي بكاءً شديداً ويقول : سيدي غيبتك نفت رقادي وسلبت مني راحة فؤادي .قال سدير : تصدعت قلوبنا جزعاً . فقلنا : لا ابكى الله يا ابن خير الورى عينيك . فزفر زفرة انتفخ منها جوفه . فقال : نظرت في كتاب الجعفر الجامع صبيحة هذا اليوم ...وتأملت فيه مولد قائمنا المهدي وطول غيبته وطول عمره وبلوى المؤمنين في زمان غيبته ... الخ الحديث وهو مطول . والإمام الرضا علي بن موسى (ع) بشر بالمهدي (ع) أيضاً : أخلرج القندوزي(2) عن الحمويني الشافعي في فرائد السمطين بإسناده عن دعبل بن علي الخزاعي قال :أنشدت قصيدة لمولاي الإمام علي الرضا ، رضي الله عنه . أولها: مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات إلى أن قال دعبل : ثم قرأت باقي القصيدة عنده فلما انتهيت إلى قولي : خروج الإمام لا محالة واقع يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات بكى الرضا بكاء شديداً . ثم قال : يا دعبل نطق روح القدس بلسانك .أتعرف هذا الإمام ؟ قلت : لا . الا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً . فقال : إن الإمام بعدي ابني محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم .وهو المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً . الحديث . _________ (1) انظر ينابيع المودة ص 454 ط النجف وص 379 ط الهند. (2) المصدر ص 544 ط النجف وص 379 ط النجف صفحة (76) وروى القندوزي في الينابيع(1) حادثة ولادة المهدي (ع) . وفيها بشارة أبيه الإمام الحسن العسكري (ع) بولادته ... منها قوله عن أمه رضي الله عنها :أنه سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً . فهذا ما روته المصادر العامة عن الأئمة المعصومين (ع) ، وقد أخرجت عن كل منهم عدداً من الأحاديث ، ذكرنا قسماً منها كنموذج .واما المصادر الإمامية فقد روت عن جميع المعصومين عدداً وافراً من الأخبار في التبشير بالمهدي (ع) ، لا حاجة إلى نقلها . والأئمة المعصومين عليهم السلام ، بغض النظر عن المفهوم الإمامي عنهم ، أناس أتقياء علماء صالحون ، لا يوجد لهم في المصادر العامة إلا الذكر الجميل ومذهبهم الإسلامي أشهر من أن يذكر . فإنهم جميعاً إماميون اثنا عشريون يؤمن كل منهم بإمامة نفسه وإمامة الباقين من آبائه وأولاده . ومن هنا ينبثق عندنا تقريبان لتعيين مذهب الإمام المهدي على هذا الضوء : التقريب الأول : إنه من غير المحتمل أن يقوم الأئمة المعصومون بهذا التأييد للإمام المهدي (ع) وينوهوا به هذا التنويه المتواصل الشديد ، وهو شخص يختلف عنهم في المذهب ، ويغايرهم في الفهم والمعتقد الإسلامي إذاً فيتعين ان يكون الإمام المهدي على مذهبهم واتجاههم واعتقادهم ، وهو المطلوب . التقريب الثاني : إننا لو قلنا بأن المهدي (ع) يختلف عنهم في المذهب ، للزم الإلتزام ببطلان مذهبه أو مذهبهم ... باعتبار وضوح أن المذهب الحق واحد في الإسلام بالضرورة والإجماع ، وهذا مما لا يمكن التفوه به تجاه الأئمة المعصومين ولا تجاه المهدي .إذاً فهم جميعاً على مذهب واحد . ____________ (1) المصدر ص450 ط النجف وص376 ط الهند . وانظر ص464 ط النجف. صفحة (77) المرجح الرابع : ما اعترف به عدد من علماء العامة والجماعة ، من أن المهدي (ع) لا يفضل عليه أبو بكر وعمر . روى السيوطي في العرف الوردي(1) بسنده عن محمد بن سيرين أنه ذكر فتنة تكون. فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتى تسمعوا على الناس بخير من أبي بكر وعمر . قيل : أفيأتي خير من أبي بكر وعمر. قيل أفيأتي خير من أبي بكر وعمر ؟! قال : قد كان يفضل على بعض . قال السيوطي: قلت : في هذا ما فيه . وقال ابن أبي شيبة في المصنف في باب المهدي : حدثنا أبو أسامة عن عوف بن محمد – هو ابن سيرن - قال : يكون علي هذه الأمة خليفة لا يفضل عليه أبو بكر ولا عمر. قال السيوطي : قلت هذا اسناد صحيح ، وهذا اللفظ أخف من الأول ... إلى آخر كلامه. وظاهر اللفظ أنه خبر عن ابن سيرين نفسه لا عن النبي (ص) . إذاً فابن سيرين يرى عدم أفضلية الشيخين على المهدي .ووافقه البرزنجي في الإشاعة ، حيث قال بعد نقل مل ذكره السيوطي(2) :وتقدم عن الشيخ في الفتوحات أنه معصوم في حكمه مقتف أثر النبي(ص) لا يخطىء أبداً ، ولا شك أن هذا لم يكن في الشيخين وأن الأمور التسعة التي مرت لم تجتمع كلها في إمام من أئمة الدين قبله. فمن هذه الجهات يجوز تفضيله عليهما. وإن كان لهما فضل الصحبة ومشاهدة الوحي والسابقة ، وغير ذلك .والله اعلم . قال الشيخ علي القاري في المشرب الوردي في مذهب المهدي ومما يدل على أفضليته : أن النبي (ص) سماه خليفة الله ، وأبو بكر لا قال له إلا خليفة رسول الله .انتهى كلام البرزنجي . وإذا تم ذلك ، فمن البعيد جداً، إن لم يكن من القبيح عقلاً واتباع الأفضل للمفضول ومسايرته في فهمه واتجاهه ... مع أن سر فضله كامن في الأطلاع على الحقائق والإتساع في النظر والعمل بشكل غير موجود لدى المفضول . إذاً ، فكل واحد من هذه القرائن ، يبرهن على أن مذهب الإمام المهدي (ع) من حيث الأصول الرئيسية ، هو المذهب الإمامي الإثنا عشري ، بحسب الأدلة التي ينبغي أن يعترف بها سائر المسلمين . ________ (1) أنظر الحاوي للفتاوي ج2 ص 153. (2) أنظر الإشاعة في اشراط الساعة ص 113. صفحة (78) وأما عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، فهذا من الضروريات القطعيات ، التي لا يمكن أن يرقى إليها الشك. وتدل عليه أعداد غفيرة من أخبارهم في المهدي ، مما لا حاجة إلى الإفاضة فيه . يكفي في ذلك أن نعرف أنهم يرون أن المهدي إمامهم الثاني عشر ، وأنهم يرون وجوب طاعته ولزوم انتظاره . وفي أخبار المصادر العامة ما يدل على ذلك ، وقد سمعنا قبل قليل بعضها وفيها تعبير الأئمة المعصومين عنه (ع) بقائمنا ومهدينا ونحو ذلك فليرجع القارىء إليها . الجهة الثالثة : موقف الإمام المهدي (ع) من العنصرية وأمثالها . وهي عدة مفاهيم ذات مدلول أناني ضيق يتضمن تفضيل عنصر على عنصر من البشر على أساس الدم أو اللغة أو اللون أو الوطن أو القبيلة أو نحو ذلك . ولنصطلح عليها جميعاً بالعنصرية ، من أجل تخفيف التعبير . والرأي الذي لا بد من الجزم به ، باعتبار الأدلة الآتية ، هو أن موقف الإمام المهدي (ع) من العنصرية دائماً موقف سلبي ومعارض ...بل دعوته ودولته عالمية تصل إلى كل البشر على حد سواء بدون تفضيل لجماعة على أخرى . ويمكن إقامة الدليل على ذلك على عدة مستويات : المستوى الأول: أن دعوة المهدي (ع) قائمة على ألإسلام ، كما برهنا فإنه إنما يطبق الإسلام على وجه الأرض ، ويرفض أي عنصرغريب عنه أو أجنبي . ونحن نعرف أن الإسلام نص بكل صراحة على إلغاء العنصرية ، بمثل قوله تعالى : " يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم .إن الله عليم خبير"(1) .وقول النبي (ص) المشهور عنه : " لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" والإسلام دين الناس أجمعين وليس خاصاً بأحد ، قال الله تعالى : " قل: يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً "(2) . __________ (1) الحجرات : 49/ 13. (2) الأعراف : 7/ 158. صفحة (79) وقال عزوجل : " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن اكثر الناس لا يعلمون "(1). وقد أعطى الإسلام للتفاضل أسساً جديدة ، لا تمت إلى أي شكل من أشكال العنصرية بصلة . وهي ثلاثة : الأساس الأول : العلم . قال الله سبحانه :" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .إنما يتذكر أولوا الألباب "(2) . الأساس الثاني : التقوى : قال تعالى " إن أكرمكم عند الله اتقاكم "(3) ويدل عليه الحديث النبوي الشريف السابق أيضاً . الأساس الثالث : الجهاد : قال الله تعالى :" لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة ،وكان الله غفوراً رحيماً"(4) . هذا بعد التساوي بالإسلام وحسن العقيدة والتطبيق بطبيعة الحال. ولا يبقى ذلك في الإسلام أي تفاضل. وإنما الناس سواسية كأسنان المشط ، تجاه عدله الكامل ... يكون العظيم عنده صغيراً حتى يأخذ منه الحق ، والحقير عنده عظيماً حتى يؤخذ له الحق . فإذا كان هذا هو الرأي الصريح للإسلام ، وهو الأمر العادل بحكم العقل أيضاً وفطرة الفكر ، كما أشار إليه سبحانه حين قال :" إنما يتذكر أولوا الألباب ".إذاً ، فالمهدي (ع) سوف يسير على ذلك أيدولوجيته العامة ، وتفاصيل تشريعه وقضائه ، وكيف لا ، وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويطبق الأطروحة العادلة الكاملة. وقد يخطر في الذهن هذا السؤال :إن الإسلام مهما شجب العنصرية ، فإننا نعرف إلى جنب ذلك: أن الإمام المهدي (ع) سيأتي بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد. فلعل فيما يأتي به من الأمور انفاذ العنصرية والإعتراف ببعض حدودها ومعه لا يكون الدليل تاماً. ____________ (1) سبأ : 24/ 28 . (2) الزمر: 39 /9. (3) الحجرات :49/13 .(4) النساء :4/95-96 . صفحة (80) وجواب ذلك :انه سيأتي في مستقبل البحث –أيضاً – أن ما يعلنه المهدي في دولته ، مهما كان جديداً وعميقاً ومفصلاً ، إلا أنه يتعدى مستوى التطبيقات والتنظيمات للمجتمع الذي يحكمه ، بالشكل الذي لا يكون خارجاً بأي حال على التشريعات والمفاهيم الرئيسية في الإسلام ولا مضاداً لها .ومن الواضح أن شجب العنصرية بكل أشكالها من واضحات الأسلام ونص الكتاب والسنة .إذاً ، فمن غير المحتمل أن يقوم الإمام المهدي (ع) بتغيير ذلك . المستوى الثاني :إن دعوة المهدي (ع) ودولته عالمية ، كما هو ضروري الوضوح لكل معترف به من المسلمين ، وسيأتي التعرض للنصوص الدالة على ذلك بصراحة . والدعوة العالمية على طول الخط منافية مع العنصرية .ولذا نرى سائر المبادىء في التاريخ :ممن طمعت بالإستيلاء العقائدي على العالم ، تقف من العنصرية موقفاً ، سلبياً ، وتعتبرها نظرة ضيقة لا ترقى إلى اسلوبها الواسع وأفقها الرحب . وحيث كانت دعوة المهدي (ع) عالمية ، إذاً ، فهي تنافي العنصرية كأي دعوة عالمية أخرى .بمعنى أنه بمجرد أن يتخذ بعض شعارات العنصرية فإن دائرة دعوته ستكون ضيقة ، وسيتعذر عليه بأي حال ، أن تبقى دعوته عالمية ، وهذا خلاف الضرورة والتواتر عن دعوة المهدي (ع) .وسيخل بتأسيس الدولة العالمية ،وهو خلاف ما استهدفه هذا القائد العظيم في ظهوره والغرض الأساسي الذي وجد التخطيط الإلهي من أجله . وقد يخطر في الذهن : أن ما دل عليه الدليل القطعي . بالضرورة والتواتر هو استيلاء المهدي (ع) على العالم بأجمعه واتساع رقعته ،وهذا لا ينافي الإعتراف من قبله ببعض أشكال العنصرية . والجواب على ذلك :أن استيلاء الإمام المهدي (ع) على العالم ، إن كان غزواً عسكرياً مجرداً ، فهذا الذي قاله السائل صحيح .فإن الغزو العسكري المجرد لأجل الحصول على السلطة ، يناسب مع الإعتقاد بالعنصرية ومع رفضها فلا يكون مجرد الإستيلاء على العالم دليلاً على شجب العنصرية . إلا أن استيلاء الإمام المهدي (ع) على العالم ليس مجرد غزو عسكري بل هو دعوة عقائدية وأطروحة عادلة يريد نشرها وتطبيقها على البشرية أجمعين و تربية البشر على أساسها تربية صالحة . لتتحقق العبادة المحضة لله عز وجل على وجه الأرض ،كما هو الغرض الأساسي من الخلق ومن اليوم الموعود . صفحة (81) والدعوة إذا كانت عالمية هذا الشكل ، فإنها تكون منافية للعنصرية بالمرة وذلك بعد الإلتفات إلى مجموع أمرين : الأمرالأول : إن التطبيق الحقيقي للعدل والتربية العادلة ، لا يمكن إتمامه إلا بجو من الإنسجام والتقبل النفسي للفرد والجماعة ، لكي تترسخ القواعد الأساسية والسلوك الصالح في عالم الحياة .وأما مع جو الإنزجار والتأفف والتباعد ، فلا يمكن أن تنال البشرية مثل تلك النتائج الصالحة ، ومن ثم لا يمكن تطبيق العبادة الكاملة على تلك الجماعة فيكون مخلاً بالغرض الأساسي لخلق البشرية . الأمر الثاني :إن الإعتراف بالعنصرية بأي شكل من أشكالها ، يعني أن العنصر الآخر ، الذي لم يعترف به من البشر ، وقام النظام على الإلتزم بتسافله وخسته أمام العنصر المفضل، إن هذا العنصر سوف يشعر بالغربة في ذلك النظام وبالتعقيد النفسي والإنزجار والتأفف تجاهه. بطبيعة الحال. ونحن إذا لاحظنا العالم ككل لم نجد أي عنصر من العناصر التي يتبناها العنصريون يشكل أكرية في العالم ، وإنما يشكل الأقلية على طول الخط . وهذا يعني بكل وضوح ، أن الدولة العالمية لو تبنب أي عنصر من العناصر، وفضلته على غيره ، فإنها تتبنى مصالح الأقلية من شعبها وتعتبر أكثريتهم من الجنس الأخس الأدنى إذاً فستحس الأكثرية بالتعقد والإنزجار تجاه تلك الدولة بحكم كونهم محكومين بالخساسة والتسافل في نظامها. و بالتالي ستتعذر تربيتهم الالحة المطلوبة ، ويكون الغرض من أصل الخليقة متخلفاً وفاشلاً . وباستحالة تخلف هذا الغرض ، نعرف لزوم كون الدولة العالمية المهدوية سلبية تجاه العناصر البشرية ، وحيادية تجاه التفاضل بينها ، وملغية لها كأساس للتفاضل تماماً ...توصلاً إلى التربية العادلة للبشرية اجمعين وقد يخطر في الذهن كان الفكر الحديث قد طور مفهوم العنصرية ، فقد أصبحت لا تعني تفضيل عنصر على عنصر ،وإنما كل ما تعنيه هو الإهتمام بمصالح مجموعة معينة مشتركة في اللغة أو الوطن ـ وغير ذلك ، انطلاقاً من اشتراكها بالمصالح والتاريخ والآمال، وهذا لا يتضمن تفضيلاً لأحد . وجواب ذلك : إنه بغض النظر عن أن هذا التطوير لا يخرج بالفكرة عن التحديد والأنانية ، ومن ثم عن العناصر نفسها ... بغض النظر عن ذلك ، فإنها أوضح بعداً عن الفكرة العالمية المهدوية من العنصرية نفسها ، لأن المفروض فها أفهتمام بمجموعة معينة لا بمجموع البشر ..ومن الواضح إلى حد الضرورة أن الدولة العالمية تهتم بمصالح و تربية وآمال مجموع البشرلا بمجموعة معينة مهما كانت صفتها . صفحة (82) وقد يخطر في الذهن: أن هذا الإتجاه لا يصح في الدولة العالمية ، ولكنها قد تعطي للشعوب أو العناصر المختلفة الإهتمام بصفاتها تلك . من دون أن يكون للحكم المركزي نفسه تركيز على جهة دون جهة . وجواب ذلك إن هذا غير محتمل أيضاً ، لمخالفة هذا الإتجاه مع العدل الكامل من عدة جهات ، أوضحها ما يحدث بين العناصر المختلفة من التشاحن والتعاقد نتيجة لحرية التفاخر والتركيز العنصري ..الأمر الذي ينافي كل المنافات مع العدل الكامل . نعم . قد تبقى اتجاهات فردية متفرقة ، ناشئة من (لا شعور ما قبل الظهور) تتضمن الإحساس بأهمية العنصر أو الطبقة ... ولكنها تذوب تدريجياً تحت التربية المركزة والمستمرة التي تقوم بها الدولة العالمية طبقاً للأطروحة العادلة الكاملة . المستوى الثالث : الإستدلال بما وردنا من الأخبار الدالة على نفي العنصرية وعلى وجود الفكرة المنفتحة والمتعادلة من هذه الناحية في دولة المهدي (ع) . وهي على أنحاء : النحو الأول : ما دل على أن حكم المهدي (ع) يكون قاسياً وشديدا على العرب ...باعتبار فشل أكثرهم في التمحيص الإلهي حال الغيبة ، وتقصيرهم تجاه الشريعة الإسلامية . فلو كان الإمام المهدي (ع) عنصرياً لكان يميل إلى أبناء لغته ، على كل حال . والأخبار بذلك متظافرة لدى الفريقين : فمنها : ما أخرجه البخاري(1) عن زينب بنت جحش، أنها قالت: استيقظ النبي (ص) من النوم محمراً وجهه يقول كلا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ... الحديث . وتأسف النبي (ص) وتحذيره منصب على انحراف العرب وخروجهم على شريعته بقرينة الحديث الذي يليه ، والذي يقول فيه ___________ (1) انظر صحيح البخاري ج9 ص60 صفحة (83) فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر(1). ورواه الترمذي(2) وقال :هذا حديث حسن صحيح .وأخرجه ابن ماجة في سنته (3). وأخرج ابن ماجة(4) عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله (ص) : تكون فتنة تستنظف العرب .قتلاها في النار .اللسان فيها أشد من وقع السيف . وفيه دلالة واضحة على فشل العرب في التمحيص في عصر الفتن والإنحراف خلال الغيبة الكبرى ، وهو ما حدث فعلاً ،وحيث نعلم موقف الإمام المهدي (ع) من كل فاشل في التمحيص .كما سيأتي مفصلاً ، نعرف موقفه من هؤلاء العرب الفاشلين ، ومنها : ما أخرجه النعماني في الغيبة (5) : عن أبي بصير ، قال ك قال أبو جعفر(ع) : يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد . على العرب شديد ، ليس شأنه إلا السيف ... ولا يأخذه في الله لومة لائم . وفي حديث آخر (6) عن أبي عبد الله (ع) ، انه قال : إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف ... الحديث . إلى غير ذلك من الأحاديث ، الدالة على أن الميزان الصحيح في نظر القائد المهدي (ع) هو الإيمان والنجاح في التمحيص ، وليس هو اللغة ولا القبلية .فهو لا يميل إلى أهل لغته : العرب ، ولا إلى قبيلته : قريش . بل يأخذهم أخذاً شديداً نحو طاعة الله تعالى ، ويعاقبهم على ما سلف منهم من الذنوب. _________ (1) المصدر والصفحة . (2) انظر الجامع الصحيح للترمذي ج3 ص325 (3) انظر ج2 ص1305منه. (4) المصدر ص1312 (5) ص122 (6) المصدر والصفحة. صفحة (84) وفي هذه احاديث عديدة ، اقتصرنا منها على مقدار النموذج . النحو الثاني : ما دل من الأخبار على أن أصحابه الممحصين الخاصين الذين يجتمعون إليه ويحاربون بين يديه . ليسوا من عنصر واحد و بل هم من مختلف بلدان العالم . فمن ذلك : ما أخرجه الشيخ في الغيبة(1) عن أبي بصير عن عبد الله يقول فيه عن أبي عبد الله (ع) يقول فيه عن أصحاب القائم (ع ) : فيتوافون من الآفاق ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً وعدة أهل بدر . اقول : وفيه دلالة على ورودهم إليه من مختلف البلدان في العالم . وما أخرجه النعماني في غيته(2) بإسناده عن علي (ع) يقول فيه : ثم يجتمعون قزعاً كقزع الخريف من القبائل ،ما بين الواحد والإثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والستة والثمانية والتسعة والعشرة . أقول : وهو نص في عدم التمييز بين القبائل والأنساب في أصحابه ، وإنما الميزان هو عمق الإخلاص وقوة الإيمان والإرادة . وأخرج(3)في خبر آخر عن الإمام الباقر (ع) وقال : أصحاب القائم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً . من أولاد العجم بعضهم . أقول : والمراد بالعجم غير العرب لا خصوص الفرس ، كما هو معروف في اللغة . فليس الميزان هو اللغة أو الدم أو العنصر، وإلا لا يقبل المهدي (ع) القائم في أصحابه إلا العرب ، بل الميزان أمور أخرى اوسع واعمق . النحو الثالث : ما دل من الأخبار على مشاركة غير العرب في حكم العالم وهداية الناس تحت ظل دولة المهدي (ع) . _______________- (1) ص284 وما بعدها . (2) غيبة النعماني ص168. (3) المصدر ص170. صفحة (85) فمن ذلك : ما رواه النعماني في غيبته بسنده عن الإصبغ بن نباته قال: سمعت علياً (ع) يقول : كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن ، كما أنزل : اقول : وهذا إما يحدث في دولة المهدي (ع) لأنهم إنما يعلمون القرآن على أساس معانيه الواقعية ، مأخوذة من الإمام المهدي (ع ) نفسه . واما قبل ذلك فهو متعذر بطبيعة الحال . المستوى الرابع : في الإستدلال على موقف المهدي (ع) من العنصرية إننا نضم فكرتين اثنتين واضحتين ، تنتجان نتيجة واضحة . الفكرة الأولى :إن الإمام المهدي (ع) يسير بسيرة النبي (ص) ويطبق منهجه على المجتمع والحياة. وهو ما سبق أن أقمنا عليه الدليل . الفكرة الثانية : إن سيرة النبي (ص) في أصحابه ومجتمعه ، كانت بالضرورة على نفي العنصرية وشجبها بكل أشكالها ، وإعلان عقيدة الإسلام ونظامه عاماً عالمياً لكل الناس .وقد جمع في اصحابه بين عبيد المجتمع وأحراره وبين عربه وعجمه وبين مختلف القبائل، وراسل ملوك العالم في عصره دعوهم إلى الإسلام ، وكلهم لم يكونوا عرباً .وإن أشهر أصحابه من غير العرب سلمان الفارسي وبلال وصهيب الحبشيان ...وهناك الكثير وغيرهم . وأود بهذه المناسبة أن أروي ما أخرجه الترمذي (1) عن أبي هريرة ، قال : كنا عند رسول الله (ص) حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها .فلما بلغ (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم)(2) قال له رجل : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا .فلم يكلمه .قال : وسلمان الفارسي فينا . قال: فوضع رسول الله (ص) يده على سلمان ، فقال:والذي نفسي بيده ، لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجل من هؤلاء . قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقد روى من غير وجه عن النبي (ص) . صفحة (86) (1) انظر الجامع الصحيح: ج5 ص383. (2) الجمعة : 62/ 3. أقول: وهو يدل بوضوح على مشاركة غير العرب بالإيمان العميق، عقيدة وتطبيقاً ... إذا كان المراد جعل سلمان الفارسي (رض) ممثلاً لهم .مع احتمال أن يكون المراد جعله ممثلاً لمستوى معين في الإخلاص و التفكير ويكون قوله (ص): رجال من هولاء ... يعني من كان متصفاً بذلك المستوى . وعلى أي حال، فإن الملاحظ أن هذا الخبر غير دال بالمرة على أن سلمان الفارسي من الآخرين الذين لم يلحقوا بهم ، المذكورين في الآية الكريمة ، بل هو دال على العكس ،كما هو واضح لمن يفكر. وأما السؤال عن معنى الآية فقد أعرض النبي (ص) عن جوابه . وعلى أي حال :فما دامت دولة النبي (ص) خالية من العنصرية . إذاً فستكون دولة المهدي (ع) كذلك ، لأنه يستن بسنته ويسير بسيرته . الجهة الرابعة : نظام الدولة المهدوية، هل هو مشابه لبعض الأنظمة السابقة عليه ، كالرأسمالية أو الإشتراكية أو غيرهما ، أولا ؟ . والذي ينبغي الجزم به أساساً هو النفي المطلق ، وأن شيئاً من الأنظمة الاسبقة على الظهور، لا تصدق على نظام المهدي ولا تشمله . و الدليل الحسي التطبيقي ، سوف لن يظهر ، إلا بعد الظهور، حين يتم تطبيق نظام الإمام المهدي (ع) ودولته العالمية ،ويكون في الإمكان مقارنته بالأنظمة السابقة عليه مقارنة حسية . وهذا لا يتم في العصر الحاضر بطبيعة الحال . ولكننا نستطيع طبقاً للأدلة التالية ، الجزم بأن نظام المهدي (ع) مباين ومغاير تماماً مع أي نظام سابق عليه. وذلك : باعتبار الأدلة التالية : الدليل الأول: أننا عرفنا أن ألإمام المهدي (ع ) سوف يطبق الإسلام وبصفته الأطروحة العادلة الكاملة ....وقد تم البرهان في بحوث الفكر الإسلامي على مغايرة نظام الإسلام لسائر الإنظمة الأخرى .وأنه أطروحة مستقلة لحل مشاكل البشرية لا تمت إلى الحلول الأخرى بصلة . ولا مجال لسرد تلك الأدلة في هذا التاريخ ، بطبيعة الحال ، إلا أنها تنتج بعد التسليم بصحتها مغايرة نظام الإمام المهدي (ع) للأنظمة السابقة عليه ... لأن نظامه هو الإسلام المغاير لتلك الأنظمة . صفحة (87) الدليل الثاني: إننا ننطلق من فكرة الحديث النبوي المتواتر ، القائل :إن المهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ....ننطلق منه إلى النتيجة المطلوبة . فإننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى(1) أن البشرية عامة والأمة الإسلامية خاصة ، لا بد أن تمر بظروف صعبة وقاسية من الظلم والجور والإنحراف ... لكي تتمخض في نهاية المطاف عن عدد من المخلصين الممحصين يكفي للقيام بمسؤولية الدولة المهدوية ،ونتيجة لتلك الظروف (تمتلىء الأرض ظلماً وجوراً) وبجهود هؤلاء المخلصين تحت قيادة الإمام المهدي (ع) تمتلىء الأرض قسطاً وعدلاً) . وإذا تساءلنا عن أسباب هذه الظروف ، تكشفت لنا خلال التاريخ المعاصر والسابق ، عن سلسلة متصلة ومتواصلة من الأسباب الكبيرة ... التي من أهمها أساليب الحكم الفردي الدكتاتوري التي مورست خلال التاريخ، وجود الكيان الرأسمالي الأوروبي – الأمريكي وما تبعه من الاستعمار بشكليه القديم والحديث .وما لاقى منه العالم بشكل عام والأمة الإسلامية بشكل خاص من بلايا وأضرار وكذلك محاولة فرض الحلول المدعاة لمشاكل العالم على الشعوب عن طريق الغزو الفكري للعالم (2) كما قامت به الشيوعية ، وهي تعلن إيمانها بحق تقريرالمصير للشعوب ، فيبدو موقفها متهافتاً غريباً . ولئن كان الرأي العام العالمي ، قد أحيط علماً بحسب التجربة التاريخية القاسية التي عاشوها بالأضرار الناتجة عن الحكم الفردي والإستعمار الرأسمالي ،فإن الأعوام الآتية كفيلة بكشف ما في النظام الشيوعي من هنات ونقاط ضعف ومنطلقاً من ذلك نستطيع أن نعمم ونقول إن أي نظام وضعي بشري المولد ، موجود قبل الظهور ، يمثل في واقعه أهم أسباب الظلم والإنحراف في العالم ، إن كان بدوره ناتجاً عن ظلم وانحراف سابقيين .... ومعه فستكون المهمة الرئيسية للإمام المهدي (ع) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، أن يقوم بتغيير هذه الأنظمة والقضاء على جذورها وتفاصيلها . الدليل الثالث: إن سائر الأنظمة والقوانين الوضعية قائمة على المادية .وإسقاط العنصر الإلهي عن نظر الإعتبار، إما بالصراحة كالشيوعية والوجودية ، أو بالخفاء كالرأسمالية والفاشية والنازية والقوانين الرومانية والجرمانية ، ومتفرعاتها الحديثة ، فأنها قائمة على أساس دنيوي مادي صرف لا أثرللروح أو لله تعالى فيه . _________ (1) انظر ص246 وما بعدها . (2) بل قامت الشيوعية بالغزو العسكري المباشر ، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا عام 1969 وفي انغولا هذا العام أعني 1976. صفحة (88) وقد علمنا أن نظام المهدي (ع) سيقوم على ربط الإنسان بربه وتربيته لجسمه وروحه . والربط بين هذه العناصر ربطاً عادلاً وعميقاً . وستكون كل القوانين المطبقة قوانين إلهية إسلامية . حتى إن المهدي (ع) نفسه إنما يكون واجب الإطاعة باعتباره أحد أئمة المسلمين المخولين من قبل الله تعالى للحكم والتقنين والتطبيق . إذا فسوف لن يكون في دولة المهدي مجال للمادية بشكليها الصريح والخفي وسوف يتم القضاء عليها قضاء تاما ً. الدليل الرابع: الإنطلاق من زاوية أخرى من القواعد التي فهمناها عن فكرة المهدي ... وقد أشرنا إليها في التاريخ السابق .(1) وهي : أن التخطيط الإلهي قائم على اكتساح التمحيص الدقيق للأفراد والمبادىء ، وبذلك ينكشف بشكل حسي مبرهن ومدعم بالتجارب الكثيرة والمريرة، عن فشل كل دعوة تدعي لنفسها حل مشاكل العالم وتذليل مصاعبه، حتى ما إذا انكشفت وبان زيفها ونقاط الضعف فيها وأيست البشرية من أن تضع حلها لنفسها ...انبثق الأمل في أنفسها من جديد إلى حل جديد ونظام جديد ينقذها من وهدتها و يخرجها من ورطتها ،وهذا الأمل إحساس نفسي مجمل لازال في طريق التربية في نفوس البشر، كما هو المحسوس الآن بالوجدان ولا زالت الحوادث وما ينكشف من مساوىء الأنظمة والفلسفات الوضعية تؤيده وتدعمه . وهو أمل مجمل ، لا يشيرعلى التعيين إلى الإسلام أو إلى نظام المهدي (ع) .ولكن الله تعالى يكون قد أعد لخلقه الإنقاذ الحقيقي والعدل الكامل على يد القائد المهدي (ع) ومخلصيه ،فإذا رأت البشرية نظامه وعدله ، فإنها ستؤمن بكل وضوح أفضليته على كل التجارب والمدعيات السابقة التي مرت بها ،وانه الحل الأساسي الذي ينقذها من ورطتها ، وبالتالي هو الصورة الحقيقية لذلك الأمل المجمل .وقد أشير إلى هذا التخطيط في المصادر الخاصة ، في بعض الأخبار ، كالخبر الذي رواه الشيخ المفيد في الإرشاد (2) والطبرسي في أعلام الورى (3) .و الذي يقول فيه : إن دولتنا آخر الدول ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا ، لئلا يقولوا إذا راوا سيرتنا : إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء .وهو قوله تعالى : والعاقبة للمتقين . _________________ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص249 وما بعدها . (2) انظر ص 344. (3) انظر ص 432. صفحة (89) وليس المراد بحكم (أهل بيت لهم دولة) حكم(الأسر) أو القبائل بل المراد بهم الجماعة الذين يتخذون أيدولوجية معينة في دولتهم. بقرينة قوله في الحديث : (إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء) فإن من يقول ذلك إنما هم مثل تلك الجماعة ، لا الحاكم القبلي وهو يخلو حكمه من أي هدف اجتماعي أو عادل ، بحيث لا يكون قابلاً للمقارنة أساساً . وإنما عبر الحديث الشريف بهذا التعبير بقانون (كلم الناس على قدر عقولهم ) . وفي رواية أخرى(1) عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (ع) وانه قال :ما يكون هذا الأمر " يعني دولة المهدي (ع) " حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولوا من الناس " يعني باشروا الحكم فيهم" حتى لا يقول قائل :إنا لو ولينا لعدلنا . ثم يقوم القائم بالحق والعدل .أقول: لأنهم لو قالوا ذلك بعد ظهور القائم المهدي (ع) فإن جوابهم يكون واضحاً ، وهو أنكم حكمتم وفضلتم في حل مشاكل العالم ، بل كان حكمكم وظلمكم من جملة مشاكله وويلاته . إذاً فالتخطيط قائم على كشف الحلول المدعاة للعالم أمام الرأي العام العالمي ، قبل تولي دولة العدل للحكم وممارستها إياه في الخارج ...وإعطاء روح اليأس من تلك الحلول عالمياً ، بشكل لا يؤمل معه وجود حل بشري جديد ..كما هو المفهوم من الحصر الموجود في هذه الأخبار " حتى لا يبقى صنف من الناس إلا قد ولوا من الناس" المستفاد من الإستثناء بعد النفي . وهذا معناه بكل بساطة وصراحة تنافي نظام دولة المهدي (ع) مع النظم السابقة وقيامها على انقاضها وبعد انكشاف زيفها وبطلانها .وهل من المحتمل أن يتبع القائد المهدي في دولة العدل المطلق ، إحدى النظم التي بان زيفها وفشلها . إذاً . فقد تبرهن عدم أخذ الإمام المهدي (ع) في دولته بشيء من النظم الاسبقة على ظهوره .واستغنائه . بالعدل الإلهي المعد لتطبيقه في دولته . _________ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ً389 نقلاً عن غيبة النعماني . صفحة (90) وسوف يشعر الرأي العام العالمي ، بكل وضوح ، بهذا الإستغناء ، فإن من يتخذ أحد هذه المبادىء الحاضرة مذهباً له وطريقة في الحياة ، يستهدف لا محالة أما الهدف الشخصي في الحصول على المال والشهرة و السعادة ، أو الهدف العام في الدفاع عن الفقراء والمضطهدين باعتقاده .وكلا هذين الهدفين يتحقق بأجلى مظاهره في دولة المهدي (ع) ، على ما سمعناه مجملاً من كثرة المال لدى كل الأفراد في عصره ، وما سنسمعه من سائر التفاصل في مستقبل البحث .إذاً و يكون بإمكان الهادفين في العالم أن يحققوا النتائج الجيدة التي يعتقدونها لأهدافهم نظام المهدي (ع) ، ويتخلصوا- في نفس الوقت – من نقاط الضعف التي كانت فيها . وبالنتيجة ، فالعنوان العام لأيدولوجية دولة المهدي (ع) وهو الإسلام بصفته النظام العادل الكامل كما جاء به النبي الأعظم (ص) ولا يمت إلى النظم السابقة عليه ، بصلة . صفحة (91) الفصل الخامس التخطيط الإلهي لما بعد الظهور كما يوجد لعصر ما قبل الظهور تخطيطه العام ، وهو الذي شرحناه مفصلاً في التاريخ السابق ، يوجد لعصر ما بعد الظهور تخطيطه أيضاً . وهذا القسم هو محل الحديث الآن ، فأن التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية ، لا يكون منقطعاً بحصول نتيجة التخطيط السابق ، بل يكون مواكباً مع البشرية إلى نهايتها بمقدار استحقاقها في وضعها العادل الجديد .... وسيهدف عندئذ نتيجة أبعد تمت إلى عميق العدل والتربية البشرية بصلة . فهذا التخطيط وهو الإمتداد الطبيعي السابق ، والموافق – أيضاً – للموازين الثايتة في الفلسفة الإسلامية القائلة : بأن الله تعالى يفيض نعمة الكمال على كل موجود بقدر استحقاقه ،فإذا كانت درجته من الكمال دانية كان استحقاقه منحصراً في الرتبة الكمالية التي فوقها مباشرة .وإذا كانت درجة الموجود عالية في الكمال ، كان استحقاقه لدرجة أعلى من الكمال متحققاً ، والله تعالى كريم مطلق فيفيض عليه الكمال الجديد .فإنه سيستحق رتبة أخرى ، وهكذا يسير في طريق الكمال اللانهائي . وإذا طبقنا ذلك محل الكلام ، نقول : إن البشرية بعد اجتماع شرائط الظهور ، طبقاً للتخطيط السابق . تكون مستحقة لدرجة جديدة من الكمال وهو تطبيق العدل الكامل فيها ، بواسطة ظهور المهدي (ع) . وبتطبيق العدل تكون البشرية قد بلغت درجة أعلى من الكمال تستحق بعدها درجة أعلى وهو عمق هذا العدل وترسخه ، إلى أن تصل إلى استحقاق صفة " العصمة " حيث يوجد المجتمع المعصوم كما سوف نشير في مستقبل البحث . صفحة (93) وبهذا يتبرهن فلسفياً ما بعد الظهور .... إلا أن انتاج هذا التخطيط لنتائجه النهائية منوط ببقاء البشرية مدة كافية من الدهر لكي تتربى على عمق العدل ورسوخه ولكي نصل في نهاية المطاف إلى الكمال الإنساني الأعلى .وأما إذا انتهت حياة البشرية جميعها وقامت القيامة خلال زمن قصير ينسد باب الترقي و التكامل بطبيعة الحال . ومن هنا ينفتح احتمالان : الإحتمال الأول : قصرعمر البشرية بعد الظهور ، وتحقق اليوم الموعود . الإحتمال الثاني : بقاء البشرية لفترة طويلة من الدهر بعد ذلك . ولكل من الإحتمالين مرجحاته، على ما سنذكر – على حين لم يكن للإحتمال الأول وجود في التخطيط السابق. باعتبار ضرورة انتاجه لليوم الموعود . وذلك لأكثر من دليل : الدليل الأول : كونه وعداً إلهياً . والله لا يخلف الميعاد .وذلك في قوله عز وجل :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ،وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم..."(1) الدليل الثاني: كونه غرضاً أصلياً في خلق البشرية ، ومن المستحيل أن يزول الشيء من الكون قبل أن يستوفي غرضه . وقد سبق في التاريخ السابق(2) أن برهنا على كونه غرضاً .وسيأتي في الكتاب الآتي تركيزه بشكل أوسع وأعمق . وهذا هو الذي اشارت إليه الأخبار من الفريقين . فمنها : ما أخرجه النعماني في الغيبة(3) بسنده إلى أبي هاشم الجعفري ، قال : كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع) ، فجرى ذكر السفياني ، وما جاء في الرواية من أن أمره المحتوم . فقلت لأبي جعفر (ع) : هل يبدو لله في المحتوم . قال : نعم .قلنا له : فنخاف أن بدو في القائم . فقال : إن القائم من الميعاد ، والله لا يخالف الميعاد . __________________- (1) النور: 24/55. (2) تأريخ الغيبة الكبرى ص225. (3) ص142. صفحة (94) ومنها : ما أخرجه أبو داود (1) عن زر عن عبد الله عن النبي (ص) قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني – أو من أهل بيتي - يواطىء اسمه اسمي ... الحديث . وأخرج أيضاً (2) عن علي (ع) عن النبي (ص) : قال: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي ... الحديث . وهذه التأكيدات في الأخبار كثيرة ومتضافرة ، وكلها دالة على ضرورة تمخض التخطيط الإلهي السابق عن وجود اليوم الموعود . وعدم فناء البشرية قبله. وأما بالنسبة إلى التخطيط الموجود بعد الظهور . حيث يكون الوعد قد تحقق والغرض الأساسي من خلق البشرية قد انجز ، فقد يبدو أنه لا حاجة لبقاء البشرية بعد ذلك ،ولا دليل عليه . وستأتي مناقشة ذلك مفصلة في القسم الثالث من هذا التاريخ ، غير أن الصحيح هو طول عمر البشرية ، لأجل دليلين رئيسين : الدليل الأول : أننا فهمنا في التاريخ السابق(3) من قوله تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "(4)، فهمنا : أن الغرض الأساسي من خلق البشرية هو إيجاد العبادة الكاملة في ربوعها .وفهمنا هناك (5) من العبادة الكاملة وجود المجتمع الصالح والدولة العالمية الصالحة . فلو أننا اقتصرنا على هذا المقدار من الفهم ، لكان الغرض من خلق البشرية متحققاً بمجرد تأسيس المهدي (ع) لدولته العالمية العادلة .ومعه فقد يخطر في الذهن :أن المقصود هو إيجاد هذا النوع العالي من العبادة ولو في فترة قصيرة من الزمن . فلا بقى أي دليل على استمرار البشرية بعد ذلك ردحاً طويلاً من الزمن ، إن لم يكن ذلك مستحيلاً ، لأن بقاء الشيء بعد استيفاء لأغراضه محال في الحكمة المطلقة . __________ (1) ج2 ص42. (2) المصدر والصفحة . (3) تاريخ الغيبة الكبرى ص235. (4) الذاريات : 51/56. (5) ص224. صفحة (95) لكننا نريد في هذا الدليل أن نخطو خطوة جديدة في فهم هذه الآية .وهي :إن المعنى الذي ذكرناه للعبادة وإن كان مهماً ورئيسيأ جداً ...إلا أنه ليس نهائياً بحال . بل هناك مراتب أعلى من العبادة تكون تلك المرتبة الأولى مقدمة لها وإعداداً لإيجادها ، وكلها ممكنة الحصول من البشرية واتصفاها بها في المدى الطويل ، كما سيتضح عند استعراضها . وبطبيعة الحال، كما تصورنا مرتبة من العبادة ممكنة للبشرية ، كانت مندرجة في مدلول الآية الكريمة ، لعدم وضع الآية أي تحديد على مفهوم العبادة فيكون إيرادها مطلقة ، دليلاً على إيراد العبادة المطلقة . إذاً ، فالغرض الأساسي من خلق البشرية أبعد بكثير من مجرد وجود الدولة العالمية ، وإنما وجدت هذه الدولة العظيمة .وخططلها في تاريخ البشرية الطويل من أجل هدف أعلى وأمامها . ويكفينا الآن أن نعبر عنه بـ(العبادة المطلقة) لخالق الكون ، حتى يأتي في مستقبل البحث ما يلقي الأضواء الكافية على هذا المفهوم . إذاً، فوجود الدولة العالمية ، لا يعني نجاز الغرض الأقصى من خلق البشرية وتحققه في عالم الوجود ، بل هو لم يوجد بتأسيس هذه الدولة ، ولازال أمام البشرية الكثير لكي تصل إليه . إذاً ، فلا معنى لقصر عمر البشرية بعد تأسيس هذه الدولة ، بل لا بد أن تبقى حتى تستوفي لغرضها الأعمق ، إذ يستحيل تخلف الأغراض في الحكمة الإلهية الأزلية . الدليل الثاني : أنه يستبعد ان يكون زمان النتيجة اقصر بكثير من زمان المقدمات . فإننا عرفنا كم من الزمان يستغرق إعداد البشرية لليوم الموعود ...وهو كل عمرها منذ أول وجودها إلى حين نجاز ذلك اليوم العظيم .وهو ما لا يقل عن عدة الآف من السنين ، إن لم يكن أكثرمن ذلك ، كما عليه أنصار الفكر الحديث .وقد استوعبت هذه المدة ملايين الحوادث من تضحيات البشرية وآلامها ومظالمها . ومن جهود الأنبياء والأولياء والمصلحين والشهداء ، ومن ظروف التمحيص الإلهي ، وما أدته البشرية من خيرات وما ارتكبته من جرائم ، فإن كل ذلك ، كان مقدمة لليوم الموعود ، وإعداداً لحصول شرائطه المطلوبة التي لا يمكن تحققه بدونه ، كما عرفنا من التخطيط الإلهي السابق على الظهور . وقد عرضنا ذلك في التاريخ السابق مفصلاً . _________ (1) انظر الفصل الخاص بالتخطيط الإهي ص233. صفحة (96) فهل من المعقول أن تستمر المقدمات آلافاً من السنين ، ثم لا تكون النتيجة غير تسع سنوات أو أقل، كما تدعي الفكرة التقليدية .إن هذا في غاية البعد بحكم العقل .فإنه يعني بكل وضوح استخدام الأجيال البشرية المتطاولة في سبيل إسعاد جيل أونصف جيل !! إن هذا قبيح عقلاً ومستحيل في الحكمة المطلقة الأزلية . وتبقى هذه الإستحالة سارية المفعول ما لم تصل النتائج أعني أجيال ما بعد الظهور . إلى حد من الكثرة بحيث تكون التضحية بالأجيال السابقة في سبيلها من قبيل التضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة ، أو بالمصلحة القليلة في سبيل المصلحة الكبيرة فليكن القارىء متذكراً لذلك .حتى يأتي موضع الحاجة منه وإيضاحه . وإذا تم البرهان على طول عمر البشرية بعد الظهور ، وعدم وصولها إلى هدفها الأسمى بمجرد حصوله: إذاً، فمن اللازم التخطيط لهذا الهدف خلال هذا العمر إذ لا يوجد شيء مهمل في هذا الكون .ولا بد من إعداد البشرية بالشكل الذي يمكنها الوصول إلى ذلك الهدف ، كما كانت قد أعدت للتشرف بلقاء اليوم الموعود . ومعه يكون قد تبرهن هذا التخطيط وثبت ثبوتاً كاملاً . ولا بد لنا فيما يلي أن نعطي المؤدى العام لهذا التخطيط. فنتعرف على صياغته وخطواته ، كما تعرفنا على صياغة وخطوات التخطيط السابق عليه . ما بين التخطيطن : إذا كان المقصود من التخطيط الإلهي السابق ، هو التوصل إلى ظهور المهدي (ع) وحسب ، إذا ً، يكون هذا التخطيط منتهياً في لحظة الظهور. إلا أن التخطيط الجديد سوف لن يبدأ بلحظة الظهور بطبيعة الحال، لأن تخطيط للعالم الذ يتم فيه تطبيق العدل للسير باتجاه (العبادة المطلقة) . وهذا التطبيق لا يتم في اللحظة الأولى ...بل يحتاج إلى جهود عميقة وواسعة من قبل القائد المهدي (ع) وأصحابه المخلصين . في غزو العالم عسكرياً وثقافياً والسيطرة عليه تماماً .فإذا تمت وأثمرت هذه الجهود . يكون التخطيط قد بدأ . ومن ثم نواجه في فهم الموقف ثلاث اطروحات محتملة : الأطروحة الأولى :أن هناك ما بين التخطيطين ، فترة من الزمن محدودة ، ذات تخطيط خاص بها ، يستهدف سيطرة القائد المهدي (ع) على العالم واستتباب الدولة العالمية العادلة ... صفحة (97) حتى ما إذا أثمرت جهوده ، وتم تطبيق العدل الكامل على العالم ، كان اول يوم لذلك ، وأول يوم لتطبيق العام الجديد . الأطروحة الثانية :إن الأطروحة الاولى لا تخلو من تسامح في التصور .فإن ظهور الإمام المهدي (ع) لم يخطط لإيجاده بمجرده ، بل خطط له من أجل تأسيس الدولة العالمية العادلة ، وقد كانت شرائط الظهور التي عرفناها ، وبرهنا عليها في التاريخ السابق (1). شرائط لهذا الهدف ... وإنما كانت شرائط للظهور نفسه ، باعتبار كونه المقدمة الرئيسية الأخيرة له أيضاً . إذاً فإنتاج التخطيط الاسبق كاملاً لا يكون إلا بتأسيس الدولة العالمية ، ومعه تكون جهود الإمام المهدي (ع) وأصحابه للسيطرة على العالم داخلة في التخطيط السابق نفسه ، باعتبارها الحلقة الأخيرة لهذه النتيجة الكبيرة فإذا تم تطبيق العدل وتأسيس الدولة العادلة ، يكون التخطيط السابق قد انتهى . وبلحظة البدء بتطبيق العدل تكون بداية التخطيط الثاني ، ولا يكون التخطيطين فاصل زماني ملموس . الأطروحة الثالثة : إن فترة السيطرة على العالم بالعدل والجهود المبذولة في هذا السبيل ، داخلة في التخطيط الجديد ، لافي التخطيط السابق . وذلك: بأن نفترض ان الهدف من التخطيط السابق هو الظهور نفسه ، بصفته كاشفاً عن القائد العالمي المؤسس لدولة العدل الكبرى . بهذا ينتهي هذا التخطيط عند الظهور . ولا معنى لبقائه بعد تحقق نتيجته . ويبدأ التخطيط الجديد من حين الظهور فصاعداً ، وتكون فترة السيطرة على العالم بالعدل مندرجة فيه، باعتبارها مقدمة لهدفه ،فإنه يستهدف إيجاد (العبادة المطلقة) في ربوع البشرية ، وهذا الهدف يحتاج إلى مقدمته الرئيسية وهي إيجاد الدولة العالمية العادلة ، وهذه الدولة تحتاج إلى السيطرة على العالم بطبيعة الحال في أو لتأسيسها . ومن هنا تكون الجهود المبذولة في هذه السيطرة واقعة في هدف التخطيط الثاني ، فتكون مندرجة فيه .________ (1) تأريخ الغيبة الكبرى ص476 وما بعدها. صفحة (98) وبالرغم من أن ما عرضناه خلال الأطروحة الثانية كاف للقول بأنها هي الصحيحة وإلا أن نتيجة هذا البحث تبدو وكانها مجرد اصطلاح ، فإنه سواء كانت فترة السيطرة على العالم بالعدل مندرجة في التخطيط السابق أو في التخططي اللاحق ، فإنها واقعة في خط تكامل البشرية العام الذي لا بد منه باستمرار . وإنما عقدنا هذا البحث لأجل إيضاح جوانب الفكرة لا أكثر. صفحة (99) الأسس العامة لتخطيط ما بعد الظهور إذا أردنا التعرف على أسس وتفاصيل التخطيط العام لما بعد الظهور ، لا بد لنا من التفاتة إلى ما سبق أن قلناه في التمهيد ، من أنه يتعذرعلى الباحث الذي يعيش الفترة السابقة على الظهور أن يدرك العمق الحقيقي الإتجاهات القانونية والفكرية العميقة التي تكون سائدة بعد الظهور ، وعند تطبيق العدل الكامل على العالم . ومن هنا ينبغي أن تبقى التفاصيل والتفريعات مصونة في الغيب إلى حين تحققها ، وإنما غاية جهد الباحث أن يدرك الخطوط العريضة والقضايا العامة المهمة التي يمكن الإطلاع عليها في حدود الثقافة الإسلامية الموجودة في العصر الحاضر . وبذلك نعرف إحدى نقاط الإختلاف بين التخطيطين .فإن التخطيط الإلهي السابق متخذ للسير بالبشرية الماضية والحاضرة إلى نتائجها المطلوبة .... وبتعبير أوضح أننا بحسب وجودنا في هذا الزمن نعيش التخطيط الساري المفعول فيه . ومن هنا يكون اطلاعنا على تفاصيل هذا التخطيط ممكناً ومتيسراً إلى حد كبير ، عن طريق القواعد العامة المعروفة وعن طريق ما هو مشاهد بالوجدان مما قد تحقق من حلقاته وتفاصيله . كما سبق أن عرضنا ذلم مفصلاً في التاريخ السابق . وإما تخطيط ما بعد الظهور ، فيحتوي على عدة نقاط ضعف في التعرف عليه : أولاً : بعدنا الزماني عنه ، بحيث لا يمكن مشاهدته بالوجدان ،ولا أن يصل منه شاهد عيان . ثانياً : أننا نقتصر في الغالب - في التعرف عليه القواعد العامة ، وهي لا تعطي إلا العموميات ، ولا يمكنها الوصول إلى التفاصيل. ثالثاً : أننا نجهل القوانين الجديدة والنظم التي ستكون معلنة في ذلك العصر، الأمر الذي يوفر لنا طريقاً سهلاً، في معرف ة التخطيط لو كان متوفراً ، إلى غير ذلك ، مما يحدونا إلى الكفكفة من غلواء البحث ، والإقتصار في النتائج على مقدار الإمكان . صفحة (100) والكلام في ذلك يقع ضمن جهات ثلاث : الجهة الأولى : في الخصائص العامة للمجتمع الذي ينطلق منه التخطيط ، وهو المجتمع العالمي الذي يتم فيه حكم الإمام المهدي (ع) وتطبيق العدل الكامل لأول مرة . وإزالة العوائق التي يمكن أن تشكل خطراً عليه . وليس معناه صياغة كل نفوس الأفراد صياغة إسلامية عادلة كاملة لأول وهلة . إن المهدي (ع) سيقتل عدداً كبيراً من الأفراد ممن فشل في التمحيص الموجود في التخطيط الإلهي السابق ، وأصبح يشكل خطراً على العدل الكامل في المجتمع الجديد، على ما سيأتي تفصيله... ولكن سيبقى – مع ذلك– عدة فجوات ونقاط ضعف في العالم ، يكون على التخطيط الجديد بشكل عام ، وعلى المهدي (ع) بشكل خاص، ملؤها وتذليل مصاعبها مما لا يؤثر فيه الفتح العسكري عادة . النقطة الأولى : وجود أهل الذمة ، وهم الشعوب التي تؤمن بالأنبياء السابقين على الإسلام .وسيسمح لها – بمقتضى القواعد الإسلامية المعروفة الآن – البقاء على دينها مع دفع الجزية ... ويكون لها أن تدخل في دين الإسلام طواعية . النقطة الثانية : وجود المذاهب المتعددة من معتنقي الإسلام ، ممن لا يظهرون معارضة للنظام الجديد . النقطة الثالثة : نقص الثقافة الإسلامية العامة ، بالنسبة إلى العالم الذي يواجه قوانين الإسلام لأول مرة ، وهي الشعوب التي كانت كافرة قبل الظهور ، ورضيت بالإسلام ديناً بعده . النقطة الرابعة : نقص الثقافة الإسلامية العامة ، في الأمة الإسلامية نفسها ، نتيجة لبعدها عن الإسلام في عصور الفتن والإنحراف . النقطة الخامسة : نقص الثقافة الإسلامية في الأمة خاصة وفي البشرية عامة ، بالنسبة إلى القوانين الجديدة التي يصدرها القائد المهدي (ع) والأفكار العميقة التي يعلنها ، ريثما يتم إعلانها وتوضيحها للناس . صفحة (101) النقطة السادسة : نقص الإخلاص وقوة الإرادة لدى الأعم الأغلب من المسلمن فإن غاية ما تمخض عنه التخطيط الإلهي الأول ، هو وجود الإخلاص العميق لدى جماعة من المسلمين ، ولم يؤثر – بطبيعة الحال- نفس الأثر في مجموعهم كيف وإن الأرض امتلأت ظلماً وجوراً . فهذه أهم نقاط الضعف من الناحية الدينية ، التي يزخر بها المجتمع الدي يواجهه المهدي (ع ) لأول وهلة . وهي النقاط الأهم تأثيراً في بناء الدولة العالمية ، باعتبار ما عرفناه ، من أن الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة التي يقوم الإمام المهدي (ع) بتطبيقها ، والأمة الإسلامية هي الأمة الرائدة في خضم تلك الجهود البانية للدولة . فأي صعوبة في هذه الأمة تعني الصعوبة في نيل الهدف أيضاً . وأما الصعوبات (الدنيوية) لو صح هذا التعبير ، وأعني بها الصعوبات ونقاط الضعف الموجودة في الإتجاهات غير الدينية ، وما انتجته النادية والعلمانية من ويلات في العالم فهي أكثر من أن تذكر او تحصر. وإذ يواجه نظام الإمام المهدي (ع) كل هذه المصاعب ، سيكون مسؤولاً عن اتخاذ الخطوات الحاسمة اللازمة لحل كل مشكلة وتذليل كل عقبة ، وسيكون على مستوى المسؤولية بعد أن كان متدرعاً بالسلاح ومتذرعاً بالإخلاص ، ومنطلقاً من الأطروحة العادلة الكاملة ، ومتصفاً بصفات شخصية عليا ، حاولنا أن نحمل عنها فكرة في التاريخ السابق (1) الأمر الذي قلنا أنه ييسر له القيادة والتطبيق العادل في اليوم الموعود . الجهة الثانية : يستهدف هذا التخطيط الثاني ، الكمال الإنساني الأعلى للبشر، في الحدود الممكنة له على هذه الأرض ، فهو يوفر الأرضية الكافية لتكامل الإنسان إلى غاية ما يمكن أن يحصل عليه من الكمال ... حتى يكون بالتدريج البطيء في إمكان الفرد أن يكون معصوماً ، وأن يتكامل في عصمته(2). ______ (1) انظر : من صفحة 504 إلى ص520. (2) أعني من العصمة ما يسمى ب(العصمة غير الواجبة) وهي التي ينعدم فيها احتمال الظلم والعصيان دون الخطأ والنسيان . وسيأتي إيضاحه في الكتاب الآتي ،وأما التكامل فيما بعد العصمة فقد برهنا ممن التاريخ السابق على إمكانه . صفحة (102) وليس معنى ذلك أن البشر جميعاً يكونون لأول وهلة ، على هذا المستوى العالي .بل معناه توفير الطريق لأن ينال كل فرد من هذا الهدف بمقدار قابلياته الشخصية ، وبمقدار ما يؤدي من إطاعة وتضحيات في سبيل الحق والعدل . وهو من هذه الناحية يشبه ما رايناه في التخطيط السابق على الظهور .فإنه كان يستهدف – فيما يستهدف إليه - تعميق الثقافة الإسلامية في الأمة(1) وتقوية الإرادة الإيمانية تجاه المشاكل .وقد راينا كيف يأخذ الناس من هذه الأهداف بمقدار قابلياتهم ومقدار ما يؤدونه من تضحيات ، وكيف ينتج هذا التخطيط تكاملهم التدريجي البطيء. غير أن هذا التخطيط الجديد يختلف عن سابقه في نتيجته ، فإنه بينما رأينا في التخطيط السابق أنه لم يتصف بالنجاح الحقيقي خلاله إلا عدد قليل نسبياً . فإن هذا التخطيط الجديد سيشمل بالنجاح أكثر الأفراد ، وسيصل في المدى البعيد كل الأفراد إلى المستوى المطلوب ، بالتدريج البطيء. وسيأتي في مستقبل هذا البحث أن المجتمع البشري ، نتيجة للتدابير الآتية التي تضعها الدولة العالمية ، سيمر بمرحلتين من العصمة : المرحلة الأولى : أن يكون الأفراد غير معصومين ولكن الرأي العام المتفق عليه بينهم معصوماً .وقد أشرنا في التاريخ السابق(2) إلى ذلك مختصراً . وسيأتي في مستقبل البحث ما يزيده أيضاحاً . المرحلة الثانية :أن يكون كل الأفراد معصومين ... بتلك العصمة القائمة على أساس العدل الكامل مفاهيمياً وتشريعياً ، الذي كان ولا زال - في تلك الفترة - مطبقاً منذ عهد بعيد . وسيأتي ما يوضح ذلك أيضاً . الجهة الثالثة : في التعرف على تفاصيل التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور وأسسه العامة بمقدار الإمكان. تلك التفاصيل والأسس التي يمكنها أن تحول المجتمع الذي عرفنا نقاط ضعفه في الجهة الأولى ، إلى الصفات الكبرى التي حملنا عنها فكرة كافية في الجهة الثانية . _____ (1) يسير هذا العمق إلى جنب الشعور الديني ..ومن هنا لم يكن وجود هذا العمق في الثقافة الإسلامية لدى عدد كبيرفي الأمة ، منافياً مع وجود الضحالة من هذه الجهة لدى عدد كبير أيضاً ، كما أشرنا غير بعيد ، في النقطة الثالثة من نقاط الضعف . (2) تاريخ الغيبة الكبرى ص481 .صفحة (103) ونحن إذ نتحدث عن هذه الأسس ، إنما نتحدث عما يمكن أن يكون كذلك في الفترة الأولى للدولة العالمية ، وهي التي تسبق المجتكع المعصوم بكلا قسميه ، فإن هذا أقرب إلى إمكان التعرف عليه من تلك المجتمعات العليا المتأخرة . فإننا سبق أن أكدنا عجز الباحث عن إدراك العمق الحقيقي للفكر والتشريع لما بعد الظهور، وهذا ثابت منذ تأسيس الدولة العالمية ، فضلاً عن المجتمعات المعصومة .إذاً فليس لنا أن نعرف عن المجتمعات المعصومة شيئاً مفصلاً. وما يمكن لنا الآن تصوره ولإثباته بالقواعد العامة ، من الأسس لتلك الفترة . ما يلي : الأساس الأول : تربية العالم ثقافياً من جهة الإسلام الواقعي أو العدل الكامل الذي يقوم عليه نظام المهدي (ع) في دولته العالمية . ويعطي من ذلك لكل فرد ولكل شعب ما يحتاجه من اساليب التثقيف ومقداره ، بشكل تدريجي وعلى مراحل . وكلما طويت مرحلة ، استحق الفرد أو الجماعة مرحلة جديدة من القافة . فالشعوب غير المسلمة ، سوف تدعى إلى الإسلام . وسوف يعتنقونه باقتناع وسهولة ، نتيجة لأسباب التي سوف نذكرها بعد ذلك . وكل من اسلم من جديد أو هو مسلم سلفاً سوف يربى على الثقافى الإسلامية العامة الضروية لوجود الطاعة والإبتعاد عن المعصية . إن لم يكن قد نال ذلك نتيجة للتخطيط الإلهي السابق . وكل من تربى إلى هذه الدرجة ، فإنه يعطي الثقافة التي تؤهله إستيعاب الأفكار والمفاهيم والقوانين الجديدة التي تعلن في ذلك العهد . طبقاً للمصالح الموجودة يومئذ. ثم يبدأ التصاعد والتكامل الثقافي من هذه الدرجة أيضاً ، ويأخذ كل فرد من البشر من ذلك بقدر قابلياته وجهوده أيضاً. ولئن كانت المراحل الأولى والاسس الرئيسية من هذا التثقيف ، سينجزها الإمام المهدي (ع) بسهولة وسرعة، على ما سوف نسمع في هذا التاريخ إلا أن المراحل المتأخرة التي تعتبر تفريعاً وتطبيقاً للأسس وسوف تكون تدريجية وبطيئة ، طبقاً تربية كل أمة . الأساس الثاني : تربية البشرية من حيث الإخلاص وقوة الإرادة تجاه المسؤوليات الجديدة في دولة العدل. ويكون الأسلوب العام في ذلك مشابهاً في الفكرة للأسلوب الذي كان متخذاً في التخطيط الأول .وهو مرور الفرد بمصاعب وعقبات تجاه العدل ، ليرى موقفه منها ورد فعله تجاهها ، فإن وقف موقفاً إسلامياً عادلاً كان ناجحاً في هذا التمحيص وإلا كان فاشلاً . صفحة (104) لكن يختلف سبب التمحيص في التخطيط السابق عنه في هذا التخطيط الجديد ، فإننا قلنا في التخطيط الأول أن ظروف الظلم والإنحراف كافية في التمحيص ، من حيث رد الفعل الإسلامي الصحيح من الفرد تجاهها .واما التخطيط الثاني . فسوف لن يكون لعصور الظلم وظروف الفساد اي أثر وإنما ينبثق التمحيص في العهد الجديد من المسؤوليات التي يفرضها التمسك بالعدل الكامل وتطبيقه ، والمحافظة على بقائه في علاقة الفرد مع نفسه ومع ربه ومع الآخرين ومع النظام القائم ... تلك العلاقات التي يتوقع من الفرد خلالها رد فعل إسلامي عادل كامل . وسوف يكون التمحيص شاملاً لكل فرد بمقدار قابلياته وثقافته ، لأنه يتناسب دائماً مع ارتفاع القافة تناسباً طردياً مطرداً ... إذ يقبح على الله عز وجل أن يوفر للفرد امتحاناً وتمحيصاً يكون الفرد فيه فاشلاً باليقين، فإن ذلك خلاف العدل الإلهي ، وإنما يكون التمحيص على مقدار الثقافة والقابلية دائماً ، حتى ما إذا وصلت الثقافة قمة عالية . كان التمحيص في غاية الدقة والصعوبة ، وكان النجاح المتوقع منها نجاحاً مناسباً لتلك المرتبة ، والفشل الصادر فيها مسجلاً بأدق الموازين وبأهون العثرات . وقد وردت في أخبار المصادر الخاصة ، نماذج التمحيصات التي يقوم بها المهدي (ع) في الفترة الأولى من عهده ، تجاه الأمة عامة وتجاه وتجاه أصحابه الخاصين ممن نجحوا في تمحيص التخطيط الأول – خاصة . على ما سوف نعرف تفصيله في ما يأتي . وقد يخطر في الذهن :انه ما الحاجة إلى التمحيص في التخطيط الإلهي الجديد ، وإنما كانت الحاجة في التخطيط الابق إلى التمحيص ، لإيجاد العدد الكافي من أفراد الجيس الفاتح للعالم بين يدي المهدي (ع) .وقد أنجز هذا الجيش عمله وانتفت الحاجة إلى مثله ،فلماذا يستمر التمحيص ساري المفعول في البشر .وجواب ذلك : أن ناموس الله في خلقه هو تربيتهم عن طريق التمحيص .كما دل عليه الكتاب الكريم في عدد من آياته ،والسنة الشريفة ، منها ، قوله تعالى :"ما كان الله ليذر المؤمين على ما أنت عليه ،حتى يميز الخبيث من الطيب"(1) ______ (1) آل عمران : 3/179. صفحة (105) فإنه قانون عام لإختبار طاعة الأفراد في عصر ما قبل التمحيص ... وهو كل عصر يواجه فيه الناس دعوة جديدة وتربية جديدة لم تختبر مواقفهم تجاهها ، ولم تعرف ردود فعلهم حيال المشاكل التي تعترضها فلا بد أن تمر الأمة المسلمة خلال هذا القانون ، ليكون له الأثر الفعال في تربية الأفراد وتعميق إخلاصهم وتقوية إرادتهم تجاه المشاكل .وبذلك يتميز الخبيث من الطيب ، ويعرف من يكون له موقف إسلامي صحيح تجاه المصاعب والعقبات . ومن يكون ذا موقف منحرف باطل .وهذا ميز واقعي بين الأفراد يمت إلى اختلاف قابلياتهم ومسبقاتهم الفكرية والعقلية والنفسية بصلة ... قبل أن يكون مجرد انكشاف لدى الآخرين . وقد سمعنا كيف أن هذا القانون ، كان شاملاً لدعوات الأنبياء السابقين على الإسلام ، ومشاركاً في تربيتهم مشاركة فعالة ، وقد شرحناه في التاريخ السابق(1) وقلنا(2) أن الحاجة – مع ذلك – تعن إلى سريان قانون التمحيص إلى ما بعد الإسلام لتتربى البشرية طبقاً لمفاهيم وتشريع الأطروحة العادلة الكاملة . وكما واجه المجتمع المؤمن دعوة جديدة في صدر الإسلام ، فكان مقتضى هذا القانون تمحيص الأفراد على أساسه خلال تربية الأجيال تربية بطيئة وطويلة وهذا هو التمحيص الساري في تخطيط ما قبل الظهور .كذلك سوف يواجه المجتمع المؤمن والبشرية جمعاء دعوة إسلامية جديدة بعد اندراس الإسلام وعوده غريباً أو نسيان وعصيان الكثير من أحكامه .وسيواجه في هذه الدعوة الجديدة نظاماً وقوانين ومفاهيم ، لم يكن له بها ساق عهد إلى القواعد الإسلامية السابقة . ومن هنا يكون المجتمع بالنسبة إلى هذه الدعوة الجديدة ، مجتمع ما قبل التمحيص. ويحتاج بمقتضى هذا القانون الشامل إلى أن يمر بعصر التمحيص خلال تربية طويلة وبطيئة ، لتتميز مواقف الناس تجاه النظام الجديد والدعوات الجديدة .ويأخذ كل فرد على قدر قابلياته وجهوده من النجاح والتكامل خلال التمحيص ،ما يستطيع . وبينما كان التمحيص السابق ، ينتج فشل الأعم الأغلب من البشر ، كما عرفنا فإن هذا التمحيص وبصفته مدعماً بالأسس ، التي سنعرفها ، ينتج نجاح الأعم الأغلب من البشر ، وسيكون النجاح مطرداً ، حتى تصل البشرية في النتيجة إلى المجتمع المعصوم . ______ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص255 وما بعدها . (2) المصدر السابق ص266 صفحة (106) الأساس الثالث للتخطيط الجديد: توفير جو من السعادة والرفاه المادي المتزايد ، تحت جو من الأخوة والتضامن والعدل الكامل . بأساليب معينة ستأتي في القسم الثاني الآتي من الكتاب . والأساس النظري لإيجاد هذا الرفاه ، ليس هو مجرد نيل اللذة لأنها مهما كانت مهمة ، فإنها لا تكفي وحدها للسير بالبشرية نحو هدفها المقصود النهائي ... وإنما يلاحظ الرفاه المادي بمقدار مايستطيع أن يؤثر في ذلك الهدف البعيد ويربي البشرية باتجاهه. وذلك : من زاوية أن الرفاه المادي متناسباً مطرداً ، مع توفير الجو الكافي لذلك، ولايمكن أن يكون عائقاً عنه ، بعد أن يتشرب الناس ذلك الأساس النظري ، وهو ملاحظة الرفاه بصفته طريقاً نحو الهدف ، لا أنه بنفسه الهدف .ومن ثم ستكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية وترسيخ العدل ، ومن ثم المشاركة في بناء ذلك الهدف . وهذا هو المؤدي الحقيقي لما سمعناه من الأخبار في فصل سابق من كثرة المال فيعهد الإمام المهدي (ع) وأنه يقسم المال ولا يعده ... تلك الأخبار المروية من قبل الفريقين ، وقد سمعنا ما ورد منها في الصحيحين . وقد يخطر في الذهن : أن توفيرالمال والرفاه ، إنما يكون من زيادة العمل . فيكون متناسباً عكسياً مع الهدف، لأن زيادة العمل في سبيل الرفاه سوف يمتص الجهد الذي يمكن أن يبذل في الجانب الأخلاقي والعبادي. ولاتكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية ، كما قلنا . والجواب على ذلك واضح جداً ، لمن استطاع استيعاب المفهوم الصحيح للعبادة مع المفهوم الصحيح للعمل ، فإنه سيستغرب كيف تكون العبادة عائقاً عن العمل مع أنه الأسلوب المهم في حصول الرفاه الأفتصادي المطلوب من أجل العبادة نفسها .وكيف يكون العمل عائقاً عن العبادة ، وهي الهدف الرئيسي للحياة . وبالنتيجة هم معاً واقعين في طريق الهدف البشري الأعلى . صفحة (107) ومن هنا يمكن أن ننطلق إلى الجواب على مستويين : المستوى الأول: أننا إذا فهمنا من العبادة معنى لا ينطبق على العمل ، واصبح العمل المتزايد عائقاً عن العبادة ،فإن ذلك لايمكن أن يحدث تحت ظل النظام العالمي العادل ، إذ يمكن التوفيق بين العبادة والعمل ، وتنظمها تنظيماً عادلاً يكفل إيفاء كل منهما للحاجة التربوية ، وتحصيله لنتيجته المطلوبة ، تحت إشراف القانون والدولة . المستوى الثاني: أننا نفهم من العبادة معنى ينطبق على العمل ، ولا يتنافى معه .فإن العمل نفسه يمكن أن يصبح عبادة .إذا كان واقعاً في طريق العبادة ومطابقاً للنظام العادل الكامل ، فإنه يصبح آنئذ من أفضل العبادات في علاقة الفرد مع الآخرين ،ولانريد بالعبادة خصوص الطقوس الفردية التي تربط الفرد بربه .وقد أعطينا في هذا الكتاب والكتاب السابق فكرة كافية عن ذلك. ... لكن بشرط أن يشعر الفرد العامل بهذا الترابط ، وهذا الإستهداف فإن شعوره بذلك يجعله متصفاً من خلال عمله بالعبادة ، وهو في معمله او متجره أو منجمه . وهذا الشعور متوفر بطبيعة الحال تحت الإشراف التربوي للدولة العادلة . لكن العمل إذا انطلق من المفهوم ، فلن يكون مستهدفاً لذاته ، أو لمجرد الحصول على المال ،فإن العمل ما دام في سبيل المصالح العامة وتحقيق العبادة التامة ...إذاً ، قلته .ولا معنى لأن يكون العمل معيقاً عن تحقيق المصالح والأهداف . الأساس الرابع للتخطيط الثاني: الإشراف العام لدولة على تفاصيل التطبق من الناحيتيتن القانونية والإجتماعية . حيث تشرف الدولة العادلة على نشر الثقافة العامة ، وتقوم ببعض التمحيصات على ما سنسمع ،ونراقب الأفراد من حيث رقيهم في الدرجات المطلوبة من الكمال ، وتساعدهم على النجاح والتكامل بالمقدار اللازم ، وتسجل فيسجل ضميرها من نجح من الأفراد ومن فشل منهم في التمحيص ، ومن له قابلية الرقي ممن ليس له ذلك. وسنرى كيف يكون للدولة من أثر مباشر في تربية الأفراد في العالم . والتدخل في حياتهم الروحية والعاطفية والعقلية والإجتماعية .وهذا مما يؤكد نجاح الدعوة المهدوية والتطبيق الكامل للعدل ، كما يؤكد اجتياز الأفراد للمراحل الأولى من الكمال بنجاح وسرعة وسهولة وهذا الأساس مما يفترق به هذا التخطيط عن سابقه ، نتيجة لإختلافهما في الأهداف ، فقد كان الهدف من التخطيط السابق . تمييز الخبيث من الطيب وتكريس جهود الطيبين و تعميق اخلاصهم ليكونوا الطليعة الأولى لدولة العدل العالمية في اليوم الموعود .ولم يكن هناك أي تاكيد على إنجاح الراسبين أو توفير فرص النجاح .بل إن الفرد إذا رسب في التمحيص وعصى الأحكام الإلهة الإسلامية ، فقد جنى بنفسه عل نفسه وسعى بظلفه إلى حتفه ، فليس وراءه إلا استحقاق العقاب . صفحة (108) ولذلك لم يكن هناك حاجة للإشراف المركزي عل التثقيف أو التمحيص وإن كان هذا راجحاً ، إلا أنه في إمكان التخطيط العام أن يصل إلى نتيجته وصولاً تلقائاً وفي كل الظروف. ولكن التخطيط الثاني يختلف عن الأول ، في هذه النقطة .وذلك لأنه لا يستهدف مجرد التمحيص ، بل الوصول إلى الهدف الأعلى للإنسانية على الصعيد العالمي كله .وهذا يستدعي القيام بأمرين مقترنين : الأمرالأول : تعميق التمحيصات تبعاً لتعميق الثقافة الإسلامية المعلنة في العالم يومئذ ، وتشديد النكيرعل الراسبين في هذا التمحيص ، إلى حد قد يؤدي بهم إلى القتل ، لعدم انسجام الفرد الراسب في التمحيص مع مجتمع العدل المطلق . الأمر الثاني : توفير الفرص الكافية للأفراد ، ممن لا يتصف بالقابلية العليا والثقافة العميقة ، إلى النجاح ، تحت إشراف الدولة العادلة ، ليكون الوصول إلى نتيجة التخطيط أسرع وأسهل وأوسع . وليس بين هذين الأمرين تناف ، بل هما متفقان في الإيصال المطلوب إلى النتائج المتوخاة ، وسوف يكون الأمر الأول أشد وضوحاً وأهمية مع وجود الأمر الثاني ، فإن من يرسب في التمحيص ، بالرغم من وجود الفرص الكافية للنجاح ، يكون أشد إجراماً وابعد عن الحق والعدل ، ممن يرسب بدون هذه الفرص ،كما هو واضح . وهذا يشكل إحدى الفروق في النتائج بين هذا التخطيط وسابقه ، فبينما نجد أن التخطيط السابق يتمخض عن ضعف المسؤولية ، كما سبق أن برهنا في التاريخ السابق(1) نرى هذا التخطيط مساوقاً مع عمق المسؤواية ودقتها . ويرجع ذلك لعدة أسباب، لعل من أوسعها وأوضحها ، كون تطبيق العدل في التخطيط السابق مخالفاً للإتجاه العام المملوء بالظلم والجور ، حتى يكون القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار ، كما ورد في بعض الأخبار .ومن الواضح أن القبض على الجمر يحتاج إل قوة إرادة عليا ، وإن عدم القبض عليه لا يتضمن المسؤولية العليا والإجرام الكبير .بخلاف الحال في التخطيط الجديد ، فإن تطبيق العدل موافق للإتجاه العام المملوء قسطاً وعدلاً ، ومن هذه الجهة يكون موافقاً للهوى ، ويكون الإنحراف مخالفاً للإتجاه العام فتكون مسؤوليته ذات درجة عليا من الأهمية ومناستحقاق العقاب . فهذه هي الأسس الرئيسية التي يمكن التوصل إليها الآن ، وبها وأشباهها يستطيع القائد المهدي(ع ) تربية الأمة ألإسلامية بسرعة وبسهولة .وأما بالنسبة إلى سائرأجزاء العالم فهذه الأسس سوفتشارك في تربيته بعد استتباب اسيطرة عليه ، وأما حصول هذه السيطرة فلا وكيفيتها ، فهو ما سنذكره مفصلاً في فصل قادم. _______ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص 451 وما بعدها إلى عدة صفحات . صفحة (109) Website Page 3 مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره) كتاب تاريخ ما بعد الظهور للسيد الشهيد محمد صادق الصدر (قد) الباب الثاني حوادث ما قبل الظهور ونعني بها الحوادث التي تقع قبل الظهور بزمن قليل ، حسب ما نعرف من أدلتها ،وهو ما سبق أن أجلنا الحديث عن ألأعم الأغلب من "تاريخ الغيبة الكبرى" إلى هذا التاريخ ، باعتبار ما ألصق به . وإن كانت هذه الحوادث في واقعها ، تحصل في عصر الغيبة الكبرى ، إلا أن قصر الزمان نسبياً ، بينها وبين الظهور يجعلها أشد ، ارتباطاً به مما قبله ، كما سيتضح فيما يلي من البحث . صفحة (111) تمهيد لا بد لنا – في هذا الصدد – أن ناخذ بنظر الإعتبار ، عدة أمور : الأمر الأول :أننا سرنا في التاريخ السابق (1) على اسلوب معين في فهم غالب الحوادث الواردة في الأخبار، وهو أسلوب الحمل على الرمزية ، لوجود الإطمئنان في كثير من الأحيان ، بأن المداليل اللفظية للأخبار الناقلة لهذه الحوادث غير مقصودة .وإنما المقصود من ورائها الإشارة إلى حوادث اجتماعية مما قد يتمخض عنها التخطيط السابق على الظهور .وإنما صيغت بأسلوب الرمز لمصالح معينة ... لعل من أهمها : أولاً : عدم الموافقة بهذه الحوادث مع المستوى الفكري للعصر الذي صدرت فيه هذه الأخبار . ثانياً : أنه لو صرح بهذه الحوادث وشرحت بوضوح ، لأمكن استغلالها واتخاذ مواقف سيئة منها ، بنحو يخل بالتخطيط الإلهي العام . ثالثاً :إن مؤدى جملة كبيرة من الأخبار الناقلة للحوادث ، ظاهر بأنها تحصل عن طريق إعجازي غير طبيعي، بشكل يكون منافياً مع قانون المعجزات الذي برهنا على صحته . فيدور الأمر بين طرح الحديث أساساً وبين حملة الرمز، وقلنا هناك(2) بأن الحمل على الرمز أولى من الطرح ، وخاصة فيما إذا كانت الحادثة منقولة بأخبار كثيرة ، صالحة للإثبات التاريخي ، ولا يمكن طرحها . وهنا نواجه هذه النقاط مرة أخرى ، وبشكل وآخر ، في الأخبار الناقلة لحوادث ما بعد الظهور، مع وجود اختلافين أحدهما نقطة قوة والأخرى نقطة ضعف . (1) انظر – مثلاً- ص212 منه. (2) ص217 وما بعدها. صفحة (113) الإختلاف الأول : الذي يمثل نقطة القوة وهو أننا هنا لن نواجه العقبة التي قلناها في تمهيد هذا التاريخ ، وهي أننا لا نستطيع التعرف على العمق الحقيقي للحادثة أو لمجموع الحوادث ، وذلك :لأن ذلك إنما يصدق على حوادث ما بعد الظهور .وأما ما يكون موجوداً قبل الظهور ، كما هو شأن العلامات التي نتحدث عنها في هذا الفصل ، فاستيعاب فهمه متير إلى حد كبير . الإخنلاف الثاني : الذي يمثل نقطة الضعف ، ينطلق من صعوبة اختيار المعنى المرموز إليه ، في الموارد التي نحتاج فيها إلى ذلك ، فإنه بعد أن يتبرهن الحمل على الرمزية ، قد لا يتعين المعنى المشار إليه بالرمز . ولعله من الممكن انطباقه على أكثر من مفهوم أو عدة وقائع . ومع وجود هذه المصاعب ، قد لا يتعذر الإطلاع على المعنى المرموز إليه .إذ وجدت من القرائن والمثبتات حوله ما يكفي .ولكن مع تعذر ذلك لا بد أن نبني البحث على أسلوب الأطروحات بمعنى عرض أقرب المعاني المحتملة إلى الواقع وإلى القواعد العامة ، وقد لا يكون المعنى المحتمل بلحاظ ذلك أكثر من معنى واحد ، فيتعين ، وإن كان لايعدو كونه (اطروحة) باعتباره معنى محتملاً. وتوجد هناك صعوبة أخرى ، قد نواجهها في فهم بعض الأخبار وهي أننا نجهل ما هو الرمزي من ألفاظ الروايات مما هو صريح ، فهل كل ألفاظها رمزية أو يوجد بعضها ما يمكن حمله على معناه الصريح .وهل يمكن التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد؟ وهل نحن محتاجون إلى هذه الرواية ، للحمل على الرمز أو لا ؟ أما من حيث أسس ذلك ، وهي إمكان التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد فالصحيح المطابق للفهم العام في الكلام ، أن ذلك ممكن إذا لم يكن مجموع الفهم من ألفاظ الحديث متنافراً ، بمعنى ضرورة الإنسجام بين المعاني التي فهمناها سواء الصريح منها والرمزي . وأما الحاجة إلى الرمزية وعدمه ، فهو ما سبق أن بحثناه في التاريخ السابق(2) وخلاصته عدم إمكان الحمل على الرمز مع إمكان فهم المعنى اللفظي المطابقي نفسه . مع إمكان الحمل على المجاز والكناية ، إذ مع إمكانه لا حاجة إلى الرمز. (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص218 وما بعدها . صفحة (114) إنطلاقاً من هذه الأسس سنقوم بتذليل هذه الصعوبة : أعني تعيين الرمز من الصريح من الألفاظ ، عن طريق (القواعد العامة) ودلالة الأخبار الأخرى أولاً ، فإن تعذر ذلك ، كان أسلوب (الأطروحات) كفيلاً بتذليل هذه المشكلة ، لأننا حين نعرض الأطروحة المعينة القريبة إلى الذهن ، سنعرف بطبيعة الحال ما يدل عليها من الأخبار بنحو الرمز ، وما يدل عليها بنحو الصراحة . الأمر الثاني :- من التمهيد - : في تمحيص ما ورد من الحوادث . يمكن تقسيم هذه الحوادث من حيث إعرابها عن المعجزات إلى قسمين : القسم الأول : ما كان بدلالته اللفظية ، أو بعد حمله على الرمزية ، دالاً على حوادث غير إعجازية ، اجتماعية أو طبيعية . القسم الثاني : ما كان دالاً على حوادث إعجازية ، بشكل واضح ، لا يمكن صرفه عنها . ويختص القسم الثاني بتحفظين لا حاجة إليهما في القسم الأول : التحفظ الأول : إن هذا القسم مربوط بقانون المعجزات ، فما كان منه منسجماً معه أمكن الأخذ به لو تم فيه التحفظ الثاني الآتي ... وما لم يكن منسجماً معه ، فلا بد من رفضه على كل حال . التحفظ الثاني : إن القسم الأول يمكن قبول حدوثه مع الإنسجام مع المنهج العام الذي قلناه في هذا التمهيد العام لهذا التاريخ ... في حين أن القسم الثاني يحتاج إلى درجة أعلى من التشدد في القبول ، كما عملنا عليه في التاريخ السابق(1) . ففي الوقت الذي قبلنا فيه الخبر الموثوق الواحد المجرد عن القرائن المثبتة في التمهيد... لم نكن قد قبلناه في التاريخ السابق ، ولا نستطيع قبوله في اخبار القسم الثاني المتكفل لنقل أخبار المعجزات ، باعتبار ما فينقلها من مظنة الخطأ والدس ، كما سبق أن عرضناه في التاريخ السابق(2)، فنقتصر فيه على قبول الخبر المستفيض أو المحفوف بالقرائن الموافقة . الأمر الثالث : سبق منا في التاريخ السابق(3) أن ذكرنا حوادث ما قبل الظهور، مفصلة وعرفنا ما حدث منها وما لم يحدث .وما هو محمول على الرمزية وما ليس كذلك ، وعرفنا هناك خصائص كثيرة لا حاجة إلى تكرارها في هذا التاريخ . __________ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص208 . (2) المصدر ص204. (3) المصدر فصل الأخبار الدالة على التنبؤ بالمستقبل ص280 وفصل علامات الظهور ص521. صفحة (115) إلا أن هذا التركيز فيما سبق ، كان على حوادث ما قبل الظهور ،ككل سواء منها البعيد عنه والقريب ..بل كان التركيزعلى البعيد عنه أشد ، الحديث عنه أوسع ... باعتباره بعضاً من حلقات تاريخ الغيبة الكبرى . ومع تجنب التكرار في هذا التاريخ ، والإستغناء عن ذكر الحوادث البعيدة أو المحتملة البعد عن يوم الظهور ، يبقى عل هذا الفصل أربعة مهام : المهمة الأولى: التعرض إلى بعض العلامات التي لم تكن قد ذكرت في التاريخ السابق ، مع محاولة تمحيصها، وإعطائها الفهم اللازم . المهمة الثانية : محاولة إثبات بعض العلامات التي سبق ذكرها ، طبقاً لتغيير المنهج في الإثبات التاريخي ، كما سبق أن أوضحنا في التمهيد. المهمة الثالثة : محاولة إعطاء فهم جديد لبعض العلامات القريبة التي لم تكن قد أخذت حظها الكافي من البحث في التاريخ السابق ... أو عرض جوانب جديدة منها ، لم تكن قد عرضت هناك . المهمة الرابعة : محاولة ضبط التسلسل التاريخي للحوادث مهما أمكن ، وهذا ما لم نتوفر عليه في التاريخ السابق ، في حين يكون استنتاجه مهماً في هذا التاريخ . وإذا تمت هذه المهام ، فسيكون هناك فرق أساسي كبير بين بحث التاريخ السابق ، وبين هذا الباب ، كما سوف يظهر عند الدخول في التفاصيل . وعلى أي حال ، فتنقسم هذه الحوادث ، أعني القريبة إلى الظهور ، إلى قسمين رئيسين : الأول : الظواهر الطبيعية أو السماوية التي لا تمت إلى اختيار الناس بصلة . الثاني: الظواهر الإجتماعية التي تعود إلى تصرفات الناس ، وما يعود إلى الحوادث التي تحصل للأمة الإسلامية بين آونة وأخرى . وينبغي أن يقع الحديث عن القسم الأول سابقاً على الحديث عن القسم الثاني لأجل أن تتصل حوادث القسم الثاني بما بعدها من التاريخ ، حفظاً للتسلسل الزماني لها ، وسنتحدث عن كل قسم في فصل مستقل . صفحة (116) الفصل الأول الظواهر الطبيعية والسماوية ونريد بها الحوادث المنقول حدوثها في الطبيعة ، و إن كانت صفتها إعجازية . والمنقول منها أمور عديدة .ونحن نقتصر – اختصاراً للكلام وتمحيصاً للروايات – على ما كان متصفاً بشرائط ثلاث : الشرط الأول: عقدنا من أجله هذا الباب ، وهو خصوص الحوادث القريبة من الظهور .بحسب أدلتها دون البعيد منها . الشرط الثاني: أن تكون الحادثة مما يمكن إثباته ، بحسب المنهج الذي اتخذناه مع محاولة تجنب ما لا يمكن اثباته . الشرط الثالث: أن يكون مما ورد ارتباطه في الأخبار نفسها بظهور المهدي (ع) وبهذا نختصر هذه الحوادث بالمصادر الخاصة الإمامية ،وليس في المصادر العامة منها إلا النادر . وما يبقى مندرجاً تحت هذه الشروط ، من الحوادث ، عدة أمور ، نذكر كلا منها في جهة : الجهة الأولى : الخسوف والكسوف : ويراد به حدوثهما بشكل يختلف عن الشكل الإعتيادي له . فبدلاً عن أن يحدث الكسوف في أول الشهر و الخسوف في وسطه . كما هو المعتاد ، فإن حدوثهما . سوف يكون بالعكس . فيحدث الكسوف في وسط الشهر والخسوف في أوله ... بشكل لم يسبق له نظير منذ أول البشرية إلى حين حدوثه.وهذا ما تعرب عنه عدد من الروايات ، ذكرنا ثلاث منها في التاريخ السابق (1) عن الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والشيخ النعماني . (1) انظر ص574 صفحة (117) وأخرج الشيخ الطوسي في ( الغيبة ) (1) أيضاً بسنده عن بدر الأزدي ، قال : قال أبو جعفر الباقر (ع) آيتان تكونان قبل القائم لم تكونا منذ هبط آدم (ع) إلى الأرض . تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره .فقال رجل : يا بن رسول الله ، تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف .فقال ابو جعفر : إني لأعلم بما تقول ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (ع) . وأخرج السيوطي في العرف الوردي(2) عن الدار قطني في سننه عن محمد بن علي الإمام الباقر (ع) ، قال: إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض : ينخسف القمر لأول ليلة من رمضان ، وتنكسف الشمس في النصف منه ، ولم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض . وفيما روينا هناك ما يدل على أن انخساف القمر يكون في الخامس والعشرين من رمضان ،واما أنكساف الشمس فهو في ثلاث عشرة أو أربع أو خمس عشرة منه .ويدل سياق هذه الرواية وأكثر من رواية أخرى على قرب هذه العلامة من قيام القائم أعني ظهور المهدي (ع) . وهذا العدد من الروايات يكفي للإثبات التاريخي حتى مع (التشدد السندي) الذي سرنا عليه في التاريخ السابق، وطبقناه هنا على الروايات الناقلة للمعجزات . وقد أشرنا هناك إلى المبرر الذي دعا إلى إيجاد هاتين الواقعتين في التخطيط الإلهي لما قبل الظهور .وهو –باختصار – ترسيخ فكرة المهدي (ع) عند حدوث هذه العلامة ، أولا ، والإيعاز إلى المخلصين من الخاصة إلى قرب الظهور ثانياً . سيقى علينا الآن أن نتكلم عن المبرر الكوني لوجودها .وهل هو بطريق إعجازي أو طبيعي ... وإذا كان طبيعياً فكيف يحصل ... وهذا ما لم نفض فيه الحديث في التاريخ السابق . (1) ص270 (2) الحاوي للفتاوي ج2 ص136 صفحة (118) إن لحدوث هذه الوقائع عدة اطروحات لا بد من استعراضها ونقدها : الأطروحة الأولى: حصول الكسوف والخسوف بسببه (العلمي) الإعتيادي لكن مع اختلاف بسيط هو الإختلاف في الزمان .فإن ثبت في العلم الحديث أن الكسوف يحصل بتوسط الأرض بين الشمس والقمر ، أمكن حصول ذلك في زمان آخر جديد . وهذه الأطروحة هي الأوفق بالظاهر الأولي من الروايات ، لو فرض الإلتزام بكون هذه الحوادث طبيعية غير إعجازية . الإ أنها واضحة المناقشة طبقاً للنظرية العلمية الحديثة ، ومن ثم لا بد من التنازل عن هذا الظهور الأولي في الروايات . فإن القمر – وهو يستمد نوره من الشمس ، والنور يسير بخطوط مستقيمة لا يمكن أن تنعطف انعطافاً كبيراً – أن القمر لا يمكن أن يكسف الشمس حال كونه بدراً في وسط الشهر ، لأن انكساف الشمس به ، يلازم بالضرورة كون الوجه المظلم من القمر متوجهاً إلى الأرض ، وهذا ينافي بالضرورة كونه بدراً . كما أن خسوف القمر لا يكون إلا بوقوع ظل الأرض على القمر ، بعد توسطها بينه وبين الشمس .وهذا معناه :أن الأرض أقرب إلى الشمس من القمر . وهذا لا يحدث إلا في وسط الشهر حين يكون القمر بدراً . ولا يمكن دفع هذه المناقشة ، إلا بالطعن بالنظرية العلمية ، انطلاقاً من زاوية أن النظريات العلمية مهما تأكدت . فإنها قائمة على الحساب الظني ، وإن كان راجحاً ولا تنتج يقيناً تاماً بأي حال .وهذا موكول إلى وجدان القارىء . الأطروحة الثانية : أن تكون رؤية الكسوف والخسوف في غير الأرض بل في مناطق أو كواكب أخرى من المجموعة الشمسية . أما بالنسبة إلى كسوف الشمس ، فقد حدث فعلاً عام (1391 هـ – 1971م) حين كان بعض رواد الفضاء على القمر ، فشاهدوا الشمس مكسوفة كلياً بتوسط الأرض بينهم وبينها .وهذا التوسط لا يحدث عادة إلا في وسط الشهر . واما الخسوف فلم يحدث إلى حد الآن ، لكن في الإمكان تصور حدوثه فيما إذا انتقل بعض أفراد الإنسان إلى كوكب آخر من المجموعة الشمسية كالمريخ او الزهرة ، فإنه قد تصبح الأرض ما بين القمر وذلك الكوكب . فيحدث الخسوف في نظرهم. صفحة (119) ومن الواضح :أن هذا غير مشروط بحدوثه في وسط الشهر القمري ، بل قد يحدث في أوله أو آخره أيضاً . ويمكن المناقشة في هذه الأطروحة من أكثر من جهة : أولاً : أن الظهور الأولي للروايات يقتضي حدوث الكسوف بالنسبة إلى ساكني الأرض ، لا بالنسبة إلى من في القمر او المريخ . غير أنه يمكن الإستغناء عن هذا الظهور ، من زاوية أن ظهورها في أن الإنسان هو الذي يرى هاتين الواقعتين ، وهو أمر لا يختلف فيه الحال بين الأرض والمريخ ، ما دام الإنسان هو المشاهد . ثانياً : إن الظهور الأولي للروايات يقتضي حدوث هاتين العلامتين في شهر واحد ،هو شهر رمضان ، وهذا مما لم يتحقق في الخارج . ثالثاً: إن الظهور الواضح لهذه الروايات – كما قلنا – يقتضي قرب هذه الوقائع إلى اليوم الموعود ، فإذا كان قد حدث أحدالأمرين، إذن فهو لم يحدث قريباً من اليوم الموعود . الأطروحة الثالثة : إن يحدث الكسوف والخسوف بتوسط جرم آخر طارىء في الفضاء صدفة ، من الأجرام التي تعتبر علمياً تائهة في الفضاء ، أو ذات مدار ضخم جداً وغير محدد . فيحجب القمر عن الشمس ، فيحدث الخسوف ، أو يحجب الشمس عن الأرض في وسط الشهر ، فيحدث الكسوف .ومن الواضح أن مرور الجرم الطارىء غير محدد بزمان معين في الشهر . وقد يؤيد ذلك بقوله في أكثر من رواية :أنهما آيتان لم تحدثا منذ هبط آدم (ع) . فلعل جرماً ما قد اوجد هذه الظاهرة فبل وجود البشرية . ثم يكون وقت مروره بالمجموعة الشمسية منوطاً بتاريخ معين يصادف قبل ظهور المهدي بقليل. وهذه الأطروحة لا ترد عليها المناقشة الأولى للأطروحة السابقة ، لفرض أنها ترى من الأرض . وأما المناقشة الثانية : فمن حيث حصول الواقعتين في شهر واحد ، أمر لا غبار عليه ، إذا التفتنا إلى أن جرماً واحداً هو الذي يعمل كلا العملين .فإن المذنب وأمثاله إذا ظهر قريباً من الأرض لا يختفي عادة لليلة واحدة ، بل يبقى مدة من الزمن حتى ينتهي عبوره فضاء المجموعة الشمسية ، فيمكن أن يحدث خلال وجوده كلا هذين الأمرين . صفحة (120) وأما حدوث ذلك في شهر رمضان دون غيره ،فهذا على تقدير ثبوته ، لا بد من إيكال علمه إلى أهله .وسيأتي ما يوحه فيما يلي : الأطروحة الرابعة : أن يحدث الكسوف و الخسوف بتوسط جرم آخر طارىء ، ولكنه من الأجرام المنطلقة من الأرض لبعض الغراض العلمية أو الحربية .إذ لعل البشرية تتطور حتى تصل إلى المستوى الذي يؤهلها لإطلاق الأجرام الضخمة المنتجة لمثل هذه النتائج الكبيرة . وقد يرد في الذهن : أنه كان ذلك بفعل البشر ،فكيف يكون ذلك علامة على اليوم الموعود . وجوابه من عدة وجوه : أولاً : لعل البشر يطلقون الجرم لا لأجل إحداث الكسوف والخسوف ، بالغرض آخر ، فيترتب عليه من حيث لا يعلمون . فإذا كان من الضروري أن تكون العلامة قهرية الوقوع ، فهذه بمنزلة العامة القهرية. ثانياً : أن البشر لو كانوا ملتفتين إلى إمكان حدوث الخسوف والكسوف من إطلاق الجرم ، إلا أن الذين يطلقونها لا يحملون عن المهدي (ع) وعلامات ظهوره أية فكرة ، فتكون هذه العملية بالنسة إلى فكرة علاميتها كالقهرية . ثالثاً : أن البشر الذين يطلقون الجرم حتى او التفتوا إلى فكرة العلامية ، إلا أنهم لا يمكن أن يطلقونه إلا بعد بلوغهم مستوى (مدنياً) معيناً ، فمن الممكن أن تكون العلامة في الواقع هو هذا المستوى المدني العلمي وإنما ذكرت الروايات وجود الكسوف والخسوف للإشارة إليه . بشكل لا ينافي المستوى الفكري العام لعصر صدور الأخبار . وأما ورود المناقشات التي أوردناها عن الأطروحة الثانية ، فهو غير مهم ،كما هو واضح لمن يفكر ، سوى حصول ذلك في شهر رمضان وهو ما سيأتي إيضاحه . وقد يخطر في الذهن: أن الروايات دالة على حدوث هاتين الواقعتين قبل وجود البشرية ، فكيف ينسجم ذلك مع هذه الأطروحة . وجوابه واضح من زاوية ان الروايات لم تدل على أكثر من عدم حصوله خلال عمر البشرية (منذ هبط آدم (ع)) واما حصوله قبل ذلك ، فليس لها ظهور تام في ذلك . وإن كانت مشعرة به قليلاً ، ويمكن الإستغناء عن هذا الإشعار مع تأكد هذه الأطروحة . صفحة (121) فهذه جملة من الأطروحات الطبيعية أعني حدوث هاتين العلامتين بشكل غير خارق لنظام الطبيعة ، وهناك بعض الأطروحات الأخرى منها ما هو مبتنٍ على النظرية النسبية ، لا حاجة إلى التطويل بذكرها . ويرد على هذه الأطروحة إشكال مشترك هو ما أشرنا إليه من التوقيت سواء منه التوقيت بشهر رمضان أو بقرب الظهور . فإنهما معاً قد يستشكل بعدم انسجامهما مع الحدوث الطبيعي لهاتين الواقعتين بأي أطروحة كان . ويمكن الجواب على هذا الإيراد من اكثرمن وجه واحد نذكر منها ما يلي : الوجه الأول : الطعن بصحة هذا التوقيت .والإلتزام بأن اقصى ما يثبت هو وجود هاتين الواقعتين قي غير أوانهما الطبيعي من الشهر ، فإن هذا المعنى تسالمت عليه الروايات ، وأما غير ذلك من الصفات فهم مما استقلت به البعض دون البعض . فلا يكون له الإثبات التاريخي الكافي . فلا يكون هذا الإشكال المشترك وارداً. إلا أن هذا الوجه لا يتم في بعض الصفات الأساسية كحدوث الواقعتين قرب الظهور .. وإن صح الإستغناء عن بعض الصفات الأخرى . الوجه الثاني : أننا إذا سلمنا بثبوت التوقيت ، لا يبق من إشكال إلا في اصل جعلها علامة على الظهور ، مع أنها حوادث مستقبلة ، وهي مما لا يمكن الإطلاع عليها من قبل أحد .وهذا ما سبق أن ناقشناه في الكتاب السابق(1) . ومع ارتفاعه وتسليم إمكان التنبؤ بالمستقبل من قبل قادة الإسلام المعصومين (ع) ، وتسليم ثبوت هذه الصفات – كما قلنا - ... لايبقى لهذا الإشكال مجال . الأطروحة الخامسة : أن يحدث هذا الخسوف و الكسوف على نحو الإعجاز ، بخرق نواميس الطبيعة . وقد تؤيد هذه الأطروحة ببعض القرائن المؤيدة : القرينة الأولى : قوله في اكثر من رواية :أنهما آيتان لم تحدثا منذ أن هبط آدم (ع) إلى الأرض ....إذ لو كانت هذه الحوادث طبيعية لحدثت خلال وجود البشرية أكثر من مرة . (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص532. صفحة (122) إلا أن هذه القرينة لا تتم مع ثبوت إحدى الأطروحتين الأخيرتين بل مع مجرد احتمالهما ، فإنهما يعطيان التبرير (الطبيعي) لعدم حدوث هذه الوقائع خلال عمر البشرية ، فلا ينحصر أن يكون هذا إعجازياً . القرينة الثانية : إن إعجازية هذه الوقائع هي المناسبة مع جعلها علامة للظهور ومنبهة للمخلصين الممحصين .وأما مع وجودها وجوداً طبيعياً ، فتضعف فكرة جعلاها علامة إلى حد كبير . وهذه القرينة أيضاً قاصرة ، لأنها تتضمن غفلة عن معنى جعل العلامة ، الذ يسبق أن ذكرناه في التاريخ السابق(1) وعرفنا هناك أن السر الأساسي فيه ليس منطلقاً من الاعجاز ، بل من الإخبار نفسه ، حيث يختار قادة الإسلام (ع) شيئاً مهما ً ملفتاً للنظر فيخبرون به مرتبطاً بالظهور .حتى ما إذا وقعت الحادثة ثبت عند الجيل المعاصر لها صدق الإخبار عنها بالوجدان فيثبت بالوجدان أيضاً صدق ما ارتبط بها في الرواية ، وهو أصل الظهور إن كانت علامة مطلقة ، او قربه إن كانت علامة قريبة . وأضفنا هناك : ومن هنا لا معنى لكون بعض هذه الحوادث علامة ، إلا إذا ورد في الروايات ذكره ، وجعل منها علامة على الظهور . أقول فالأساس في ذلك هو الإخبار لا الإعجاز ، وما دام الإخبار موجوداً وكافياً للإثبات التاريخي ، لا يكون حدوثها (الطبيعي) ، مخلاً بفكرة جعلها علامة . هذا وينبغي الإلماع إلى أن في هذه الأطروحة الأعجازية ، نقطة ضعف ونقطة قوة ، بالنسبة إلى (قانون المعجزات) . فهي موافقة له من زاوية كون هذه الوقائع واقعة في طريق الهداية ، كما أسلفنا في التاريخ السابق(2) .وهذه نقطة قوته .ولكنها مخالفة له باعتبار عدم انحصار طريق الهداية بها ، ولا أقل من الشك في ذلك ، ومعه لا تكون موافقة مع هذا القانون من جميع جهاته فلا تكون صحيحة فإذا انحصر الأمر بالأطروحة الإعجازية ، كان اللازم رفض الأخبار الدالة عليها ، لإننا عرفنا عدم الإنحصار بها ، ومعه يتبين رفض هذه الأطروحة والحفاظ على الأخبار مع حملها على إحدى الأطروحات الطبيعية . ______________ (1) انظر ص529 وما بعدها . (2) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص575. صفحة (123) الجهة الثانية : الفزعة والصيحة وهما أيضاً من الحوادث المنقولة في الأخبار ، وإنما دمجناهما في عنوان واحد ، لإحتمال أن يكون المراد بهما شيء واحد ، على ما سوف نشير . أخرج الصدوق (1) بإسناده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) في حديث ، قال فيه : ومن علامات خروجه (ع) ... وصيحة من السماء في شهر رمضان . وأخرج ايضاً عن الحرث بن المغيرة ، عن أبي عبد الله (ع) : الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان . وأخرج عن عمر بن حنظلة ، قال :سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : قبل القائم خمس علامات محتومات ...وعد منها : الصيحة . ونحوه أخرج النعماني في (الغيبة)(2) إلا أنه قال : والصيحة في السماء . واخرج النعماني أيضاً (3) عن داود الدجاجي عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) قال : سئل أمير المؤمنين (ع) عن قوله تعالى :فاختلف الأحزاب من بينهم . فقال: انتظروا الفرج من ثلاث ! فقيل: يا أمير المؤمنين ، وما هن ؟! ... فقال :... والفزعة في شهر رمضان .فقيل : وما الفزعة في شهر رمضان. فقال : أو ما سمعتم قول الله عز وجل في القرآن : " إن نشأ ننزل عليهم آية من السماء ، فظلت أعناقهم لها خاضعين " هي آية تخرج الفتاة من خدرها توقظ النائم ويفزع اليقظان . وأخرج أيضاً عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال : وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان ، وتخرج الفتاة من خدرها . _____________ (1) أنظر اكمال الدين للصدوق (نسخة مخطوطة). (2) ص 133. (3) نفس الصفحة . (4) انظر غيبة النعماتي ص 134 وكذلك الحديث الذي يليه. صفحة (124) وفي حديث آخر : عن أبي بصير عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) ، في حديث أنه قال : الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان شهر الله – وهي صيحة – جبرئيل إلى هذا الخلق . ثم يقول – بعد حديث طويل – إذا اختلف بنو فلان فيما بينهم . فعند ذلك فانتظروا الفرج ، وليس فرجكم إلا في اختلاف بني فلان ، فإذا اختلفوا فتوقعوا الصيحة في شهر رمضان وخروج القائم ، إن الله يفعل ما يشاء .. الخبر . ولعل من أهم ما دل عل وقوع الصيحة من الأخبار ، ما ورد في الخطاب الذي أخرجه السفير الرابع عن الإمام المهدي (ع) ، والذي أعلن فيه المهدي (ع) انتهاء السفارة بموت هذا السفير . يقول فيه : إلا فمن أدعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة ، فهو كذاب مفتر .(1) وأخرج القندوزي في ينابيع المودة بعض هذه الأخبار . ونستطيع أن نعطي لفهم هذه الصيحة ، عدة اطروحات ، لنرى ما يصح منها وما لا يصح : الأطروحة الأولى: إن الصيحة والفزعة بمعنى واحد ، ويراد بها صوت عظيم يكون في السماء ، يوقظ النائم ويفزع اليقظان ، ويخرج الفتاة من خدرها خوفاً وفزعاً . ومن هنا سميت بالفزعة . ويكون الصوت حادثاً بالمعجزة ، ولايكون له مدلول كمداليل الكلام ، وإنما هو صوت كالرعد أو الهدة العظيمة . إلا أن هذا مما لا يكاد يصح ، فإن أهم ما ينافيه في الروايات ، قوله :وهي صيحة جبرئيل إلى هذا الخلق .فإن صحته تكون - لا محالة – ذات معنى كمعاني الكلام ، لا أنها مجرد صيحة صامتة .وسيأتي ما يدل على ذلك في أخبار (النداء) . الأطروحة الثانية : إن المراد بالصيحة هو النداء الآتي ذكره .وهو نداء جبرئيل على ما سنسمعه من الأخبار. وفي التعبير بأنها صيحة جبرئيل ، ما يؤيد ذلك . _____________ (1) انظر الإحتجاج للطبرسي ط النجف ص297وانظر تاريخ الغيبة الصغرى ص633 وما بعدها . صفحة (125) ويكون السبب في هذا الصوت شيء من قبيل المعجزة ، فإن سببه صادر من فوق الطبيعة المادية ، لأنه صوت أحد الملائكة الكرام كما سمعنا في الأخبار . وعلى أي من هاتين الأطروحتين ويكون الصوت إعجازياً حادثاً من اجل مصالح معينة ، أهمها ما أشرنا إليه من التنبيه على قرب الظهور ، من اجل إيجاد الإستعداد النفسي لدى المخلصين والمسلمين لإستقباله . الأطروحة الثالثة : أن يكون المراد بالصيحة والفزعة معان طبيعية غير إعجازية فالفزعة تعبير عن وجود رعب عام لسبب من الأسباب كتوقع حرب أو وباء مثلاً .ويكون المراد بالصيحة صوت عظيم صادر من بعض القنابل أو الصواريخ ، أو من اختراق إحدى الطائرات حاجز الصوت ، أو انفجار بعض المستودعات ...ونحو ذلك غير أن الأطروحة بعيدة للغاية عن مداليل هذه الأخبار وسياقها العام .وخاصة مع الإستدلال بقوله تعالى :" إن نشأ ننزل عليهم آية من السماء فظلت أعناقهم لها خاضعين " (1) . وقد استدل بهذه الآية عل الفزعة ، كما سبق أن سمعنا ،وعلى الصيحة ، فيما رواه الصافي في منتخب الأثر(2) والقندوزي في الينابيع (3) عن أبي عبد الله (ع) ، وقال في آخره : فتلوت هذه الآية أي قوله تعالى :إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ..الآية ،وفقلت : أهي الصيحة ؟ قال: نعم .لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله عز وجل . وإنما تخضع أعناق أعداء الله نتيجة لحادث كوني كبير غير معهود ، فيه عنصر أعجازي ، لا لحادث بسيط كصوت صاروخ أو طائرة . ولعل في تفسير الآية تارة بالصيحة وأخرى بالفزعة .ما يوحي بالأطروحة الأولى . أو أن تكون الفزعة بمعنى الصيحة ،فإنهما آية واحدة تخضع لها أعناق أعداء الله سبحانه . ويكون ذلك مطابقاً للأطروحة الثانية .ويكون الفزع ناشئاً من صوت جبريل الأمين. في قلوب أعداء الله .. وأما المؤمنين فيكون الصوت بشارة كبرى لهم عن قرب الفرج وتوقع الظهور . ومن أجل هذا يحصل الاهتمام الكبير بهذا الصوت و يستيقظ منه النائم ويفزع اليقظان ، وتخرج الفتاة الحيية المخدرة من خدرها وولا تتحدث عن الفتيات غير المتصفات بالحياء . _______________ (1) الشعراء : 26/4. (2) ص404. (3) ص 426. صفحة (126) هذا ، والظاهر من سياق هذه الأخبار ، وخاصة مثل قوله : فتوقعوا الصيحة وخروج القائم ...أن تكون الصيحة قبل الظهور بزمن قليل نسبياً ...وهو المقصود . الجهة الثالثة: النداء . والأخبار عن ذلك على ثلاثة أشكال : الشكل الأول : ما كان دالاً على وجود النداء إجمالاً .وإنه من المحتوم . اخرج الصدوق (1) بسنده إلى ميمون البان عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: خمس قبل قيام القائم ...وعد منها: المنادي ينادي من السماء . وروى المفيد بسنده (2) عن أبي حمزة الثمالي ، قال : قلت لأبي جعفر (ع) : خروج السفياني من المحتوم ؟ قال : نعم ، والنداء من المحتوم . الحديث . وأخرج النعماني (3) بسنده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : النداء من المحتوم .. الحديث . الشكل الثاني : النداء بالحق وبالباطل .ويكون النداء بالحق أولاً . ثم النداء بالباطل . أخرج الصدوق (4) بسنده إلى ميمون البان في حديث عن أبي جعفر (ع) قال : ثم قال : ينادي مناد من السماء :إن فلان بن فلان هو الإمام أسمه ،وينادي ابليس لعنه الله من الأرض ، كما نادى برسول الله (ص) ليلة العقبة . وأخرج النعماني في الغيبة(5) عن أبي بصيرعن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل ،قال فيه: ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب .لا يبقى راقد إلا استيقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت ،فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب ، فإن الصوت صوت جبرئيل الروح الأمين . _______________ (1) إكمال الدين ( المخطوط ). (2) الإرشاد ص338 (3) الغيبة ص134. (4) انظر إكمال الدين المخطوط .ص134. (5) ص134. صفحة (127) وقال (ع) : الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ، ليلة ثلاث وعشرين ، فلا تشكوا في ذلك ، واسمعوا وأطيعوا . وفي آخر النهار صوت إبليس اللعين ينادي :ألا إن فلاناً قتل مظلوماً ، ليشكك الناس ويفتنهم ، فكم ذلك اليوم من شاك متحير .قد هوى في النار . فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان ، فلا تشكوا فيه أنه صوت جبرئيل وعلامة ذلك أنه ينادي باسم القائم واسم أبيه (ع) وحتى تسمعه العذراء في خدرها ، فتحرض أباها وأخاها على الخروج . إلى أن قال : فاتبعوا الصوت الأول وإياكم والأخير ان تفتنوا به . .. الحديث . وأخرج السيوطي في العرف الوردي (1) قال : أخرج نعيم عن علي . قال : إذا نادى مناد من السماء :إن الحق فيآل محمد .فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس ، ويشربون حبة ، ولايكون لهم ذكر غيره . وأخرج أيضاً (2) عن نعيم بن حماد أيضاً و عن أبي جعفر، قال: ينادي مناد من السماء : إن الحق في آل محمد ، ينادي مناد من الأرض :إن الحق في آل عيسى – أو قال : العباس شك فيه – وإنما الصوت الأسفل كلمة الشيطان ، والصوت الأعلى كلمة الله العليا . وأخرج القندوزي في الينابيع شيئاً من ذلك . ___________ (1) انظر الحاوي للسيوطي ج2 ص140 (2) المصدر ص151. صفحة (128) القسم الثالث : النداء باسم القائم (ع ) بدون أن يكون في الأخبار تعرض إلى نداء آخر : أخرج الصدوق(1) بسنده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (ع) ، في حديث ، قال : ومن علاماته خروج السفياني ، ومناد نادي باسمه واسم أبيه . وأخرج النعماني(2) بسنده عن أبي بصير عن ابي عبد الله (ع) ، قال : قلت له :جعلت فداك ، متى خروج القائم . فقال : يا ابا محمد ، إنا أهل بيت لا نوقت ...إلى أن قال : ولا يخرج القائم حتى ينادي بإسمه في جوف السماء ، في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ، ليلة جمعة . قلت : بم ينادى؟ قال: باسمه واسم أبيه .إلا أن فلان بن فلان قائم آل محمد . فاسمعوا له واطيعوه. وأخرج الشيخ في الغيبة(3) بسنده عن محمد بن مسلم ، قال : ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فيسمع ما بين الشرق إلى الغرب .فلا يبقى راقد ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه من ذلك الصوت .هو صوت جبرئيل الروح الأمين . وأخرج أيضاً(4) عن أبي بصير (ع) قال : قال أبو عبد الله (ع) : إن القائم صلوات الله عليه ، ينادي اسمه لله ثلاث وعشرين ...الجديث . إلى غير ذلك من الأخبار. ________________ (1) انظر إكمال الدين المخطوط . (2) أنظرغيبة النعماني ص134. (3) انظر ص274. (4) الغيبة للطوسي ص274. صفحة (129) والمعنى المفهوم من مجموع هذه الأخبار واخبار الجهة السابقة : أن أخبار الصيحة والفزعة واخبارالنداء بأقسامها تشير إلى معنى مشترك وحادثة واحدة، لا اختلاف فيها . وإن تعددت أساليب الأخبار .ولا تعارض بينها في الحقيقة .كما أنها لا تدل على كثرة النداءات الأخبار . ولا تعارض بينها في الحقيقة .كما أنها لا تدل على كثرة النداءات أكثر من صوتين .لو تم القسم الثاني من الأخبار. وعلى ذلك عدة قرائن ، من هذه الأخبار نفسها : منها : أن الصيحة و النداء معاً نسباً إلى جبرئيل (ع) بشكل مستفيض . ومنها أن وقتهما معاً في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان . ومنها :أنها جميعاً تورث الإهتمام الكبير. يستيقظ النائم ويقوم القاعد وتخرج العذراء من خدرها . ومنها :أن الصيحة والنداء من المحتوم . إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع . وبعد حمل المطلق على المقيد والمجمل على المفصل، ما يلي: 1-إن المراد من النداء الذي هو من المحتوم هو نداء جبرائيل باسم القائم . 2- أن المراد من النداء الحق ليس إلا ذلك . 3- إن صيحة جبرئيل هي هذا النداء أيضاً . 4- إن الآية التي تخضع لها أعناق اعداء الله هو ذلك أيضاً . 5- إن الفزعة التي تخرج الفتاة من خدرها هو ذلك أيضاً . 6- إن التوقيت في الثالث عشر من شهر رمضان ، توقيته أيضاً . فإن القسم الثالث من أخبار النداء ، أعني النداء باسم القائم واسم (أبيه) هي أخص هذه الأخبار جميعاً ، بما فيها أخبار الصيحة والفزعة ... فتصلح أن تكون مفسرة لها وشارحة لمدلولها .. كما ستكون الصفات الخرى المعطاة في تلك الأخبار ، صفة للنداء أيضاً ، كالتوقيت والحتمية وغيرهما . وإذا تم هذا الفهم العام ، كانت الأخبار الدالة ، على هذا المعنى المشترك متواترة بل تزيد على التواتر .فإن أخبار النداء وحدها مستفيضة ، فإذا أضفنا إليها أخبار الفزعة والصيحة كانت متواترة . كما أن بعض الخصائص المذكورة لها مستفيضة ، كحصول الإهتمام المتزايد والتوقيت الذي عرفناه ،وكونها من المحتوم ،وكونها صوت جبرئيل الأمين ، وانها تكون بالحق وضد أنصار الباطل . صفحة (130) ولا يبقى بعد ذلك مجال للنقد إلا في مستويين . المستوى الأول : ما هو محتوى النداء؟ هذا ما بينته الروايات التي سمعناها على شكلين : الشكل الأول : النداء باسم المهدي واسم أبيه . الشكل الثاني : النداء بأن الحق في آل محمد . فقد تحصل المعارضة بين هذه الروايات ، ويبقى محتوى النداء ، خالياً من الدليل الصالح للإثبات . والصحيح هو عدم التعارض ، باعتبار إحدى النقاط : النقطة الأولى : أن افترضنا أن كلا ً من الندائين ذو دليل كاف لإثباته ، إذاً ، فينبغي أن نلتزم بوجود نداء واحد يحتوي على كلا المدلولين ، فهو يقول إن الحق في آل محمد وإن أمامكم فلان بن فلان ، ولا تنافي بين الأمرين . النقطة الثانية : أن نفهم الشكل الثاني للنداء راجع إلى الشكل الأول منه .وإن ما يحصل في الخارج هو الشكل الأول فقط . وإنما ذكر الشكل الثاني نتيجة لظروف تاريخية معينة . وخاصة إذا التفتنا ان الأخبار الناقلة للندائين :بالحق أولاً ثم بالباطل ، نقلت النداء الأول على شكلين ، هما نفس الشكلين اللذين أشرنا إليهما ، فيكون ما دل على النداء هو من الشكل الأول قرينة عل فهم معين لما دل على أن النداء هو من الشكل الثاني ، وانه صدر في ظروف معينة . النقطة الثالثة : أننا لو تنزلنا عن كلا النقطتين السابقتين ، وافترضنا حصول التنافي بين الندائين ، للعلم بأن أحدهما غير حاصل . إذاً ، يتعين الأخذ بالشكل الأول من النداء ،ورفض الشكل الثاني ، لوفرة الأخبار الدالة على أنه ينادي باسمه واسم أبيه ، لأن منها ما ورد مستقلاً وهو القسم الثالث من الأخبار، ومنها ما ورد مع عطف النداء الباطل عليه ،وهو أغلب القسم الثاني .فلا يكون ما دل من الأخبار على الشكل الثاني للنداء معارضاً ، لقلة عدد الأخبار فيه ... فيكون مرفوضاً . المستوى الثاني : هل الأخبار الدالة على وجود النداء بالباطل كافية للإثبات اولاً ؟... صفحة (131) هناك بعض المقدمات الفكرية الني يمكن أن تنتج رفضها : المقدمة الأولى :إن عدد الأخبار الدالة على النداء بالباطل أقل بكثير من الأخبار الدالة على النداء بالحق . فبينما نرى الأخبار الدالة على النداء بالحق أو باسم المهدي (ع) عديدة فإذا ألحقنا بها أخبار الفزعة والصيحة، كما سبق – اصبحت متواترة .. نرى أن الأخبار الدالة على النداء بالباطل ذات عدد قليل ، تمثل قسماً من أخبار النداء فقط . المقدمة الثانية : إننا إذا سرنا على الفهم التقليدي لهذه الأخبار المطابق مع ظهورها الأولي ،وهو صدور النداء بالباطل بشكل إعجازي أو ميتافيزيقي ، فيكون هذا معجزة صادرة في جانب الباطل ، وقد برهنا على استحالة ذلك في التاريخ السابق(1) لما فيه من التغرير بالجهل والدفع إلى الفتنة والإنحراف وهو مستحيل على الحكيم المطلق جل وعلا . فإذا تمت هاتان المقدمتان لزمنا رفض هذه الأخبار ،لأنها أخبار قليلة نسبياً ودالة على أمر مستحيل ، فيكون الأخذ بمضمونها مستحيلاً. وهذا لا يعني إسقاط القسم الثاني من أخبار النداء كله ، بل الساقط هو الجزء الدال على وجود النداء بالباطل فقط .وأما الجزء الدال منها على النداء بالحق فيبقى ساري المفعول ،معتضداً بالأخبار الدالة على ذلك .وقد سبق أن برهنا على إمكان التبعيض في الأخذ بمدلول الخبر . نعم لو ناقشنا بالقدمة الثانية ، وأمكننا حمل النداء عموماً أو النداء بالباطل خصوصاً ، على معنى (طبيعي) غير إعجازي ، أمكن الأخذ بالأخبار الدالة عليه غير أن هذا سوف يكون قابلاً للمناقشة على ما سيأتي . وإذا نحاول تكوين فهم متكامل عن هذين الندائين ، نواجه عدة أطروحات منها الطبيعي ومنها الإعجازي. الأطروحة الأولى :أن نفهم من (جبرئيل) المنادي بالحق و(إبليس) المنادي بالباطل، أن نفهم منهما – ولو بنحو الرمز أو المجاز – التعبير عن انصار الحق وأنصار الباطل . فجبرئيل كناية عن المهدي نفسه ، ونداؤه نداء الحق ،وإبليس عبارة عن أعداء المهدي والمنحرفين من البشر عموماً . _______________ (1) انظر ص577. صفحة (132) ويكون المراد بسعة الصوت وانتشاره إلى الشرق والغرب أو إلى كل إنسان ،كونه مبثوثاً عن طريق وسائل الإعلام الحديثة، كالإذاعة والتلفزيون وما ورد من أن الصوت من السماء ، فباعتبار أن البث الإذاعي و التلفزيزني لا يكون التقاطه ، إلا من الفضاء ،وخاصة مع وجود الكواكب الصناعية للبث الإذاعي والتلفزيوني. ومعه يكون من السهل بل من الطبيعي أن نتصور أن جبهة الإمام المهدي (ع) تنادي باسمه بطريق الوسائل الحديثة .... و(جبهة) أعدائه تنادي بنداء مضاد سوف نعرف مدلوله ، تريد به الفتنة وصرف الناس من الحق إلى الباطل. ويكون السبب في التأثير النفسي البالغ، والإهتمام الذي يحدثه الصوت الحق في العالم ، ليس هو ارتفاع الصوت ، بل هو أهمية المضمون . فإن الإعلان العام عن ظهور المهدي (ع) لأول مرة ، وإعطاء المفهوم الواضح لثورته العالمية ، مع كون المسلمين عامة ، بل أكثر البشر ممن يتوقع حدوث دولة الحق ، سوف يحدث ردود فعل عنيفة مختلفة في الناس بلا شك . وهذه الأطروحة وإن كانت واضحة منطقياً ، غير أنه يرد عليها بعض الإشكالات التي من اهمها : أن ما يستفاد من سياق هذه الأخبار من أن النداء وصوت الحق وصوت الباطل وإنما يكون قبل ظهور المهدي (ع) وليس بعده ... وهذا يكون منافياً مع مضمون هذه الأطروحة ، لأنها تنظر إلى دعوات الحق والباطل بعد الظهور . الأطروحة الثانية : أن نلتزم – طبقاً لظاهر الأخبار – بأن هذين الصوتين يوجدان قبل ظهور المهدي (ع) لكن بطريق طبيعي أيضاً وعن طريق وسائل الإعلام الحديثة ،ويكون السبب في هذين الصوتين ، وجود حركتين متناحرتين في العالم الإسلامي .إحداهما محقّة ، تهدي الناس إلى الإسلام الصحيح ، والإخرى حركة مبطلة ، تغوي الناس وتخدعهم وتثير فيهم الشبهات . ويكون التأييد لحركة الحق ، في اول قيامها تأثيراً كبيراً في الناس ، حتى أن المرأة تحث أباها وأخاها على نصرة هذه الحركة وتأييدها ، ولكن هذه الحركة لن تدوم طويلاً ، بل تكون ضدها حركة مبطلة تعلن عن رأيها وتصرح بمقاصدها فتوقع الناس في بلبلة وشبهات في العقيدة الإسلامية أو مايمت لها بصلة . ويكون من نداءاتها وشعاراتها المهمة : أن فلان قتل مظلوماً ، والمراد به – والله العالم – ذلك الشخص الذي قتلته وقضت على حكمه الحركة الأولى المحقة .ومن هنا تصرح الحركة الثانية ، بمظلوميته وانتهاج سبيله ،والإحتجاج على قتله . صفحة (134) ولعل التعبير يكون نداء الحركة الأولى صادراً من السماء ونداء الحركة الثانية صادراً من الأرض .باعتبار احترام النداء الأول ، وكونه محقاً وانتقاص النداء الثاني باعتباره باطلاً وزخرفاً . إلا أن هذه الأطروحة لا تصح ، لوضوح أن نداء الحركة المحقة سوف يكون هو الدعوة إلى مبادئها وتأييدها، لا النداء باسم القائم المهدي (ع) واسم ابيه كما صرحت به الأخبار العديدة .ومعه يبقى هذا النداء بلا تفسير من زاوية هذه الأطروحة . وأما احتمال أن يكون المراد من لفظ القائم : قائد الحركة المحقة باعتبار أنه قائم بالسيف وناصر للحق بالسلاح . في الجملة ،وإن لم تكن حركته عالمية فهذا الأحتمال غير صحيح ،فإن الأخبار صرحت بكونه قائم آل محمد وانه المهدي ، وفي بعضها وجود الصلاة والسلام عليه ،وهو مما لا ينطبق إلا على المهدي الموعود الأطروحة الثالثة : وهي المطابقة مع ظاهر الأخبار وسياقها العام ...وهو أن نفهم الأسلوب الإعجازي للنداء بالحق ، باسم القائم واسم أبيه ، ويكون ذلك من المنبهات للإستعداد النفسي للظهور ، كما قلنا . وهو في عين الوقت يضفي اهمية عظمى مسبقة على يوم الظهور ،ويعين اسم القائد العظيم فيه .ويكفي أن يقال بعد الظهور ، الذي يبدو أنه سوف لن يتأخر كثيراً بعد النداء : أن هذا القائد العظيم هو الذي هتف الهاتف باسمه وحدثت المعجزة الضخمة آمرة بإطاعته والتسليم بأمره ، وسوف يكون لذلك أعظم الأثر في نصره وانتشار دعوته .وقد عرفنا أن يوم الظهور هو نتيجة جهود الأنبياء والأوصياء والصالحين والشهداء ،وهو الغرض الأسمى من خلق البشرية ، فلا عجب أن يمهد الله تعالى بمثل هذه المعجزات . وهو ما دلت عليه الأخبار المتوترة عليه ، كما عرفنا ، وهو غير مناف مع قانون المعجزات ، لوقوعه في طريق الهداية ، إذاً فلا بد من التسليم به والإعتراف بوقوعه . ويكون هذا الصوت في شهر رمضان في ليلة ثلاث وعشرين ، التي هي – الأرجح – ليلة القدر ، وهي افضل ليالي السنة .ويكون التوجه الدني في ذلك الحين لدى المسلمين وتقبل المفاهيم الدينية والأمور الروحية قد بلغ ذروته . فإنه يزداد في مناسبات العبادة وخاصة في شهر رمضان ، بالأخص في ليلة القدر . وسيكون رد الفعل بالأهتمام والفزع لهذا النداء ، ناشئاً من عوامل ثلاثة مقترنة . صفحة (134) العامل الأول : ارتفاع الصوت وانتشاره بحيث يسمع الآفاق كلها . العامل الثاني : جانبه الإعجازي ، الذي لا يكاد يمكن تفسيره مادياً. العامل الثالث : مضمونه ، من حيث كونه مشيراً إلى القائد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً . واود أن الاحظ على النداء بعض الملاحظات . الملاحظة الأولى : هناك فهم تقليدي للنداء ، بأنه يقع في لحظة الظهور إعلاناً عنه وإيذاناً بوقوعه ، وهذا ما لم نجد من الروايات شيئاً دالاً عليه .ومن هنا لا يمكن الإلتزام بصحته . ولكن لا يمكن مع ذلك . رفع اليد عن فكرة الإيذان والإعلان عن الظهور إلا أن هذا كما يمكن أن يحصل عند إيجاد النداء مع الظهور ، كذلك يمكن أن يحصل مع إيجاد النداء قبله بقليل .ويبدو كأن الظهور قائم على أساس النداء ومنطلق منه . وإن كان الأمر – في الواقع – بالعكس . ولا يبعد القول بإمكان البرهنة على تقديم النداء قبل الظهور، بفترة زمنية . وذلك، أن النداء إذا حصل مع الظهور ، كان المتعين عالمياً انطباقه على المهدي (ع) الذي لا زال في أول ظهوره غير راسخ الملك والقوة، ومن هنا ينفتح إحتمال توجه الأسلحة العالمية ضده .وهو خلاف بعض الضمانات التي سنذكرها لإنتصاره . بخلاف ما لو حصل النداء قبله ، فإن حركة المهدي (ع) في اول عهدها سوف لن تكون ضرورية الإنطباق على ذلك النداء ، عالمياً .وسوف لن يلتفت إلى ذلك إلا المؤمنين به والمنطقة التي تعاصر حركته الأولى. وهذا هو الأنسب مع بعض الضمانات التي سنذكرها . وحيث أن النداء باسم المهدي (ع) مع ظهوره مخلاً بانتصاره ، إذاً فيتعين عدم حصوله ساعتئذ ، وحيث ثبت وجود النداء إجمالاً ،إذاً فهو يحصل قبل الظهور ، بزمن قليل لايضر مع وجود فكرة الإعلام والتنبيه . الملاحظة الثانية : إن حصول النداء قبل الظهور ، معناه حصوله في عصر الغيبة طبقاً للمفهوم الإمامي عن المهدي . صفحة (135) وهذا النداء عندئذ ، لا ينافي الغيبة الحاصلة في الفترة المتخللة بين النداء والظهور. لأن المعنى الأساسي للغيبة كما عرفناه في التاريخ السابق(1) ، هو الجهل المطلق بحقيقة شخص المهدي (ع) ، فبالرغم من أن الناس يرون الإمام ويعاشرونه . إلا أنهم يعرفونه باسم آخر غير صفته الواقعية ،وما الواضح أن هذا المعنى لا يتغير بوجود النداء ما لم يطبقه المهدي نفسه على نفسه عند ظهوره . وكذلك الحال مع ألأطروحة الأخرى التي رفضناها هناك ، وسميناها بـ (أطروحة خفاء الشخص) حتى مع وجود النداء ولا يرتفع إلا مع الظهور . الملاحظة الثالثة : كم هي الفترة المتخللة بين النداء والظهور؟ دلت الروايات السابقة على وقوع النداء في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان(2) .ولعله هو الشهر الذي قع فيه الكسوف و الخسوف على غير المألوف ، أو رمضان آخر قريب منه نسبياً . والملاحظ أن هذا التوقيت في روايات النداء مستفيض صالح للإثبات التاريخي ، إلا أن هذا التوقيت لم يبلغ إلى هذه الدرجة من الكثرة في روايات الخسوف والكسوف . وسوف يأتي أن الروايات تدل على حصول الظهور في مساء اليوم العاشر من محرم الحرام ... فإذا استطعنا أن نبرهن – كما سبق – على قصر المدة بين النداء والظهور ، تعين القول : أن المحرم الذي يتم فيه الظهور هو المحرم الذي يأتي بعد ذلك الرمضان الذي يوجد فيه النداء ، ويفصل بينها - في كل عام - ثلاثة من الأشهر القمرية .فتكون المدة المتخللة ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً وإن كان شهر رمضان تاماً . وستكون هذه المدة المتخللة كافية لتنيبه المؤمنين ، واجتماعهم لإستقبال إمامهم وقائدهم عند ظهوره، كما سيأتي . فهذه الملاحظات ، عن النداء بالحق ،هو الصالح للإثبات كما عرفنا .وأما النداء بالباطل فهو غير صالح للإثبات كما عرفنا ، وأما النداء بالباطل فهو غيرصالح للإثبات ، فلا يهم التعرض إلى تفاصيله . الجهة الرابعة : المطر. أخرج الطبرسي في أعلام الورى(3) عن عبد الكريم الخثعمي عن أبي عبد الله الصادق (ع) ، في حديث عن القائم يقول فيه : وإذا آن قيامه ، مطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير مثله ... الحديث .ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص34 وما بعدها . (2) المصدر ص31ومابعدها . (3) ص432. صفحة (136) وذكر المفيد في الإرشاد (1): قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع) ، وحوادث تكون أمام قيامه ، وآيات ودلالات ثم أنه (عليه الرحمة) ذكر العديد منها إلى أن قال : ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتحيي بها الأرض بعد موتها وتعرف بركاتها . وأخرج الشيخ في (الغيبة)(2) بإسناده عن سعيد بن جبير قال : السنة التي يقوم فيها المهدي تمطر أربعاً وعشرين مطراً يرى أثرها و بركاتها . ولا تخفى الحكمة من هذا المطر ، وهو الإستعداد للظهور ، بإنعاش الأرض إنعاشاً كافياً لتوفير الزراعة ، ذلك التوفير العظيم الذي سنسمع عنه فيما يلي من الفصول : وهذا التقديم خير من نزول المطر بعد الظهور بغزارة ، بحيث قد يعيق عن جملة من الأعمال التي يريد القائد المهدي (ع) انجازها .ففي تقدمة على الظهور جني لفوائد المطر مع تفادي مضاعفاته . ونزول المطر ليس إعجازياً ، بطبيعة الحال ، إلا أن توقيته وكميته ، يبدو من سياق الروايات أنها بقصد إعجازي خاص من قبل البارىء الحكيم ، توصلاً للنتائج المطلوبة من ورائها . غير أن عدة نقاط ضعف تبرز في هذا الصدد . النقطة الأولى : ضعف الروايات من حيث السند . فإن روايتي الطبرسي والمفيد مرسلتان ، ورواية الشيخ منقولة عن سعيد بن جبير لا عن أحد الأئمة المعصومين ، فلا تكون صالحة للإثبات التاريخي . النقطة الثانية : قلة عدد الروايات الدالة على ذلك . فإن منهجنا في هذا الكتاب وإن كان قائماً على أساس قبول الخبر الواحد ، غير أننا أشرنا إلى لزوم تطبيق (التشدد السندي) في روايات المعجزات. وهذه منها بلحاظ ما قلناه نت التوقيت الاعجازي. فلا تكون هذه الرويات كافةي للأثبات حتى ولو لم تكن مرسلة. _________ (1) انظر ص337. (2) انظر ص269. صفحة (137) النقطة الثالثة: ان هذه الرويات لا تدل على امطار ضخمة جداً ، فان أربعاً وعشرين مطرة موزعة على شهر أو شهرين مما يحدث في البلاد المتوسطة المطر فضلاً عن الغزيرة الباردة. ومعه لا يمكن أن يكون هذا المطر علامة على الظهور، لأن فكرة العلامة منطلقة من الإخبار عن شيء مهم وملفت للنظر في التأريخ. وليس هذا المطر كذلك. النقطة الرابعة: ان هذه الروايات لا تدل على مكان حدوث هذه الأمطار. فقد تكون بلاداً باردة ممطرة وقد تكون بلاداً جافة ... كل ما يمكن قوله : ان المطر سوف يحدث في بلاد الشرق الأوسط الاسلامية. الإ أن هذه البلاد نفسها تحتوي على كلا القسمين من المناخ. فهناك الباردة الممطرة كأيران ولبنان. وهناك الجافة الممحلة كالحجاز ونجد على العموم. نعم ، يمكن أن يقال كـ(أطروحة)من أجل اكتساب هذا المطر الاهمية ومن ثم تصدق عليه فكرة العلامية: ان مكان هذ المطر يمكن أن يكون على شكلبن: الشكل الأول: انه ينزل في الاماكن المقدسة : مكة والمدينة المشرفتين وهي من البلاد الجافة الممحلة. فيكون وجود هذه الكمية من المطر فيه مهماً جداً. الشكل الثاني: ان ينزل في كل منطقة الشرق الاوسط جميعاً. وبشكل مشترك ... بالعدد والزمان المحددين السابقين. فيكتسب أهمية كبيرة أيضاً. غير أن هذين الشكلين إنما يكتسبان الأهمية، لو تم إثباتهما التأريخي، وقد عرفنا في النقطتين الأوليتين عدم صلاحية الروايات للأثبات التأريخي. وإذا لم يثبت ذلك، كان العديد مما ذكر في المصادر من الحوادث والعلامات القريبة، للظهور، غير قابل للأثبات التأريخي أيضاً، لأنه ليس أحسن حالاً في النقل من هذه الحادثة على أي حال.ومن ثم يكون الأحجى أن نعرض عنها،وندع العلم بها الى أهله. فهذا هو الكلام عن العلامات (الطبيعية) أعني الكونية الخارجة عن المجتمع البشري. وعرفنا أن أهمها وأوضحها أثنان فقط هما النداء باسم القائم واسم أبيه، ويليه الكسوف الخسوف. وليس هناك ما يمكن اثباته من الحوادث والعلامات ( الطبيعية) غير ذلك، إذا مشينا على منهجنا في التمحيص التأريخي. صفحة (138) الفصل الثاني الظواهر الإجتماعية أعني الظواهر التي تنطلق من المجتمع وتصرفات الناس وهي عدة علامات ، نذكر كلاً منها بعنوان الدجال وقد سبق أن عرضناه مفصلاً في التاريخ السابق ،وقدمنا هناك الفهم المتكامل عنه ، والمناسب مع كل ما ورد وثبت عنه من الخصائص والصفات . وإنما كررنا العنوان في التاريخ ، باعتبار ما دلت عليه بعض الأخبار ، مما سيأتي من قرب ظهور الدجال إلى ظهور المهدي (ع) ، فيكون من العلامات القريبة للظهور ، التي نحن بصددها .وهذا ممكن الصدق على كلا الفهمين اللذين قدمناهما للدجال في التاريخ السابق . وسوف لن نكرر ما ذكرناه هناك ، بطبيعة الحال ،وإنما المهم هنا أن نسير خطوات أخرى إلى الأمام في فهم الدجال ، ونؤكد على مدى علاقة الدجال بالمهدي والمسيح (ع) ، وإيراد ما ورد في ذلك من الأخبار ونحوها من الخصائص التي لم نتوفر على عرضها في التاريخ السابق . الناحية الأولى : موقف الدجال من الأمة الإسلامية ، ومدى تأثيره فيها ، ذلك التأثير الذي نستطيع أن نفهم استمراره إلى حين الظهور . ويواجهنا بهذا الصدد عدد من الاخبار ، نذكر ما أورده الشيخان من العامة وبعض الإمامية . صفحة (139) أخرج مسلم(1) بسنده عن حذيفة ، قال : قال رسول الله (ص ) لأنا أعلم بما مع الدجال منه . معه نهران يجريان وأحدهما : رأي العين ماء أبيض ، والآخر رأ ي العين نار تأجج . فأما أدركن أحد، فليأت النهر الذي يراه ناراً ، وليغمض ، ثم ليطأطىء رأسه فيشرب منه ، فإنه ماء بارد .وإن الدجال ممسوح العين ، عليها ظفرة غليظة ومكتوب . بين عينيه :كافر . يقرأه كاتب وغير كاتب . وفي حديث آخر أخرجه(2) أيضاً عن النواس بن سمعان ، قال : ذكر رسول الله الدجال ، إلى أن قال : إنه خارج خلة بين الشام والعراق .فعاث يميناً وعاث شمالاً ، يا عبد الله فانبثوا . إلى أن قال : فيدعوهم فيؤمنون ويستجيبون له ، فيأمر السماء فتمطر ، والأرض فتنبت . فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر . ثم يأتي القوم فيردون عليه قوله . فينصرف عنهم . فيصبحون ممحلين ، ليس بأيديهم شيء من اموالهم ....الخ . وأخرج البخاري (3)عن أنس بن مالك ، قال : قال النبي (ص ): يجيء الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة ، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل كافر ومنافق . وأخرج الصدوق * بإسناده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يتحدث عن الدجال ويقول عنه : ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين ... يقول : إليّ أوليائي . أنا الذي خلق فسوى وقدر فهدى أنا ربكم الأعلى ،وكذب عدو الله ، إنه أعور يطعم الطعام ويمشي في الأسواق .وإن ربكم ليس بأعور ولايطعم ولا يمشي في الأسواق ،ولا يزول تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . ـــــــــــــــــ (1) انظر صحيح مسلم ج8 ص195 ونحوه في البخاري ج9 ص75 . (2) صحيح مسلم نفس الجزء والصفحة . (3) انظر الصحيح ج9 ص71 (4) أنظر كمال الدين المخطوط. صفحة (140) ألا وإن أكثر أتباعه يومئذ اولاد الزنا ، وأهل الطيالسة الخضر ... الخ الحديث ، وغير ذلك من الأخبار . قد أعطينا في التاريخ السابق أطروحتان لفهم الدجال "إحداهما : تقليدية تقول أن الدجال شخص معين طويل العمر ، سيظهر في آخر الزمان من أجل ضلال الناس وفتنتهم عن دينهم .ويدل عليه قليل من الأخبار(1) . والأحرى : إن الدجال عبارة عن مستوى حضاري أيدولوجي معين معاد للإسلام والإخلاص الإيماني ككل .وقد سبق هناك أن ناقشنا الأطروحة الأولى ورفضناها بالبرهان ، ولا بد من طرح ما دل عليها من الأخبار ، ودعمنا الأطروحة الثانية وهي ، التي ستكون منطلق كلامنا الآن . ونحن نعلم ، فيما يخص الحضارة المادية المعاصرة ، كيف استطاعت غزو المجتمع المسلم فكرياً وعسكرياً ونادت بأعلى صوتها فأسمعت ما بين الخافقين ، عن طريق وسائل الإعلام الحديثة . فجمعت إليها أولياءها، وهم كل من يؤمن بعظمتها وصدقها وأغراه العيش بين أكنافها . ونرى كيف أنها أمدت هؤلاء بالخير الوفير والقوة والسيطرة (فتروح سارحتهم) أي أغنامهم ، وهو كناية أو رمز عن كل مصدر للمال والقوة (أطول ما كانت ذراً وأسبغه وامده خواصر) يكنى بذلك عما ينال المنحرفون من خير الحضارة المادية وما تستطيع هذه الحضارة أن تضمنه لهم من مستقبل عريض . على حين نرى الخاصة المخلصين ، الذين شجبوا هذه الحضارة ،وأنكروا عليها ماديتها ولا أخلاقيتها وظلمها، يعيشون في الضيق والضرر ( يصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ) كما يقو الخبر . (يجيء الدجال ) ممثل هذه الحضارة (حتى ينزل في ناحية المدينة) أي مدينة ، ليس له فيها إلا مركز واحد غير ملفت للنظر ، قد يكون هو سفارة وقد يكون مركز تبشير وقد يكون مدرسة أو مستشفى .ولكن بمضي الأيام والليالي (ترجف المدينة ثلاث رجفات ) خلالها ،وهو كناية أو رمز عن المصاعب والمحن التي تمر بها المجتمعات ، وهي محن التمحيص دائماً ( فيخرج إليه كل كافر ومنافق) فاشل في التمحيص . ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص578 وما بعدها وص617. صفحة (141) وقد ذكرنا في التاريخ السابق(1) معنى ادعاء الدجال للربوبية، وإن له نهران .. .طبقاً لهذه الأطروحة ...فلا نعيد. (أكثر اتباعه أهل الطيالسة الخضر) وهم – حسب ما يبدو – أهل الأموال والسمعة والسيطرة الإجتماعية في المجتمع المسلم المنحرف .و(أولاد الزنا) يمكن أن يراد بذلك أحد معنيين : المعنى الأول : أؤلئك الذين انقطعوا عن آبائهم عقائدياً ومفاهيمياً ...واصبحوا أولاداً للناس الآخرين الذين آمنوا بربوبيتهم وولايتهم ومبادئهم . المعنى الثاني : إن الإيمان بالإتجاه المادي الحديث ، ينتج إنكار عقد الزواج وتكوين الأسرة بدونه ، كما عليه عدد من الناس في البلاد إلاسلامية الآن ، فينتجون ذرية تكون لقمة سائغة في شدق السبع المادي الهائل . وليس هذا موقف الحضارة المادية المعاصرة فقط، بل موقف كل حضارة مادية على مدى التاريخ ،وخاصة فيما إذا استمرت في المستقبل عدداً مهماً من ألأجيال .ومفهوم (الدجال) شامل لمجموع الحضارة المادية على مدى التاريخ ، لا خصوص حضارتنا المعاصرة المحترمة !!! ... وإذا كان للدجال أن يعاصر ظهور المهدي ونزول المسيح ، أو أن يوجد قبل ذلك بقليل، ليكون من علاماته القريبة ...فمعنى ذلك استمرار الحضارة المادية إلى ذلك الزمان ، مهما كان بعيداً ، لكي يستمر التمحيص ويتعمق بالتدريح ، حتى ينتج نتيجته المطلوبة المنتظرة . والدجال يقتله المسيح والمهدي (ع) ، كما سنسمع ، لأن نظامهما تماماً سيقضي على الحضارة المادية وما ملأت به الأرض من الظلم والجور والإنحراف ، ويتبدل إلى القسط والعدل والإنصاف والرفاه . الناحية الثانية : علاقة الدجال بالمسيح (ع) عند نزوله. أخرج مسلم(2) من حديث عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله (ص) الدجال إلى أن يقول : فبينما هو كذلك ، إذ بعث الله المسيح ابن مريم ، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهر ودتين ،واضعاً كفيه على أجنحة ملكين .فيطلبه حتى يدركه بباب لد ، فيقتله .ثم ياتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ... الحديث. ـــــــــــــــــ (1) انظر ص642 و ص745. (2) صحيح مسلم ص197- 198 ج8. صفحة (142) وفي حديث آخر لمسلم(1) قال : قال رسول الله (ص) : يخرج الدجال في امتي فيمكث أربعين ... فيبعث الله عيسى بن مريم ، كأنه عروة بن مسعود ، فيطلبه فيهلكه ، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ... الحديث . وهناك في المصادر العامة الأخرى أخبار بهذا لمضمون، ولكننا نقتصرعلى ما أخرجه مسلم . والمصادر العامة اقتصرت على ذكر العلاقة بين الدجال ،بأي معنى فهمناه ، وبين المسيح (ع) على حادثة قتله .كما اقتصرت في قاتل الدجال على المسيح (ع) ولم تتعرض للمهدي (ع) على ما سنسمع ذلك ونناقشه . وسنتعرض إلى حادثة نزول المسيح في القسم الثاني من هذا التاريخ ، وسنوافق عليها إجمالاً . فإذا تم ذلك ، وهو لايتم إلا بعد طغيان الدجال واستفحال أمره ،بأي معنى فهمناه كان من أهم الأعمال الي يستهدفها هو القضاء على الدجال والإجهاز على نظامه ومفاهيمه . ومنطق الأشياء أن يسبق مقتل الدجال حرب سجال بينه وبين المسيح ، يكتب فيها النصر للمسيح فيقتله .وأما فوزه عن طريق المعجزة ،كما يظهر من البرزنجي في (الإشاعة )(2) ، فهو مخالف لما قلناه من أن اسلوب الدعوة الإلهية غير قائم على المعجزات ، مالم ينحصر بها الأمر . وإلا كان نبي الإسلام (ص) في نصره على قريش أولى بالمعجزات. ولاستطاع السيطرة على كل العالم بين عشية وضحاها. ومن هنا لا نقول بوجود المعجزات في طريق نصر المهدي (ع) إلا بمقدار الضرورة التي لا بديل عنها . ـــــــــــــــــ (1) صحيح مسلم ج8 ص201. (2) انظر ص135. صفحة (143) وقد سمعنا في هذه الأخبار عدة خصائص من حيث أن قتل الدجال سيكون في دمشق، وهو أمر يصعب إثباته تاريخياً ،ولكنه لو تم فهو يدل على أن هذه البلدة ستصبح مسرحاً مهماً ومركزاً رئيسياً للدجال ،لا يكون لقتل الدجال هناك أكثر من هذا المعنى .أعني تحويل دمشق من الإنحراف إلى الإيمان . وهذا مما يفسر لنا ما سيأتي من وجود عدد من المخلصين الممحصين الراسخين في الإيمان في دمشق، على ما دلت عليه الأخبار، وسيأتي في محله من هذا الكتاب . فإن انحراف المجتمع كلما تزايد والظلم كلما تضاعف، أوجب ذلك عمق التمحيص ودقته ، الأمر الذي يوجب زيادة عدد المؤمنين وزيادة إخلاص الموجود منهم ...حتى وصفوا في هذه الأخبار بالأولياء والأبدال . وهؤلاء وأمثالهم هم الذين إليهم عيسى بن مريم ( فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة) ، كما سمعنا في الحديث . غير أن ظاهر الحديث أنه يأتي إليهم بعد أن يتم قتل الدجال على يديه ، لا أنه يرتكز عليهم في قتاله .والصحيح أن الحديث دال على أنه (ع) يأتي إليهم ويبشرهم بالجنة بعد قتل الدجال ،ولكنه لا يدل على عدم مشاركة هؤلاء في قتله أو قتاله .بل لعل الدرجات التي استحقوها في الجنة ناشئة إلى حد كبير من هذه الأعمال الكبرى. الناحية الثالثة : في علاقة الدجال بالمهدي (ع) . وهذا ما وجدناه في المصادر الخاصة ، دون العامة . أخرج الشيخ الصدوق(1) بإسناده عن النزال بن سبرة قال خطبنا علي بن أبي طالب (ع) ، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على محمد وآله .ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني ثلاثاً .فقام إليه صعصعة بن صوحان . فقال: يا أمير المؤمنين متى يخرج الدجال ؟ فقال له : اقعد فقد سمع الله كلامك وعلم ماأردت ..إلى أن يقول بعد حديث طويل : يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق ، لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من (2) يصلي عيسى بن مريم خلفه .... الحديث . ـــــــــــــــــ (1)انظر كمال الدين (المخطوط) باب الحديث الدجال وما يتصل به من أمر القائم صلوات الله وسلامه عليه . (2) في المخطوط: على من يد من .... وهو تحريف . صفحة (144) أقول : والذي يصلي عيسى بن مريم خلفه هو المهدي (ع) كما وردت بذلك الآثار المستفيضة .ومنها ما في الصحيحين(1) : كيف بكم إذا نزل عيسى بن مريم فيكم وإمامكم منكم . وأخرج الصدوق(2) أيضاً بإسناده عن المفضل بن عمر ، قال: قال الصادق جعفر بن محمد (ع) : إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام .في أرواحنا .فقيل له : يا بن رسول الله ، ومن الأربعة عشر ؟ فقال : محمد وعلي وفاطمة و الحسن والحسين ، والأئمة من ولد الحسين ، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبة فيقتل الدجال(3) ويطهر الأرض من كل جور وظلم . وفي منتخب الأثر(4) في حديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) يقول فيه : ومنا رسول الله ووصيه وسيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة ، وسبطا هذه الأمة ، والمهدي الذي يقتل الدجال . ومن الغريب ان الصحاح تذكر أحاديث في علاقة الدجال بالمسيح ،وأحاديث في علاقة المسيح بالمهدي(ع) ، ولا تورد أي خبر في علاقة المهدي بالدجال، مع أنه تفهم من تينك العلاقتين معاصرته له .ومن المعلوم كون المهدي (ع) هو رائد الحق في العالم فكيف لا يكون له اليد الطولى في قتله و قتاله . لو نظرنا من زاوية أخرى ، رأينا أن تأخر نزول المسيح (ع) عن ظهور المهدي (ع) بفترة من الزمن ، على ما سنسمعه عن المصادر العامة ، ينتج لنا :أن السبب الرئيسي الوحيد في زوال الدجال هو عمل القائد المهدي (ع) ضده وتخطيطه للقضاء عليه .ومن المقطوع بزيفه وبطلانه باليقين أن يظهر الإمام المهدي (ع) فلا يحارب الدجال – بأي معنى فهمناه - ، ويرجىء قتاله إلى حين نزول المسيح من السماء ، فإن ذلك خالف تكليفه الإسلامي ووظيفته الإلهية في قمع الكفر والإنحراف ونشر الهداية في العالم . ـــــــــــــــــ (1) انظر صحيح البخاري ج4ص205 ، وصحيح مسلم ج1 ص94 (2) انظر إكمال الدين المخطوط . (3) كذا نقله في منتخب الأثر (ص480) و لكنه في المخطوط : الرجال بالراء . (4) انظر ص172 وما بعدها . صفحة (145) كما أن المقطوع ببطلانه :أن يفترض أن المهدي (ع) يحارب الدجال فيندحر أمامه ، وينتصر الدجال ويحاصر المهدي (ع) ورجاله ، كما يظهر من البرزنجي في الإشاعة(1) وكيف يمكن أن يتحقق ذلك ، وقد ثبت بضرورة الدين وتواتر الاخبار وعن طريق البرهان على التخطيط العام الذي عرفناه ، كون الإمام المهدي (ع) منصوراً مؤيداً حتى يفتح العالم بأجمعه ، ويجمع البشرعلى الحق والعدل . إذاً ، فاليد الطولى في الإجهاز على الدجال ونظامه ، للمهدي (ع) نفسه .نعم ، يمكن أن نفترض مشاركة المسيح (ع) من قتل الدجال ضمن إحدى اطروحتين : الأطروحة الأولى : إن المسيح (ع) يقتل الدجال بالمباشرة ، والمهدي (ع) يقتل الدجال بالتسبب أعني بصفته قائداً أعلى لا تصدر التعليمات الأساسية إلا منه .فيكون إسناد القتل إلى المهدي (ع) من قبيل قولنا : فتح الأمير المدينة ، يعني بأمر منه ، والفاتح المباشر هو الجيش بطبيعة الحال . وهذه الأطروحة ، كما تناسب الفهم الكلاسيكي للدجال ،وهو كونه شخصاً يعينه كذلك تناسب مع الفهم الرمزي الذي دعمناه . ويكون الإجهاز على الدجال من قبل المسيح (ع) بصفته أحد القادة الرئيسين في دولة المهدي العالمية . الأطروحة الثانية :إن المسيح (ع) إذا كان يتأخر نزوله عن ظهور المهدي (ع) ، فقد نتصور أن المهدي (ع) عند ظهوره يقاتل الدجال ، بأي فهم فهمناه وبعد نزول المسيح يوكل هذه المهمة إلى المسيح (ع) . ولا تنافي بين هاتين الأطروحتين ،كما هو واضح لمن يفكر .وبها نجمع بين الأخبار الدالة على أن المسيح قتل الدجال والأخبار الدالة على أن المهدي يقتله فإن كلا هذين القسمين من الأخبار صادقاً ، ولا تنافي بينهما. يأجوج وماجوج وهذا ما ورد عنه في القرآن الكريم ، في أكثر من موضع ... وتطاحنت التفاسير فيه ، حتى لم تكد ترسو على أمر مشترك .وذكر لهم بعضها صفات غريبة .وليس المهم الآن الدخول في تفاصيل ذلك ،وإنما المقصود ، هو معرفة مدى ارتباطه بالظهور ومدى ما يمكن أن يكون مدى تأثيره لو كان ارتباطاً . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص135. صفحة (146) وقد ذكر في التاريخ السابق(1) شيئاً من الأخبار عن يأجوج ومأجوج ، وتكلمنا عما إذا كان القرآن بضمه إلى الإخبار دالاً على تقدم خروج يأجوج ومأجوج على الظهور ،ولم نستطع أن نتميز ظهور القرآن في ذلك ، بل بات الأمر محتملاً غير قابل للإثبات التاريخي ، وإن كان محتملاً جداً. وقد روينا هناك(2) ما أخرجه مسلم عن هؤلاء ، نكرر منه هذه الفقرة : " ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر ،وهو جبل بيت المقدس . فيقولون: لقد قتلنا أهل الأرض ، هلم فلنقتل من في السماء .فيرمون بنشابهم إلى السناء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة بالدم" . وأخرج ابن ماجة (3) عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله (ص) ، قال : "تفتح يأجوج ومأجوج ، فيخرجون . كما قال الله تعالى ، وهم من كل حدب ينسلون . فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون ، حتى تصير بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم .ويضمون إليهم مواشيهم ، حتى إنهم ليمرون بالنهر فيشربونه ، حتى ما يذرون فيه شيئاً ، فيمر آخرهم على أثرهم ، فيقول قائلهم : لقد كان بهذا المكان مرة ماء." فبينما هم كذلك إذ بعث الله دواب كنعف الجراد ، فتأخذ بأعناقهم ، فيموتون موت الجراد ، يركب بعضهم بعضا. فيصبح المسلمون لا يسمع لهم حساً .فيقولون :من رجل يشري نفسه ، وينظر ما فعلوا ؟فينزل منهم رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه . فيجدهم موتى .فيناديهم :ألا أبشروا . فقد هلك عدوكم .فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم .فما يكون لهم رعي إلا لحومهم ، فتشكر عليها ، كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص633 وما بعدها . (2) المصدر والصفحة . (3) انظر السنن ج2 ص1363 صفحة (147) واخرج الصحيحان (1) وغيرهما بالإسناد عن زينب بنت جحش قالت : أن النبي (ص) استيقظ من نومه وهو يقول :لاإله إلا ألله ، ويل للعرب من شر قد اقترب .فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه . وعقد سفيان بيده عشرة .قلت : يا رسول الله ، أفنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم . إ ذا كثر الخبث. وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، جودّ سفيان هذا الحديث . واخرج أبو داوود(2) بإسناده عن حذيفة الغفاري في حديث قال فيه : فقال رسول الله (ص) : لن تكون أو لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات : ... وعد منها : خروج ياجوج ومأجوج . وينبغي أن نتكلم حول هذه الأخبار في عدة نواحي : الناحية الأولى : أنه لا يمكن الأخذ بالدلالة (الصريحة) لهذه الأخبار الأمر الذي يعين علينا الإلتزام بالفهم (الرمزي) لها ، وذلك لوجود عدة موانع عن الأخذ بصراحتها ، نذكر منها ما يلي : المانع الأول : وجود التهافت بين بعض مدلولاتها ، الأمر الذي يسقطها عن قابلية الإثبات التاريخي . فإن الخبر الذي اخرجه مسلم ورويناه في التاريخ السابق ، يدل على وجود نبي الله عيسى بن مريم (ع) بين المسلمين عند انتشار يأجوج ومأجوج .وقد أعرضت عنه سائر الأخبار الأخرى ،فتكون دالة على عدم وجوده، لأن وجوده ليس بالواقعة البسيطة التي يمكن إهمالها . كما أن ذاك الخبر دال على لأن زوال يأجوج ومأجوج كان بدعاء المسيح وأصحابه ، وإن إزالة جثثهم كان بدعائه أيضاً .والأخبار الأخرى خالية عن ذلك .ويدل خبر ابن ماجة على أنهم يهلكون بإرادة مباشرة من الله عز وجل . كما أن خبر مسلم يتضمن لوجود المطر الذي يغسل الأرض من نتنهم بعد زوال جثثهم ….وهذا ما سكتت عنه الأخبارالأخرى ، واعتبرته كأنه لا حاجة إليه . ـــــــــــــــــ (1) انظر صحيح البخاري ج8ص 76 (2) وصحيح مسلم ج8 ص 265 واللفظ لمسلم . (3) انظر السنن ج2ص429 . صفحة (148) كما أن خبر مسلم دال على أن الطير تنقل الجثث إلى حيث يشاء الله ،ولكن خبر ابن ماجة دال على أن الأغنام تأكل لحومها فنشكر عليها أي تسمن أحسن من أكلها للنبات . المانع الثاني: قيام عدد من الحوادث في نقل هذه الأخبار على المعجزات ، بشكل يتنافى مع (قانون المعجزات) الذي تم البرهان عليه في محله . منها : موت ياجوج ومأجوج . فجأة بطريق إعجازي .وهذا غير ممكن في قانون المعجزات ،فإن اسلوب الدعوة الإلهية – كما قلنا – قائم على مقابلة السلاح بالسلاح ، وتحصيل النصر بالكفاح ، لا عن طريق المعجزات .وبتعبير آخر :إن كل ما يمكن حصوله بالطريق الطبيعي ، مهما يكن صعباً وبعيداً ، لا تقوم المعجزة بتحصيله ، ومن الواضح أن تربية وتأديب يأجوج ومأجوج . أو استئصالهم إذا لم يتأدبوا ، أمر ممكن بالطريق الطبيعي . ومنها : أن افتراض أكل الماشية للحم .وهو أمر غريب ولا مبرر له في قانون المعجزات ، ويزيد غرابة استفادتهم الصحية من أكل اللحم أكثر من أكل النبات . ومنها : ما ذكر من تصرفات يأجوج ومأجوج أنفسهم ، كشربهم بحيرة طبرية حتى تجف ، كما في خبر مسلم، أو شربهم النهر حتى يجف ، كما في خبر أبن ماجة ،فإن هذا مما لم يتضح فهمه ، مهما تزايد عددهم وطال بقاؤهم ، ومهما طالت اجسامهم ، كما تقول الأساطير . ومنها : إرسالهم السهام إلى السماء لأجل غزوها ... وليس في هذا غرابة إذا كانوا أغبياء إلى هذه الدرجة …وإنما الغرابة في أن تعود السهام مكسوة بالدم من أجل إيهامهم بأنهم قد قتلوا الناس الموجودين في السماء ... فإنه من الأساطير التي لا يمكن أن يكون لها أي مبرر ، فضلاً عن موافقته لقانون المعجزات . هذا ولكن أغلب هذه الأشياء ستصبح حقائق ، عند دمجها في تكوين متكامل من الفهم الرمزي ، على ما سنذكر بعد قليل ،ومعه تصبح هذه الإعتراضات ، واردة على الفهم التقليدي لمثل هذه الأخبار ، لا للمقاصد الحقيقية منها . صفحة (149) الناحية الثانية : في عرض اطروحة متكاملة لفهم يأجوج ومأجوج . منطلقة من الفهم الرمزي للأخبار. مرت البشرية ، بحسب ما هو المقدر لها في التخطيط الإلهي العام ، بشكلين منفصلين من الأيدولوجية : الشكل الأول : الإتجاه الذي ينفي ارتباط العالم بخالقه بالكلية ، ونستطيع أن نسميه بالمادية المحضة أو الإلحاد التام . الشكل الثاني :الإتجاه الذي يربط العالم بوجود لخالقه ، بشكل أو آخر . ولكل من هذين الإتجاهين فروعه وانقساماته التي تختلف باختلاف المستوى العقلي والحضاري للمجتمع البشري . ويمكن القول بأن تاريخ البشرية على طوله عاش في الأعم الأغلب الإتجاه الثاني ، بمختلف مستوياته ونتيجة لجهود الأنبياء وتربية الصالحين ،ومهما فسد المنحرفون والمصلحيون ، فإنهم لم يخرجوا عن الإعتراف الغامض بالخالق الحكيم .ويكفينا مثالاً على ذلك قوله تعالى على لسان مشركي قريش :" ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"(1) فهم بالرغم من تطرفهم بالكفر ، مؤمنون بالخالق ، ومن ثم مندرجون في الإتجاه الثاني .وعلى هذا الغرار . يقابل ذلك ، الإتجاه الأول الرافض لوجود الخالق تماماً .. والمعطي زمام قيادة الإنسان بيد نفسه ، بالرغم من قصوره وتقصيره . ولم يوجد على مر التاريخ لهذا الإتجاه وجود مهم ، فيما عدا الأفكار الشخصية المتفرقة في التاريخ…. ما عدا مرتين – فيما نعرف – : المرة الأولى : إتجاه المادية البدائية ، المتمثلة بشكل رئيسي في قبائل يأجوج ومأجوج .والمرة الثانية : إتجاه المادية الحديثة المعاصرة ، بمختلف أشكالها وألوانها . وقد كان المد المادي الأول خطراً وبالغ الضرر ، على ذوي الإتجاه الثاني عموماً ، وبخاصة تلك الشعوب الصالحة المتبعة لدعوات الأنبياء .ولعل القسط الأهم من الضرر لم يكن هو الإفساد العقيدي ، وإن كان هذا موجوداً من اؤلئك الملحدين البدائيين …. وإنما الأهم من أشكال الضرر هم الضرر الإجتماعي والإقتصادي وأشكال القتل والنهب الذي كانت توقعه القبائل البدائية الملحدة على المجتمع المؤمن . ومن هنا ، خطط الله تعالى للقضاء الحاسم على هذا المد الواسع ، بإيجاد قائد كبير ذو حركة عالمية وقدرة واسعة ، وممثل لأفضل أشكال الإتجاه المؤمن، هو الإسكندر ذو القرنين . ـــــــــــــــــ (1) الزمر : 29/3 صفحة (150) وقد شكى المجتمع المتضرر لهذا القائد من حملات اؤلئك البدائيين : " قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ، فهل نجعل لك خرجاً "(1) اي أجرة ، لكي تكفينا شرهم وتكسر سوكتهم . وقد استطاع هذا القائد الكبير أن يعلن دعوة الله في الأرض ، ويحصر نشاط ذلك المد المادي في أضيق نطاق، وأن يعيد المجتمع البشري إلى سابق عهده ، من كون الإتجاه المسيطر هو الشكل الثاني للأيدولوجية ، ويبقى الإتجاه الأول إتجاهاً شخصياً متفرقاً . وقد اتخذت تدابير ذي القرنين في هذا الصدد ، شكلين أساسين : الشكل الأول : بناء السد الموصوف في القرآن الكريم المتكون من الحديد والصفر ،وهو يحتوي على الحماية (العسكرية) من هجمات القبائل البدائية الملحدة . الشكل الثاني : بناء السد المعنوي في المجتمع المؤمن، وزرع المفاهيم وقوة الإرادة الكافية ضد الإنحراف والفساد. ولعل في الإمكان مع بعض التوسع في فهم القرآن الكريم ، أن نحمل السد الموصوف فيه على السد المعنوي الذي يفصل بين الحق والباطل .وأن الحديد والصفر عبارة عن مكوناته المفاهيمية . إلا أننا نعرض ذلك كأطروحة محتملة ، على غير اليقين … وإن كان ذلك ممكناً في لغة العرب .ولكننا سنسير بهذا الإتجاه ريثما تتم هذه الأطروحة . " قال: ما مكني فيه ربي خير" مما لديكم من المال والحطام ، بعد ان مكنه الله تعالى من الملك والهداية معاً. وكان السد الذي بناه ذو القرنين ، ضخماً ومهماً إلى حد يكفي لكبح جماح البدائيين الملحدين ورد عاديتهم ، "فما استطاعواأن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " . فإن الإتجاهات الملحدة تكون دائبة في نشرعقيدتها واختراق السد الإيماني وقهر قوة الإرادة والإخلاص عند المؤمنين وإلا أن سد ذي القرنين ، كان منيعاً لا يمكن لهذه الاتجاهات أن تؤثر فيه . ولكنه على أي حال ، لم يستطع القضاء عليه نهائياً ، بل بقي بوجوده الضعيف مؤثراً في المجتمع الإنساني بمقدار ما يستطيع "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" . ولم يكن مقدراً في التخطيط الإلهي استئصاله عن الوجود . لإمكان مشاركته في التمحيص العام الذي حملنا عنه فكرة كافية ، ولذا كان لا بد من الإقتصار على كبح جماحه وكسر شوكته فقط ، ببناء السد ضده ، على وجه الأرض أو في نفوس المؤمنين . ـــــــــــــــــ (1) الكهف : 18 / 49 صفحة (151) ومن هنا بقي هذا الإتجاه في التاريخ ، لكي يتمحض بعد حوالي ثلاثة آلاف عام من السيطرة الجديدة للمادية على البشر للمرة الثانية ، ولكنها في هذه المرة لست بدائية ، ولكنها مادية (تقدمية) ومعقدة ومفلسفة وذات شعارات براقة .وذات قوة ومنعة بحيث يصعب مجرد التفكير في منازلتها فضلا ًعن القضاء عليها .وهو معنى قوله في احد الاخبار السابقة : لا يدان لأحد في قتالهم . لقد خرقت السد القديم ، ولم يعد كافياً للسيطرة عليهم وكبح جماحهم ، إن ذلك السد كان مناسباً مع مستوى عصره العقلي والثقافي والعسكري ، ولم يعد الآن كافياً " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون " (1) أي من كل جهة ينتشرون .كذلك انتشرت المادية الحديثة . وتسيطر الحضارة المادية على خيرات البلاد الإسلامية ، في ضمن سيطرتها على العالم كله. وتستولي مصادرها الطبيعية ، فتشرب البحيرات ،والأنهار – كما أشارت الأخبار – بمعنى أنها تستغلها تماماً لصالحها ،وتمنع أهلها من الإستفادة منها . فيحصل الفقر والقحط في البلاد المحكومةا لمستعمرة " حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مئة دينار لإحدكم اليوم ". وتأتي الأجيال المتأخرة من أتباع الحضارة المادية ، فيقولون :" لقد كان بهذا المكان ماء " فإنهم عرفوا من التاريخ أن هذه المنطقة كانت تغل لأهلها وتفيدهم ،وأما الآن – بعد سيطرة الحضارة الكافرة – فقد أصبحت الغلات لها . وأصبح وجود الماء كالعدم بالنسبة إلى أهل البلاد . وأما المسلمون المخلصون ، فينحازون عنهم ويبتعدون عن ممالأتهم والسير في طريقهم ، خوفاً على إيمانهم من الإنهيار ، وعلى سلوكهم من التفسخ والإنحلال . وحين تتم للحضارة المادية الملحدة ، بسط السيطرة على الأرض ، تتجه أطماعها إلى السماء ،ومن هنا نجدهم " يقولون :هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ، ولننازلن أهل السماء " . ـــــــــــــــــ (1)الأنبياء : 21/ 96 صفحة (152) وهذا بمعناه – الرمزي – مما حدث فعلاً ،فإن الحضارات المادية بعد أن أحكمت قبضتها على الأرض ، طمعت بغزو السماء ، بدئة بالأقرب من الكواكب .ومنهنا انبثقت فكرة غزو الفضاء الخارجي والسير بين الكواكب . " فيرمون نشابهم إلى السماء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة بالدم " . وهذا – بمعناه الرمزي – مما حدث فعلاً ، متمثلاً بإطلاق الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية والصواريخ الكونية .فأعجب لمثل هذه التنبؤ الصادق الذي لم يكن للنبي (ص) أن يصرح به في عصره إلا بمثل هذا الرمز ، طبقاً لقانون " كلم الناس على قدر عقولهم ". ومعنى كونها تعود مخضبة بالدم ، هو أنها محاولات ناجحة ، تنتج الأثر المطلوب المتوقع ... فكما أن المتقع من القتل بالحربة أو السهم أن تتخضب بالدم ، كذلك من المتوقع للمركبات أن تنتج الخبرات العلمية المطلوبة ،وأن تجلب التراب من القمر – مثلاً – ولعل في التعبير بان السهام " ترجع ، عليها الدم الذي اجفظ " أي فاض وغزر.... فيه إشارة واضحة على ذلك ...بعد العلم أن السهم الإعتيادي لايفيض منه الدم ، وإنما يراد بذلك التأكيد على مدى نجاح الرحلات الفضائية ،وسعة ما تنتجه من تنتائج ومن حيث العمق والإنتشار في العالم . وحين يتم لهم ذلك ، ينالهم الغرور بعلومهم ومدنيتهم " فقولون : قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ". وكل حضارة ينالها الغرور ، وتفشل في التمحيص الإلهي العام للبشرية ، لا بد أن يحكم عليها بالزوال ،ويكون غرورها نذير فنائها واندثارها ... طبقاً للقانون الذي يعرب عنه قوله تعالى :" حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنها قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً ، فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون" (1) . وكما كان للإسكندر ذي القرنين الدور الأهم في منازلة المادية الأولى ... سيكون للقائد المهدي (ع) الدور الأهم في منازلة المادية الحديثة .ولذا قورن الإمام المهدي (ع) بذي القرنين بعدد من الرزايات ، كما سنسمع بعد ذلك وسيكون للمسيح (ع) مشاركة فعالة في هذا الصدد، تحت قيادة القائد المهدي (ع) ... إلى حد يمكن أن نعبر عنه بأنه السبب المباشر لذلك ، مع شيء من التجوز والتعميم .ومن هنا تسبب موت ياجوج ومأجوج إلى عمله وجهوده ، كما سمعنا من بعض الأخبار . ـــــــــــــــــ (1) يونس 10/24 واما اسلوب موت هؤلاء ، فيمكن أن نطرح له أطروحتان : صفحة (153) الأطروحة الأولى : موتهم عن طريق تفشي الأمراض والأوبئة فيهم ...كما هو الموافق مع ظاهر الأخبار ، على المستوى (الصريح) دون الرمزي ففي خبر مسلم :فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم .وفي خبر ابن ماجة : فبينما هم كذلك ، إذ بعث الله دواب كنغف الجراد ،فتأخذ بأعناقهم فيموتون كموت الجراد ، يركب بعضهم بعضاً . والنغف دود صغار يكون في الإبل ، وكل ما هو حقيرعند العرب فهو نغفة(1)، ومن هنا يكون الأرجح كونه تعبيراً عن مكنونات الأمراض (الميكروبات) .ومن هنا يكون الخبر نبوءة عن هلاك الماديين الجدد عن طريق الأوبئة الفتاكة أو الحرب الجرثومية ونحوها . الأطروحة الثانية :أن نفهم من الموت موت الكفرة الإنحراف ، لا موت الأبدان . وهي المهمة الكبرى التي يقوم بها المهدي والمسيح(ع) في العالم .ولئن كان الكفر قاتلاً للإيمان ،وهو أشد من موت الأبدان " والفتنة أكبر من القتل "(2) .فإن الإيمان قاتل للكفر ، وهو أفضل شكلي الحياة . وهذا هو الذي يفسر لنا ما يظهر من الأخبار السابقة ، من أن موتهم جميعاً يكون سريعاً وفي زمان متقارب جداً ، فإنه طبقاً – للأطروحة الثانية – نتيجة للجهود الكبيرة المركزة في السيطرة على العالم بالعدل وتربية البشرية بإتجاه الكمال . وهو – ايضاً – دليل على النجاح الفوري لتلك الجهود في اليوم الموعود . وستكون مخلفات الحضارة المادية كبيرة جداً من الناحية الصناعية والعلمية .وسيكون لذلك الأثر الكبير في دعم الدولة العاليمة العادلة ، وترسيخ جذور التربية في المجتمع البشري ." فما يكون لهم(3) رعي إلا لحومهم ، فتشكر عليها كأحسن ما شكرت على نبات قط " ـــــــــــــــــ (1) راجع أقرب الموارد، مادة نغف . (2) البقرة : 2/217 وانظر ايضاً : 2/191 . (3) الضمير في العبارة راجع إلى المواشي ، والملحوظ أنه ضمير لمن يعقل ، ولو اراد الماشي على التعيين لقال : لها .ومن هنا يمكن أن نفهم التعميم صفحة (154) فلحومهم – طبقاً لهذه الطروحة – ومخلفاتهم (1)، ومن المعلوم أن المستوى التكتيكي الرفيع إذا اقترن بمستوى اجتماعي عادل وأنتج أضعافاً مضاعفة من النتائج ، مما إذا لم يقترن بالمستوى الإجتماعي العادل . ولم تنج البشرية ، ما بين الماديتين : البدائية والتقدمية !!!! من جذور وبذور وإرهاصات للتجدد والإشتعال، ومن هنا تأسف نبي الإسلام (ص) أسفاً شديداً ، لأنه قد " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وعقد عشراً " . من حيث أن هذا الردم الإيماني قد بدأ بالتصدع مقدمة لوجود المادية التقدمية !!!... غير أن موقف المهدي والمسيح (ع) ، سيختلف عن موقف ذي القرنين ، فلئن اكتفى ذو القرنين ببناء السد ،مع الحفاظ على وجودهم إجمالاً ، طبقاً للتخطيط العام . فإن المهدي (ع) سيتخذ موقف الإستئصال التام لكل العقائد المنحرفة والكفر والضلال ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، " فيموتون موت الجراد ، يركب بعضهم بعضاً " . الناحية الثالثة : في الفرق بين يأجوج ومأجوج ، والدجال . فإنه قد يرد إلى الذهن :أننا بعد أن فسرنا الدجال بالحضارة المادية ، كيف صح لنا أن نفسر يأجوج ومأجوج بنفس التفسير ،وهل يمكن أن نعترف أنهما تعبيران عن حقيقة واحدة ، مع العلم أن تعدد الأسماء والعناويين دليل على تعدد الحقائق . ويمكن أن يجاب ذلك بعدة أجوبة ’ يصلح كل منها تفسيراً كاملاً للموقف : الجواب الأول :إن مفهوم (الدجال) ناظرا إلى الحضارة المادية ككل ، ومستوعب لها على نحو المجموع .وأما مفهوم ( يأجوج ومأجوج) فيقسم تلك الحضارة إلى قسمين متميزين . فإنه بالرغم من أن للحضارة المادية ككل مميزاتها وخصائصها التي تفصلها عن الإتجاه الآخر بميزاته وخصائصه ،ولها فروقها عن الحضارة الإسلامية والمفاهيم الدينية الإلهية . وهذه الحضارة المادية المنظر إليها بهذا الشكل ، هي التي تمثل مفهوم الدجال . ـــــــــــــــــ (1) وأوضح في الإستفادة من المخلفات ما أخرجه ابن ماجة (ج2ص1359 ) : قال رسول الله (ص) : سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين .أقول : ذلك النشاب الذي سمعنا أنهم يرسلونها إلى السماء . صفحة (155) .... بالرغم من ذلك ، فإن للحضارة المادية انقساماتها الداخلية التي تجعلها في معرض الصراع الداخلي ، الذي يكون في الأعم الأغلب عنيفاً وعميقاً. وهذا الإنقسام هو المعبر عنه بمفهوم (يأجوج) مرة ومفهوم (مأجوج) أخرى . وهذا الإنقسام لبس حديثاً ، بل هو قديم قدم المادية نفسها .فالمادية البدائية كانت منقسمة ،وكان انقسامها مشوباً بالشعور القبلي .والمادية (التقدمية) منقسمة ، ولكن انقسامها ايدولوجي ومصلحي معاً. الجواب الثاني: إن مفهوم الدجال يمثل المادية الحديثة ... ولذا لم ينقل عنه قبل الإسلام أي وجود .وإنما بدأت إرهاصاته –حسب إفادات الأخبار التي عرفناها في التاريخ السابق (1)- أي بعد بدء الإسلام ،وكان وجوده الكامل متأخراً عنه بألف عام . وأما مفهوم (يأجوج ومأجوج) فهو يمثل الخط المادي بتاريخه الطويل .ولذا كان له وجود بدائي ووجود حديث. ولم يخل التاريخ المتوسط بينهما من التأثيرات والإرهاصات . وهذا يعني أن الوجود الحديث ليأجوج ومأجوج ، هو الدجال نفسه ، وليس شيئاً آخر . الجواب الثالث : إن مفهوم يأجوج وماجوج ، يعني الحضارتين الماديتين بوجودهما الأصيل .وأما عنوان الدجال فلا يعني ذلك بالضبط ، وإنما النظر فيه إلى نقطة تأثر المسلمين بتلك الحضارة المادية .فالدجال يعبر عن عملاء تلك الحضارة في البلاد الإسلامية ،وهم متصفون بنفس أوصافهم ومتخذون نفس منهجهم في الحياة .... وكثيراً ما مارسوا الحكم وزرعوا الشبهات ،وحاولوا فك المسلمين عن دينهم وإبعادهم عن طريق ربهم . ويؤيد ذلك اتخاذ مفهوم الدجال ، الدال على انه مسلم بالأصل ، ولكنه أصبح كافراً ومنحرفاً ، يدعو الناس إلى الكفر والإنحراف ، وقد ينطلق في إثبات أفكاره في الأذهان عن طريق الخداع والتمويه ، بإستعمال المفاهيم الإسلامية بشكل مشوه ومستغل للمنافع الشخصية والنتائج الباطلة . كما يدل عليه الحديث الذي أخرجه أبو داود (1)، قال : قال رسول الله (ص) : من سمع الدجال فلينأ عنه ، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن ، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص644 . (2) انظر السنن ج2ص431 صفحة (156) وهناك اجوبة أخرى محتملة للجواب على الأسؤال الذي ذكرناه في هذه الناحية ، لا حاجة إلى سردها . وللقارىء أن يختار أياً من هذه الوجوه الثلاثة شاء ....فإن أياً منها كاف في تصحيح تفسيرنا للدجال وليأجوج ومأجوج معاً . الناحية الرابعة : طبقاً للأطروحة التي فهمناها عن يأجوج ومأجوج . فإن انتشارهما من ردمهما سيكون قبل عصر الظهور .وسيظهر المهدي (ع) وينزل المسيح عيسى بن مريم ، وهم حلبة العالم ، فيتم القضاء عليهم تماماً .دال على تأخر انتشارهما عن عصر الظهور . منها : ما أخرجه الحاكم في المستدرك(1) في حديث يتحدث فيه عن نزول المسيح وسيطرة المسلمين وقتلهم لليهود ، ويقول : يظهر المسلمون فيكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية .فبينما هم كذلك ، أخرج الله أهل يأجوج ومأجوج .... الحديث . فإذا عرفنا أن نزول المسيح وكسر الصليب وقتل الخنزير تعبير آخر عن قيام الدولة العالمية المهدوية العادلة.... كان الحديث دالاً على خروج يأجوج ومأجوج بعد تأسيس هذه الدولة . ومنها ما أخرجه مسلم(2) ورويناه في التاريخ السابق(3) في حديث يذكر فيه حادثة نزول المسيح ثم يقول : فبينما هو كذلك ، إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم ، فحرز عبادي إلى الطور .ويبعث الله يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون ... الحديث . فإذا استطعنا أن نبرهن – كما سيأتي – على تأخر نزول المسيح (ع) عن ظهور المهدي (ع) ،وكان انتشار يأجوج ومأجوج بعد نزول المسيح – كما قال الخبر – إذاً ، فسيكون انتشارهم بعد ظهور المهدي (ع) . ـــــــــــــــــ (1) انظر المستدرك على الصحيحين ج4ص491. (2) انظر صحيح مسلم ج8 ص197وما بعدها . (3) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص633. صفحة (157) إلا أنه يمكن المناقشة في هذه الأخبار من وجهين : الوجه الأول : وجود الدلالات المعارضة في الأخبار لهذه الدلالة . وتدل على تقدم ظهور يأجوج ومأجوج على الظهور . ولعل أهم ما يدل على ذلك :ما دل من الأخبار على خوف المسلمين من فتح يأجوج ومأجوج .وهي عديدة وقد سمعنا بعضها ،وهي دالة بوضوح على تحصن المسلمين منهم وعجزهم عن قتالهم وسحبهم لمواشيهم معهم وهذا الخوف إنما يمكن تحققه قبل تأسيس الدولة العالمية ،بل قبل ظهور المهدي (ع) أساساً . إذ لا معنى للخوف بعد الظهور ، حين يكون النصر محرزاً والأمن مستتباً ...طبقاً لقوله تعالى :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ، كما استخلف الذيم من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً "(1) اذاً ، فيتعين أن يكون انتشار يأجوج ومأجوج الموجب للخوف والتحرز بين المسلمين ، سابقاً على الظهور حين لا يكون للمسلمين قوة مهيمنة عليا. وقد يخطر في الذهن : أن هذه الأخبار دلت على وجود هذا الخوف بين المسلمين بالرغم من وجود المسيح (ع) فيهم . وأنه (ع) مأمور بتحصينهم ضد اعتداءات يأجوج ومأجوج .فإذا كان نزول المسيح (ع) بعد الظهور كما أسلفنا ، إذاً فسيكون فتح يأجوج ومأجوج بعده أيضاً. والصحيح : أن هذه الرواية إنما تدل على تقدم نزول المسيح على الظهور ، وأنه ينزل في زمان اضطراب المسلمين وضعفهم ووجود الفتن فيهم .وهذا ما سوف نناقشه في القسم الثاني من هذا التاريخ ..ويكفينا الآن أن نعلم بوجود عدد من الأخبار دال على تأخر نزوله (ع) عن الظهور . ـــــــــــــــــ (1) النور : 24/ 55 صفحة (158) إذاً ، فلا بد من الإلتزام بأن انتشار يأجوج ومأجوج سابق على النزول والظهور معاً ، ونرفع اليد عن دلالة هذ االخبر بهذا المقدار .وهو المطابق مع الأطروحة التي عرفناها قبل قليل . الوجه الثاني : وجود الدلالات المعارضة من ناحية أخرى . وذلك : أننا سنسمع الروايات الواردة لسرد حوادث ما بعد الظهور ،وسنجدها جميعاً خالية من التعرض ليأجوج ومأجوج .وإنما سنجد العالم هو العالم الذي نعرفه خالياً من الغرائب التي نسبت إلى هاتين القبيلتين ، يظهر المهدي (ع) وينزل المسيح (ع) فيحكمان فيه بالعدل .ومعه تكون تلك الأخبار ككل دلالة على عدم انتشار يأجوج ومأجوج يومئذ. وحيث علمنا من القرآن المكريم والسنة الشريفة ، أنهم لا بد أن ينتشروا في يوم ما ، إذاً فهذا واقع قبل الظهور لا محالة . وهنا لا بد لنا أن نتنازل عما دلت عليه بعض الأخبار السابقة عن تأخر انتشار هاتين القبيلتين عن نزول المسيح .تماماً كما قلنا في الجواب السابق . وينبغي أن نلاحظ أيضاً ، أنه طبقاً للأطروحة التي فهمناها لا تكون هناك أية معارضة بين أخبار يأجوج ومأجوج المادية على الظهور ، تنفي عن هاتين القبيلتين كل الغرائب ،وإنما هما يمثلان العالم نفسه كما نعرفه ، فيما عرفناه من دلالة الأخبار على سيطرة المهدي (ع) على العالم كما نعرفه ، يكون منسجماً مع الأطروحة كل الإنسجام . نعم ، طبقاً للأطروحة يكون عمل المهدي (ع) مكرساً في أول ظهوره للسيطرة على يأجوج ومأجوج ، أو المادية السابقة على ظهوره .وهذا المفهوم لم يرد فيأخبار ما بعد الظهور .وهذا يعني تحول المفهوم في هذه الأخبار وترك التعرض إلى عنوان يأجوج ومأجوج ...ولا يعني وجود الأشكال في هذه الأطروحة . صفحة (159) السفياني وهو من الحركات الإجتماعية التي أكدت عليها المصادر الإمامية تأكيداً كبيراً . وأهملتها مصادر العامة إلى حد كبير، على العكس من الدجال ، كما أشرنا في التاريخ السابق .(1) وقد سبق هناك أن ذكرنا العديد من تفاصيل أوصافه وأعماله ، وأعطينا عنه فهماً خاصاً ،وهو كونه يمثل حركة الإنحراف، او حركة منحرفة واسعة النفوذ ، في داخل المجتمع المسلم . والمهم في تاريخنا هذا أن ننظر إلى أعمال السفياني ،كشيء سبق على الظهور بقليل ،بحيث يتم الظهور ، ولا يزال السفياني يعمل عمله وينشر حكمه ودعوته ، كما عليه ظاهر الأخبار . وينبغي أن نتكلم حول ذلك ضمن عدة نواحي . الناحية الأولى : في سرد الأخبار التي تفيدنا في حدود الغرض الذي أشرنا إليه ، بعد سردنا من أخبار السفياني في التاريخ السابق(2) الشيء الكثير وعرفنا أنها متواترة لا مناص من الأخذ بها إجمالاً . أخرج الصدوق(3) عن أبي منصور البجلي ، قال: سألت أباعبد الله (ع) عن اسم السفياني .فقال : وما تصنع بإسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس : دمشق وحمص وفلسطين والأردن وقنسرين ، فتوقعوا الفرج .قلت : يملك تسعة أشهر ؟ قال : لا ، ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً . وأخرج النعماني في الغيبة(4) عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل يقول فيه : لا بد لبني فلان من أن يملكوا . فإذا ملكوا ثم اختفوا تفرق ملكهم أو تشتت أمرهم ، حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني .هذا من المشرق وهذا من المغرب . يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان .هذا من هنا وهذا من هنا حتى يكون هلاك بني فلان على ايديهما ،أما أنهم لا يبقون منهم أحداً . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص621 وما بعدها . (2) انظر ص622 وما بعدها . (3) انظر إكمال الدين ( المخطوط ) . (4) ص135. صفحة (160) ثم قال : خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ، كنظام الخرز ، يتبع بعضه بعضاً . الحديث . وأخرج النعماني أيضاً (1) بسنده عن الحارث عن أمير المؤمنين (ع) في حديث يقول فيه : وإذا كان ذلك ، خرج السفياني ، فيملك قدر حمل امرأة ، تسعة أشهر ، يخرج بالشام ، فينقاد له أهل الشام إلا طوائف من المقيمين على الحق ، يعصمهم الله من الخروج معه .ويأتي المدينة بجيش جرار ، حتى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف الله به .وذلك قول الله عز وجل في كتابه : " لو ترى إذ فزعوا فلا فوت وإخذوا من مكان قريب" (2). وأخرج أيضاً (3) بسنده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) قال : السفياني أحمر أصفر أزرق ، لم يعبد الله قط ، ولم ير مكة ولا المدينة قط . يقول : يا رب ثأري و النار ، يا رب ثأري والنار . وأخرج الشيخ في الغيبة(4) عن بشر بن غالب (قال): يقبل السفياني من بلاد الروم منتصراً في عنقه صليب ، وهو صاحب القول . وأخرج أيضاً(5) عن أبي عبدالله (ع) قال : كأني بالسفياني – أو لصاحب السفياني – قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة .فنادى مناديه :من جاء برأس شيعة علي ، فله ألف درهم ، فيثب الجار على جاره ، ويقول : هذا منهم . فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم ،أما أن إماراتكم يومئذ ، لا تكون إلا لأولاد البغايا. ـــــــــــــــــ (1) ص163. (2) سبأ 34/51. (3) الغيبة ص164. (4) ص278. (5) المصدر ص273. صفحة (161) ولعل أهم الأخبار التي تحدد حركات السفياني وحروبه ، خبران : أحدهما : ما أخرجه الشيخ(1) عن عمار بن ياسر(انه قال) : أن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان ، ولها إمارات ...إلى أن قال : ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك: رجل أبقع ورجل أصهب ورجل من أهل بيت أبي سفيان ، يخرج من كلب ،ويحضر الناس بدمشق .ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني . ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد ، وتنزل الترك الحيرة . وتنزل الروم فلسطين .ويسبق عبد الله عبد الله حتى يلتقي جنودهما بقرقيسيا على النهر ويكون قتال عظيم . ويسير صاحب المغرب فيقتل الدجال ويسبي النساء . ثم يرجع في قيس حتى ينزل الجزيرة السفياني .فيسبق اليماني ، ويحوز السفياني ما جمعوا . ثم يسير إلى الكوفة فيقتل أعوان آل محمد (ص) ويقتل رجلاً من مسميهم ، ثم يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح. وإذا رأى اهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان ،فألحقوا بمكة ، فعند ذلك تقتل النفس الزكية ، وأخوه بمكة ضيعة .فينادي مناد من السماء : أيها الناس ، اميركم فلان .وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً .كما ملئت ظلماً وجوراً . ثانيهما : ما أخرجه النعماني(2) بسنده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل يقول فيه : يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات ، راية الأصهب وراية الأبقع وراية السفياني .فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون ، فيقتله السفياني ومن تبعه ، ويقتل الصهب . ثم لا يكون له همة إلا الأقبال نحو العراق .ويمر جيشه بقرقسيا ، فيقتتلون بها ، فيقتل بها من الجبارين مائة ألف . ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة ، وعدتهم سبعون ألفاً ، فيصيبون أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً . فبينما هم كذلك ، إذ اقبلت رايات من خراسان ، وتطوى المنازل طياً حثيثاً ، ومعهم نفر من أصحاب القائم . ـــــــــــــــــ (1) المصدر ص278 (2) انظر الغيبة للنعماني ص149 صفحة (162) ثم يخرج من موالي أهل الكوفة في ضعفاء ، فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة .ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة ، فينفر المهدي (ع) منها إلى مكة .فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة . فيبعث جيشاً على أثره ، فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفاً ترقب على سنة موسى بن عمران . قال : وينزل أمير جيش السفياني البيداء ، فينادي مناد من السماء : يا بيداء ابيدي القوم ، فيخسف بهم ، فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر ... الحديث . ثم يبدأ الحديث بشرح حوادث الظهور التي ستسمعها في القسم الثاني . وسنذكر الأخبار الدالة على قتال السفياني للمهدي ومقتله على يده في ناحية آتية . الناحية الثانية: في إمكان الإعتماد على هذه الأخبار في الإثبات التاريخي ، طبقاً لمنهج الذي سردنا عليه في هذا الكتاب . إن الإتجاه العام لهذه الأخبار منطبق على هذا المنهج ، لولا بعض نقاط الضعف: النقطة الأولى : أن الخبر الذي رواه الشيخ عن عمار بن ياسر، لم يرو عن أحد المعصومين (ع) ، بل عن عمار نفسه.وإن كان من المرحج أنه اتقى هذه المعلومات عنهم (ع) . إلا أن الكلام كلامه ، بدليل قوله في أول الخبر :أن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان .الدال على أن المتحدث لم يعتبر نفسه من أهل البيت ، وهذا ما لا يحدث لو كان المتحدث أحد المعصومين (ع) ومعه يسقط الخبر عن الإثبات التاريخي .وتكون صحته متوقفة على القرائن أو اشتراك نقله مع الأخبار الأخرى ، أو تحقق ما أخبر به في العالم الخارجي . وهذا هو الحال في الخبر الذي أخرجه الشيخ عن بشربن غالب ، فإن الظاهر منه أنه هو المتكلم ، فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي . النقطة الثانية : أن خبر عمار غير مرتب من حيث الزمان ، فهو يحتوي على حوادث مختلطة : متقدمة ومتأخرة ، وغير محددة على ما يبدو . فنزول الترك الحيرة ، تعبيرعن السيطرة العثمانية عل العراق .ونزول الروم فلسطين هو الغزو الصليبي. صفحة (163) Website Page 4 مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره) كتاب تاريخ ما بعد الظهور للسيد الشهيد محمد صادق الصدر (قد) وصاحب المغرب هو – على الأرجح – أبو عبد الله الشيعي الذي مهد بقتاله الواسع في شمال افريقيا لحكم المهدي الإفريقي (محمد بن عبد الله) (1) جد الفاطميين الذين حكموا بعدئذ مصر ردحاً من الزمن . وهذه الحوادث وردت في الحديث على عكس حدوثها التاريخي تماماً كما يتضح بمراجعة التاريخ الإسلامي. وإذا كانت حوادث الماضي فيه غير مرتبة فلعل حوادث المستقبل فيه كذلك . النقطة الثالثة : أن هناك تهافتاً بين بعض مضامين هذه الأخبار . فمن ذلك : مدة بقاء حكم السفياني ، فينما يصرح أحد الأخبار أنه يملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر ، نرى خبراً آخر ينفي ذلك بصراحة ، وأنه لا يملك إلا ثمانية . ومن ذلك : موعد وجود حركة السفياني ، فينما يظهر من بعض هذه الأخبار أن زوال دولة بني العباس يكون على يده ، إذا فهمنا من بني فلان وذلك كما هو الظاهر .ومعنى ذلك أن حركة السفياني قد وجدت وانتهت منذ أمد بعيد . نجد – إلى جنب ذلك – ارتباط حركة السفياني بالخسف ، وأن المهدي (ع) نفسه هو الذي يقتله .ومعنى ذلك أن حركته لم تحدث لحد الآن .وكم بين هذين الموعدين من بعد شاسع . غير اننا في التاريخ السابق(2) ناقشنا الخبر الدال على إزالته لدولة بني العباس .ومعه يكون هذا الموعد منتفياً، ويتعين الموعد الآخر . ومن ذلك : تعين دين السفياني .فبينما نسمع من احد الأخبار أنه مسيحي بشكل وآخر ( في عنقه الصليب ) نجد في خبر آخر أنه من المسلمين المهتمين باستئصال شيعة على (ع) . مع الإلتفات إلى أن المسيحي قلما يكون له اهتمام خاص بذلك . ومن ذلك : أن هناك تشويشاً وتضارباً في تسمية القادة الموجودين قبل الظهور .فإن ظاهر الأخبار تعاصر هذه الحركات تقريب، وكلها ذات أهمية في المجتمع ، إلى درجة يكون إهمال الخبر لذكر بعض قرينة على عدمه أساساً ، لعدم إمكان الإغراض عن ذكره – عادة – مع وجوده . ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغبة الصغرى ص354. (2) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص624. صفحة (164) ففي بعض الأخبار لا نجد غير السفياني ، وفي بعضها نجد الخراساني والسفياني دون غيرهما ، وفي اخبار أخرى نسمع بوجود عدة قواد : أبقع واصهب وسفياني ويماني . وقل مثل ذلك في المنطقة التي يحكمها السفياني .فإن المقدار الواضح من الأخبار اطلاقة من دمشق وسيطرته عليها ، إلى جنب عدم وصوله إلى مكة والمدينة المشرفتين . وأما بالنسبة إلى باقي البلدان ، فالأمر لا يخلو من تشويش . ولعل من اوضح موارد التشويش هذه : الكوفة . حيث نسمع من بعض الأخبار ارتكازه فيها وسيطرته عليها . نجد في بعضها الآخر أن (الخراساني) يحتلها معه أيضاً . بل أن انطلاقه من دمشق أيضاً لا يخلو من ظلال، نظراً إلى الخبر القائل: بأن السفياني يقبل من بلاد الروم . غير أن الذي يهون الخطب ، أن أكثر منطلقات هذه النقطة قابلة للتذليل مع شيء من التفكير ، كما سوف نطبق بعضه فيما يلي : الناحية الثالثة : من الحديث عن السفياني : في محاولة فهم الحوادث التي تدل عليها هذه الأخبار ، ومحاولة ضبطها وترتيبها وانطلاقاً من ظاهرها على المستوى (الصريح) دون (الرمزي) ... ما لم تعن الحاجة إلى الحمل على الرمز أحياناً . إن منطلق السفياني سيكون هو الشام دون بلاد الروم .وأما الخبر الدال على إقباله من هناك .فسنذكر له فهماً خاصاً في حديثنا عن علاقة السفياني بالدجال . إن دمشق ستكون في يوم من الأيام مسرحاً لحروب داخلية وصدام مسلح بين فئات ثلاث كلها منحرفة عن الحق ،وكل منها يريد الحكم لنفسه .ولا تعبر لنا الأخبار عن اتجاهات هؤلاء وعقائدهم بوضوح ، غير أنها توضح وجود الإختلاف بينها عن طريق اختلاف الوانها ... وهي تعبرعن ألوان الأمراء باعتبارهم مركز الثقل في التوجيه الفكري والعسكري لقواعدهم الشعبية ، فأحدهم ابقع. والآخرأصهب. والآخر احمر أصفر أزرق، وهو السفياني .وهو الذي يكتب له النصر في المعمعة ، ويستطيع السيطرة على الموقف في الشام ،ويتبعه أهلها ، إلا أن عدد قليل من الناس و يعصمهم الله تعالى عن اتباعه ، وهم جماعة من المخلصين الممحصين الكاملين ، المعبر عنهم في بعض الأخبار بالأولياء والأبدال وكما اسلفنا ، ويحكم السفياني الكور الخمس : دمشق ، وحمص وفلسطين والأردن وقنسرين(1) إلى جنب ما سوف يملكه من مدن العراق . ـــــــــــــــــ (1) الكور جمع كورة ، وهي المدية والبقعة (انظر أقرب الموارد ج2 ص1112) .وقنسرين كورة بالشام بالقرب من حلب ،وهي إحدى أجناد الشام ، قال ابن الأثير :وكان الجند ينزلها في ابتداء الإسلام ولم يكن لحلب معها ذكر ( تاج العروس ج3 ص508 مادة : قنسر ) . صفحة (165) وحين يستتب له الأمر يطمع بالسيطرة على العراق ، ويفكر في غزوها عسكرياً ، فيوجه إليها جيشاً يكون هو قائده .فيلتقي في طريقه جيش أرسله حكام العراق من أجل دفعه ، فيقتتل الجيشان في منطقة تسمى بقرقيسيا(1) ويكون قتالهم ضارباً ، يقتل فيه من الجبارين حوالي مئة ألف .والجبار العنيد هو كل حاكم منحرف ... وهو كناية عن أن كل من يقتل يومئذ من أي الجشين هو من الفاسقين المنحرفين .وبذلك تتخلص المنطقة من أهم القواد العسكريين الذين يحتمل أن يجابهوا المهدي (ع) عند ظهوره . وعلى أي حال ، فالنصر سوف يكون للسفياني أيضاً ، فيدخل العراق ، ويضطر إلى منازلة (اليماني) في ارض الجزيرة(2) فيسيطر عليه أيضا ويحوز من جيش اليماني ما كان قد جمعه من المنطقة خلال عملياته العسكرية . ثم يسير إلى الكوفة ، فيمعن فيها قتلاً وصلباً وسبياً ... ويقتل أعوان آل محمد (ص) ورجلاً من مسميهم يعني المحبوسين عليهم .وقد سمعت ما في أحد الأخبار من أنه ينادي مناديه في الكوفة : من جاء برأس من شيعة علي ، فله ألف درهم ، فيثب الجار على جاره ،وهما على مذهبين مختلفين في الإسلام ، ويقول : هذا منهم ، فيضرب عنقه ، ويسلم رأسه إلى سلطات السفياني ، فيأخذ منها ألف درهم . ولا تستطيع حركة ضعيفة وتمرد صغير يحدث في الكوفة من قبل مؤيدي اتجاه أهلها ... لا تستطيع التخلص من سلطة السفياني ، بل سوف يفشل وسيتمكن السفياني من قتل قائد الحركة بين الحيرة والكوفة ، وكأنه يكون قد انهزم بعد فشل حركته ، فيلقي السفياني عليه القبض في الطريق فيقتله . وفي بعض الأخبار أنه تراق بين الحيرة والكوفة دماء كثيرة ،وهو إشارة إلى هذه الحادثة ... فيها الدلالة على أن لقائد الحركة مركزاً مهماً هناك ، لن يستطيع السفياني السيطرة عليه بسهولة . ـــــــــــــــــ (1) في مراصد الإطلاع بالمد : بلد على الخابور عند مصبه ، وهي على الفرات ، جانب منها عل الخابور وجانب على الفرات ، انظر ج3ص1080 .أقول : وهي منطقة واقعة في سوريا الآن قريبة من الحدود العراقية . (2) وهي أرض ما بين النهرين في العراق . صفحة (166) وحين يستتب له الأمر في العراق أيضاً ، يطمع في غزو الأراضي المقدسة في الحجاز .فيرسل جيشاً ضخماً إلى المدينة لإحتلالها .وظاهر اغلب الأخبار أن السفياني نفسه ليس فيه . فيسير هذا الجيش بعدته وسلاحه متوجهاً نحو المدينة المنورة : ويكون الإمام المهدي ( ع) يومئذ في المدينة . فيهرب منها إلى مكة فيعرف السفياني ذلك عن طريق استخباراته ، فيرسل جيشاً في أثره متوجهاً نحو مكة . محاولاً قتله والإجهاز عليه وعلى أصحابه ،وظاهر سياق الأخبار أن الجيش المتوجه إلى مكة هو جزء من الجيش الذي كان متوجهاً إلى المدينة المنورة . إلا أن مكة حرم آمن بنص القرآن الكريم ، لايمكن أن يخاف فيه المستجير كما أن الإمام المهدي (ع) قائد مذخور لليوم الموعود وهداية العالم . لايمكن أن يقتل .ولا بد من حمايته ... ومن هنا تقتضي الضرورة إفناء هذا الجيش ، والقضاء عليه بفعل إعجازي إلهي ، فيخسف به في البيداء .ولا ينجو منه إلا نفر قليل: اثنين أو ثلاثة . يخبرون الناس عما حصل لرفاقهم . إلا أن ذلك لا يعني الكفكفة من غلواء السفياني ، بعد أن ملك سوريا والعراق والأردن وفلسطين ومنطقة واسعة من شبه الجزيرة العربية ، وهدد الإمام المهدي وحاربه ... بل سيبقى حكمه ريثما يظهر المهدي (ع) بعد الخسف بقليل ويرد جيشه إلى العراق ، ويناجزه القتال فسيطر عليه ويقتله ، كما سنذكر . هذا وقد اعتبرنا في هذا الفهم لتسلسل الحوادث ، أن كل ما ورد في شيء من الأخبار من دون أن يكون له ناف أو معارض في خبر آخر ، فهو ثابت .وهذا صحيح في سائر الأخبار ، غير الخبرين اللذين عرفنا ورودهما من غير المعصومين (ع) ووهما من نقاط الضعف في هذا الفهم . كما أنها قد تواجه نقاط ضعف أخرى ، ينبغي عرضها ونقدها : النقطة الأولى : أنه قد يخطر في الذهن : أن هذه التحركات العسكرية وما رافقها من الملابسات ، صيغت على غرار تحركات الجيوش القديمة التي كانت تحارب خلال العصر العباسي – مثلاً - حيث لا يوجد قانون دولي ولا أمم متحدة ولا حدود معترف بها . وأما بعد أن تقدمت الحضارة وأسست هذه الأسس فمن غير المحتمل أن تحدث مثل هذه التحركات . صفحة (167) ويمكن عرض عدة أجوبة على هذه الأجوبة على النقطة ، نذكر منها جوابين : الجواب الأول: أن قيمة القانون وما يستتبعه من الإعتراف بالأمم المتحدة والحدود الآمنة المعترف بها ، إنما تنطلق من المصلحة الخاصة ليس إلا ، لأن الفرد أو الدولة إذا تنازلت عن شيء من المصلحة أمكن تبادل هذا التنازل مع الآخرين ، وبذلك تنحفظ مصالح خاصة أهم وأشمل . وأما في الوقت الذي حرز الفرد أو الحاكم إمكان سيطرته على الآخرين وحصوله على الربح مع إحراز دفع الضرر عن نفسه ، فسيكون هو وبنود القانون على طرفي نقيض . ومن هنا لم يكن وجود القانون ولا الأمم المتحدة ، ولا محكمة العدل الدولية مانعاً عن أنواع الإعتداءات وأشكال الغزو والسيطرة على الشعوب الضعيفة من قبل مختلف الأنظمة ، كما نشاهده باستمرار .وليست حركة السفياني بأفضل من أي واحد من هذه الإعتداءات . الجواب الثاني : أنه من المحتمل – على الأقل – أن تكون تحركات السفيناي ذات طابع ( قانوني) مشروع في حدود الفهم الحديث لهذه المشروعية ، كما لو كانت نتيجة لإتفاقيات بين الدول أو إتحاد في شكل الأنظمة فيما بينها .أو إعلان شكل من الإتحاد بين اثنين أو أكثرمنها . وغير ذلك مما لا حاجة إلى الدخول في الحديث عن تطبيقاته في عالم اليوم . وبهذا يرتفع الإشكال الذي قد يرد إلى الذهن ، من حيث أن ظاهر الأخبار عدم وجود أية مقاومة ضد جيش السفياني حين يدخل الحجاز ... فإن ذلك يكون نتيجة لإتفاقات معينة ، أو لضعف الحكم القائم هناك يومئذ تجاه الجيش المحتل ضعفاً شديداً . النقطة الثانية : إن ظاهر بعض الأخبار التي سمعناها ، كون الإمام المهدي (ع) قبل ظهوره معروفاً للسفياني، ويبدو أن الهدف الرئيسي للجيش الذاهب إلى الحجاز هو قتل المهدي (ع) ،ومن هنا يخاف (ع) ويهرب من المدينة إلى مكة على سنة موسى بن عمران (ع) حين هرب إلى مدين ... ويكون الخسف بالجيش إنقاذاً له. ويفهم السفياني بهرب المهدي (ع) فيرسل خلفه جيشاً فيخسف به . وهذا – بظاهره – مناف لمسلك الغيبة الذي يتخذه الإمام (ع) إلى حين ظهوره ، وخاصة من الأعداء الذين يحتمل فيهم أن يقتلوه أو يشكلون خطراً عليه ولو انحصر الأمر بذلك ، وجب رفض دلالة الخبر للجزم بثبوت الغيبة قبل الظهور . صفحة (168) لكننا يمكن الإستغناء عن هذه النقطة أيضاً ، لو التفتنا إلى (أطروحة خفاء العنوان) التي عرضناها في التاريخ السابق، والتي تقول: إن المهدي (ع) خلال غيبته يرى الناس ويرونه ولا يعرفونه. وإنما تكون غيبته باعتبار غفلة الناس مطلقة عن حقيقته ... ويعرفونه بعنوان مستعار وشخصية (ثانوية) يتخذها المهدي (ع) في المجتمع . ومعه ، فمن الممكن أن السفياني يعرف تلك (الشخصية الثانوية) أعني ما أتخذه المهدي من عنوان مستعار في ذلك العصر .ويتابع أخباره بتلك الصفة .ويرسل جيشاً لقتله بتلك الصفة أيضاً .وإنما عبر عنه في الأخبار بالمهدي باعتبار حقيقته ، وإنما يخسف بالجيش المعادي له باعتبار ذلك أيضاً .إلا أن السفياني لن يشعر أنه قاصد لقتل المهدي (ع) نفسه ، ولن يشعر الناس بذلك أيضاً لأنه والناس ، إنما يعرفونه بشخصيته الثانوية دون الحقيقية . النقطة الثالثة : أنه تبقى عدة فجوات في تسلسل الحوادث لم تنطق بها الأخبار بوضوح ... ومن الصعب استدراكها بطبيعة الحال ، نذكر لها بعض الأمثلة . منها : دور الجماعة المقبلة من خراسان ، وفيها بعض أصحاب القائم (ع) بقيادة الخراساني .ما هو دورها في العراق هل هو عسكري أو فكري أو ليس لها دور .ما هو موقف السفياني منها حين يسيطر على البلاد . ومنها : دور اليماني عسكرياً وفكرياً وعقائدياً .وإن كان المظنون أنه هو المشار إليه في بعض الأخبار بأن رايته راية هدى ، كما سمعنا في التاريخ السابق(1) والسفياني سيجهز عليه و سيخلي الساحة العراقية منه .إلا أن فجوات أخرى سوف تبقى غير قابلة للجواب . ومنها : عدد أفراد الجيش الذين يتجهون إلى مكة المكرمة للقبض على المهدي (ع) .فهل هو جماعة كبيرة أو صغيرة ، فبينما يعبر عنه في عدد من الأخبار بالجيش ، وهو يوحي بالعدد . ويؤيده ما في بعض الأخبار من أنهم ثمانون ألفاً (2). إلا أن بعض الأخبار تقول : فيبعث إليه بعث(3) وهو يوحي بالإرسالية الصغيرة نسبياً . إلا أن الأغلب على التعبير بالجيش على أي حال . الناحية الرابعة : أننا فهمنا في التاريخ السابق(4) من الأخبار التي تذكر خروج الرايات السود من خراسان ... فهمنا الإشارة إلى حركة أبي مسلم الخراساني ، التي أجهزت على حكم بني أمية ومهدت لحكم العباسيين ... ومعه فقد يخطر في الذهن أن الخراساني امذكور في الأخبار التي ذكرناها هنا هو أبو مسلم ايضاً ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص632. (2) المصدر ص602. غير أن الخبر مروي عن ابن عباس لا عن أحد المعصومين (ع) .* المصدر ص599. (3) المصدرص 599. (4) المصدرص 547. صفحة (169) وهذا احتمال معقول لو استطعنا أن نفهم من (بني فلان) في الخبر الذي نقلنا عن النعماني في (الغيبة) ... بني أمية دون بني العباس . فكأنه قال : لابد لبني أمية أن يملكوا .فإذا ملكوا خرج عليهم الخراساني فأهلكهم. فيكون واضح الإنطباق على أبي مسلم دون شك . غير أن هذا الفهم مروي عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) .وهو معاصر لدولة بني أمية ... فلا يكون قوله (لا بد لبني أمية أن يملكوا) معنى واضح . بل يتعين حمله الدولة التي لم تحدث في زمانه .وهي دولة بني العباس .ومن المعلوم أن أبا مسلم أسس دولة العباسيين لا أنه أهلكها . ثانياً : إن الخبر كالصريح في تعاصر حركة الخراساني والسفياني ، ومن المعلوم عدم تحقق حركة السفياني لحد الآن !!!، إذاً فحركة الخراساني لم تتحقق ...إذاً ، فهي ليست منطبقة على حركة أبي مسلم على أي حال . ومعه ، تكون الحركة المشار إليها في أخبار الرايات السود غير الحركة المشار عليها في هذه الأخبار بقيادة الخراساني غير أننا نخسر بذلك شيئاً ذا بال ، وهو : إن الحادثة المشار إليها لو كانت واحدة ، لاستطعنا ضم أخبار الرايات السود إلى أخبار (الخراساني) ، فتصبح كثيرة ومستفيضة ، إن لم تكن متواترة وهذا غير ممكن مع تعدد الحادثة المقصودة . ولكن هذا لا يعني سقوط كلا الطائفتين من الأخبار عن إمكان الإثبات التاريخي ، كل بمقدار قابليته . الناحية الخامسة : قد ثبت بهذه الأخبار وغيرها ، كون الخسف الذي استفاضت به الأخبار في مصادر الفريقين ....إنما يكون بجيش السفياني ، حين يقصد قتل الإمام المهدي (ع) وهو مستجير بمكة . وبذلك نحصل على شيء ذي بال – على عكس الناحية السابقة – وهو انضمام أخبار الخسف المستفيضى إلى أخبار السفياني ، وإن لم تذكر السفياني بالصراحة .فإذا علمنا أن اخبار السفياني مستفيضة ، كان ضم المستفيض إلى المستفيض منتجاً للتواتر لا محالة . صفحة (170) الناحية السادسة : بقي علينا التعرض إلى مقتل السفياني على يد الإمام المهدي (ع) .ولا زلنا نتكلم طبقاً للفهم (الصريح) دون الرمزي لمفهوم السفياني ، لنتوفر في الناحية الآتية على عرض الفهم الرمزي له . وقد وردت في ذلك عدة أخبار : قال في إسعاف الراغبين(1) وهو يعدد ما ورد في الروايات من حوادث ظهور المهدي (ع) ....قال : وإن السفياني يبعث إليه من الشام جيشاً ، فيخسف بهم البيداء فلا ينجو منهم إلا المخبر . فيسير إليه السفياني بمن معه ، فتكون النصرة للمهدي ، ويذبح السفياني . وروي في البحار(2) حديثاً طويلاً عن جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر (ع) ، يتحدث فيه عن المهدي (ع) وظهوره وما يحدث بعد ذلك ، إلى ان قال : ثم يأتي الكوفة فيطيل فيها المكث ما شاء الله أن يمكث ، حتى يظهر عليها ، ثم يسير حتى يأتي العذرا (3) هو ومن معه ، وقد الحق به ناس كثير والسفياني يومئذ بوادي الرملة .حتى التقوا وهم ، يوم الأبدال ، يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد (ص) ، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد إلى السفياني ، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم .ويخرج كل ناس إلى رايتهم ،وهو يوم الأبدال .قال أمير المؤمنين (ع) : يقتل يومئذ السفياني ومن معه حتى لا يدرك منهم مخبر ، والخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب(4) .. الحديث . وفي خبر مطول آخر أخرجه المجلسي في البحار أيضاً (5) عن عبد الأعلى الحلبي قال : قال ابو جعفر (ع) : يكون لصاحب هذا الأمر غيبة ... إلى أن يقول لأصحابه سيروا إلى هذا الطاغية ، فيدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه (ص) ، فيعطيه السفياني من البيعة سلماً ، فيقول له كلب – وهو أخواله – ما هذا ؟ ما صنعت ؟ والله ما نبايعك على هذا أبداً ...فيقول :ما أصنع فيقولون : ! ... استقبله ! فيستقبله . ثم يقول له القائم صلى الله عليه : خذ حذرك ، فإنني اديت إليك ، وأنا مقاتلك ، فيصبح فيقاتلهم ، فيمنحه الله أكتافهم . ويأخذ السفياني أسيراً ، فينطلق به يذبحه بيده ...الخبر . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص138. (2) ص160-161ج13. (3) في مراصد الإطلاع بالمد : قرية بغوطة دمشق معروفة إليها ينسب مرج عذراء ج2 ص924. (4) أخوال السفياني والمحاربين معه ، كما يظهر من الخبر الآتي وغيره . (5) انظر ج13 ص189. صفحة (171) ولا نجد في هذه الأخبار تنافياً يذكر ، مع الأخبار السابقة والفهم العام الذي فهمناه عنها .فإن الجو العام لها واحد .فينبغي الآن قصر الكلام على الحوادث الزائدة التي تعرب عنها هذه الأخبار ، مما لم يكن موجوداً في الأخبار السابقة. ويكون فهمنا الآن تتمة للفهم العام السابق . إن مركز حكم السفياني سيكون هو العراق بعد انتقاله عن الشام ، ولن يوجب الجيش الذي تفشل مهمته في الحجاز ، انتقال مركز حكمه إلى هناك . ومن هنا سوف يواجه المهدي عند دخوله إلى العراق حكم السفياني بكل جبروته . غير أن السفياني – على ما يبدو – سوف يكره مناجزته القتال ، لأن ذلك سوف يثير ضده مشاكل لا تطاق .ومن هنا يدخل المهدي (ع) العراق سلماً ويمكث في الكوفة ما شاء الله له ذلك كزعيم شعبي ، حتى ما إذا اجتمع له من الرجال و السلاح ما يكفي للسيطرة على الحكم استطاع مواجهة السفياني بصراحة . وطبقاً للقواعد الإسلامية سيبدأ المهدي (ع) بعرض العقائد الإسلامية الحقة على السفياني ،فإن قبل بذلك وصار معه فهو ... وإلا ناجزه القتال . وطبقاً للإتجاه النفسي لدى السفياني لمجاملة المهدي (ع) ، سيعطي للمهدي ما يطلبه من الشهادة ،إلا أن بطانته سوف تحتج على ذلك وتشجب موقفه ، وتلزمه بأن يواجه المهدي (ع) مواجهة كاملة . ولعل هذا الإتجاه النفسي ، هو الذي يفسح المجال لتسرب كل المؤمنين المشتغلين في جيش السفياني إلى جيش المهدي (ع) ، وفي نفس الوقت يميل الفساق الفاشلين في التمحيص من سكان الكوفة قبل الظهور ، إلى الإلتحاق بجيش السفياني ، وهو يوم الإبدال .. أي تبادل الأصحاب .ويتم ذلك في الفترة الأولى قبل مناجزة القتال صفحة (172) وإذ يخضع السفياني لإقتراح بطانته ، ينكمش ضد المهدي (ع) ويتحداه فينذره المهدي (ع) بالقتال ، فيضطر السفياني إلى الصمود ضده ، فتحدث المعركة بين المعسكرين ، ويكون الفوز للقائد المهدي ، وينتهي حكم السفياني ،ويؤخذ اسيراً ويقتله المهدي في الأسر. وبذلك تتم سيطرة المهدي على العراق . بل سوف تتم سيطرة المهدي (ع) على كل المنطقة التي عرفناها محكومة للسفياني ، وهي العراق والشام والأردن وفلسطين .ومن هنا سوف تنفتح الفرصة المؤاتية للغزو العالمي . كما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب . الناحية السابعة : في محاولة إعطاء الفهم الرمزي عن السفياني ، مع الإلماع إلى علاقة السفياني بالدجال . ويحتاج الفهم الرمزي إلى شرطين أساسين ، لا يصح إلا من خلالهما ، فإن فقد أحد الشرطين ، فضلاً عنهما معاً ، كان الفهم الرمزي مما لا لزوم له . الشرط الأول : أن يكون العمل بظاهر الأخبارا متعذراً ، والفهم (الصريح) منها ممتنعاً ...باعتبار قيام القرائن على عدم صحته او اقتضاء القواعد العامة لنفيه . وهذا ما كنا نوجهه في مفهوم : الدجال أو مفهوم يأجوج ومأجوج .من حيث أن ظاهر الأخبار نسبة الخوارق والمعجزات إلى المنتسبين إلى الباطل، وهو مستحيل ، هو يعطي لهذين المفهومين صورة مخالفة للبشر الإعتياديين ومما يوثق بعد صدقه . فيكون ذلك سببا ً للإنطلاق إلى الفهم الرمزي الذي يذلل هذه المصاعب ، مع أخذ الشرط الثاني بنظر الإعتبار . الشرط الثاني : أن يكون الفهم الرمزي أقرب ما يمكن إلى الظواهر ، معطياً صورة شاملة ومتكاملة ومتساندة لمجموع الظواهر والمفاهيم الواردة في الأخبار ... بحيث لا يند عن ذلك إلا الخبر الشاذ غير القابل للإثبات التاريخي أساساً . وهذا ما حاولنا تطبيقه في فهمنا الرمزي لمفهوم الدجال ومفهوم يأجوج ومأجوج . غير أن مفهوم : السفياني فاقد للشرط الأول . إذ من الواضح بعد استعراض الأخبار السابقة وغيرها مما ورد في السفياني ، أنها خالية من أية معجزات وخوارق منسوبة إليه أو إلى غيره من المبطلين . بل هي تخلو من أية معجزة سوى الخسف بالبيداء الذي يحدث دفاعاً عن الحق لا عن الباطل ،وقد عرفنا مبرره الكامل فيما سبق . كما أن هذه الأخبار تعرض البشر على حالهم فيعصر التمحيص والفتن ، فهناك الآراء المتعارضة والجيوش المتحاربة والحكام الظالمون ، والقلة المدافعة عن الحق .وكل هذه الأمور صفات أساسية للمجتمع المعاصر. وبالتالي فهي لا تعطي صورة مخالفة للبشر الإعتياديين ليكون الوثوق بعدم صدقها موجوداً. ليكون ذلك منطلقاً إلى الفهم الرمزي . صفحة (173) إذاً ، فالفهم الرمزي الكامل مما لا لزوم له .وإنما الشيء الممكن هو ملاحظة الخصائص والصفات حول هذا المفهوم ، وإسقاط ما يمكن إسقاطه منها . فإذا اسقطناها جميعاً أو الأعم الأغلب منها ، كان (الفهم) الذي ذكرناه في التاريخ السابق(1) صحيحاً وهو ان السفياني يمثل خط الإنحراف داخل المعسكر الإسلامي ككل ، فتندرج تحته كل الحركات والعقائد التي تدعي الإنتساب إلى الإسلام ، مما كان (بعد زوال الدولة العباسية) أو يكون إلى يوم الظهور الموعود .وأما إذا أخذنا عدداً من الصفات بنظر الإعتبار ، مما تسالمت الروايات على صحته ، فإن هذا المفهوم الواسع سوف يضيق، وسوف ينحصر في تطبيق واحد من تطبيقاته ، فإنني أود أن أقول : أن مفهوم السفياني يعبر عن آخر حكم منحرف للمنطقة قبل ظهور المهدي (ع) ويمكننا أن نصف هذا الحكم مما ثبت له من الصفات ، كدخول سوريا والعراق تحت حكم واحد أو متشابه ، وحقده على أهل الحق ، وإرساله الجيش ضد المهدي ( أو ضد جماعة من أهل الحق المخلصين يكون المهدي (ع) موجوداً فيهم بعنوان آخر غير حقيقته) ، وحدوث الخسف على هذا الجيش. وأما الصفات الأخرى ، كتسميته بعثمان بن عنبسة ، وخروجه من الوادي اليابس ،وصفات جسمه وسيطرته على الأردن وفلسطين ، وتفاصيل مواقفه العسكرية ، فهي مما ينبغي اسقاطها تحت وطأة الفهم الرمزي ، وإيكال علمها إلى أهله .وإن كان الوارد من الأخبار في بعض هذه الصفات صالح للإثبات التاريخي ، وإن لم يكن أكيداً . ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص647. صفحة (174) وانطلاقاً من فهمنا هذا ، تتضح علاقة السفياني بالدجال بالمعنى الذي فهناك أيضاً . بعد أن برهنا في التاريخ السابق (1) على أن هذين المفهومين يعبران عن شيئين لا عن شيء واحد . فإن للفهمين (الصريحين) التقليدين للسفياني والدجال ، إتجاه إلى عزل أحدهما عن الآخر عزلاً تاماً ، طبقاً للظهور الأولي للأخبار ... فالمسيح ينزل فيقتل الدجال في دمشق بدون أن يكون السفياني موجوداً في العالم . والمهدي (ع) يظهر فيحارب السفياني بدون أن يكون الدجال موجوداً في العالم . ولكننا إذا علمنا أن زمن ظهور المهدي (ع) ونزول المسيح واحد ، حتى أن المسيح يصلي وراء المهدي (ع) تكرمة لهذه الأمة كما وردت بذلك الأخبار، وسنرويها فيما يلي : إذاً ، سيكون هذا الإتجاه التقليدي مبرهن البطلان .ولا بد من أن يكون الدجال والسفياني متعاصرين ، ولابد من وجود العلاقة بينهما بشكل من الأشكال. وإذا كان الدجال عبارة عن الحضارة المادية الحديثة بخطها الطويل ، وكان السفياني آخر الحكام المنحرفين في الشرق ، فسوف لا يصعب علينا تصور العلاقة يبنهما .بعد أن أصبحنا نعيش بكل حواسنا تطبيقات الدجال والسفياني بكل وضوح ....ونعلم الأشكال الصريحة والمبطنة لعلاقة أحدهما بالآخر بشكل نكون في غنى عن عرضه . وهذا التحديد للعلاقة ، منطلق من فهمنا لذينك المفهومين ، بغض النظر عما اكتسبه مفهوم الدجال من رتوش محتملة عند الحديث عن علاقته بيأجوج ومأجوج .إذ مع الأخذ ببعض الأطروحات التي ذكرناها هناك ، سوف نحتاج إلى بعض التغيير في تصور العلاقة ...وهذا ما نوكله إل القارىء الذكي . النفس الزكية وهو إنسان قرنت حركته ومقتله بظهور الإمام المهدي (ع) ، في أخبار المصادر الخاصة على الأغلب . وقد سبق في التاريخ السابق(2) أن بحثنا ذلك وعرضنا الأخبار التي تصرح بأن مقتل النفس الزكية من المحتوم، وغيرها . ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص630وما بعدها (2) انظر ص604وما بعدها إلى عدة صفحات . صفحة (175) ولكننا لم نستطع هناك – بما كان لنا من منهج في الإثبات التاريخي – ان ندفع احتمالاً معيناً ، هو أن تكون النفس الزكية هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) .وحيث ان مقتله قد حصل في العهد العباسي الأول ، فلا ينبغي انتظار حادثة أخرى لمقتل النفس الزكية في مستقبل الدهر . ولكننا نحاول الآن أن نبحث المطلب بشكل جديد ، انطلاقاً من المنهج الذي اتخذناه في هذا التاريخ ، وهو التنزل عن التشدد السندي وقبول الخبر الموثوق، وإن لم تقم القرائن على صدقه من الخارج .وهذه هي نقطة الإختلاف بين المنهجين ، كما أشرنا في أول الكتاب . وينبغي أن نتكلم عن (النفس الزكية) ضمن عدة نواحي : الناحية الأولى : في سرد الأخبار الواردة في هذا الموضوع ، غير ما نقلناه في التاريخ السابق ، إلا القليل الذي نحتاجه فنكرره . روينا في التاريخ السابق(1) عن المفيد في الإرشاد (2) عن أبي جعفر الباقر (ع) والشيخ في الغيبة(3) والصدوق في إكمال الدين(4) عن أبي عبد الله الصادق (ع) بلفظ متقارب – واللفظ للمفيد - : أنه قال : ليس بين قيام القائم (ع) وقتل النفس الزكية ، أكثرمن خمس عشرة ليلة . وقال في الإرشاد (5) : قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع) ... وعد منها : ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام . وأخرج في البحار(6) عن السيد علي بن عبد الحميد بالإسناد إلى أبي بصير عن أبي جعفر (ع) ، في حديث طويل ، يقول فيه : يقول القائم (ع) لأصحابه : يا قوم . إن أهل مكة لا يريدونني ، ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم . ـــــــــــــــــ (1) المصدر ص605. (2) ص339. (3) ص271. (4) انظر المصدر المخطوط . (5) ص336. (6) ج13 ص180. صفحة (176) فيدعو رجلاً من أصحابه ، فيقول له : إمض إلى أهل مكة ! أنا رسول فلان إليكم ، وهو يقول :إنا أهل بيت الرحمة ومعدن الرسالة والخلافة ، ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين . وإنا قد ظلمنا واضطهدنا وقهرنا وابتز منا حقنا ، منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا ،فنحن نستنصركم فانصرونا . فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام ، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام ، وهو النفس الزكية ... الحديث . وأخرج أيضاً(1) عن الكافي بسنده عن يعقوب السراج عن أبي عبد الله (ع) في حديث عن المهدي (ع) يقول فيه: ويستأذن الله في ظهوره :فيطلع على ذلك بعض مواليه .فيأتي الحسني فيخبره الخبر ، فيبتدر الحسني إلى الخروج ، فيشب عليه أهل مكة ، فيقتلونه ، ويبعثون برأسه إلى الشام ، فيظهر عند ذلك صاحب الأمر .. الخبر. وقال الرواندي في الخرايج والجرايج(2): وروي أن النفس الزكية هو غلام من آل محمد اسمه محمد بن الحسن يقتل بلا جرم .فإذا قتل فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد . أقول : وأرسل الصافي في منخب الأثر(3) هذا المعنى ارسال المسلمات . وأخرج الصافي(4) عن غيبة الشيخ بسنده عن سفيان بن ابراهيم الحريري أنه سمع أباه يقول : النفس الزكية غلام من آل محمد ، اسمه محمد بن الحسن ، يقتل بلا جرم ولا ذنب .فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر .فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد .. الحديث . فهذا هو كل ما وجدناه من الأخبار بهذا الصدد . وسنمحصها بعد إعطاء الفهم المتكامل عنها . ـــــــــــــــــ (1) البحار ج13ص178. (2) ص196. (3) انظر ص454. (4) ص455. صفحة (177) الناحية الثانية : في محاولة فهم هذه الأخبار ككل ، على تقدير صحتها وكفايتها للإثبات التاريخي .ويكون فهمنا هذا تتمة – بشكل أو آخر – للفهم العام الذي ذكرناه للسفياني. إن المهدي (ع) مع خاصة أصحابه حين يهربون من وجه جيش السفياني لمبعوث ضدهم .من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة ، يصبح من الواجب على أهل مكة نصرته ، بحسب تكليفهم في نصرة المؤمنين المظلومين ضد الظالمين ممن كان على شاكلة السفياني . ولكن لن يكون لأهل مكة استعداد للنصرة ، اما لأجل اختلاف مذهبهم عن مذهب المهدي (ع) في الإسلام، وإما لأجل خوفهم من سطوة السفياني وسلطته ،وحسبنا أننا سمعنا أن السفياني دخل الحجاز من دون مقاومة عسكرية ، لمدى الرهبة والخوف الذي زرعه في النفوس .ومن هنا يحافظ أهل مكة على مصالحهم الخاصة وينكمشون ضد المهدي (ع) .أعني : بعنوانه المعلن وإن جهلوا حقيقته . ويعلم الإمام المهدي (ع) بعدم استعدادهم لنصرته .فيقول لخاصته : يا قوم ، إن أهل مكة لا يريدونني .ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم ، بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم . ويكون هذا الإحتجاج اتماماً للحجة عليهم ، ومواجهة صريحة لهم بالموقف حتى لا يبقى منهم غافل أو مماطل . ومن هنا يفكر المهدي (ع) بأن يرسل شخصاً من قبله إلى أهل مكة ليقوم بهذا الإحتجاج. فيدعو بعض أصحابه ، وهو من الهاشميين ومن المخلصين الممحصين ، على ما سنعرف في الوجه فيه... ويحمله رسالة شفوية معينة ، ويأمره بأن يخطب بها في المسجد الحرام بين الركن والمقام وقد سمعنا نص الخطبة في الأخبار . وينبغي هنا أن نلاحظ أنه حين يقول : أنا رسول فلان إليكم ... لا دليل على أنه يورد اسم المهدي (ع) بحقيقته ويعرف المخاطبين أنه هو المهدي الموعود ، بل لعله يورد الإسم أو العنوان المعلن اجتماعياً له (ع) في ذلك الحين . وما أن يسمع أهل مكة هذه الخطبة ، حتى يجتمعون عليه ويقتلونه بين الركن والمقام قرب الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام .ولعلهم يقطعون رأسه ويرسلونه إلى السفياني ، ليكون لهم الزلفى لديه . صفحة (178) هكذا تقول إحدى الروايات السابقة ، ولكننا عرفنا أن مركز السفياني يومئذ لن يكون هو الشام بل هو العراق، وإن كان كلا القطرين تحت سيطرته وهذا له عدة توجيهات ، أوضحها : احتمال أن يكون السفياني في ذلك الوقت قد ترك مركزه وسافر إلى الشام لإنجاز بعض المصالح المعينة ، ريثما يعود مرة أخرى . وعلى أي حال ، فإنهم حين يفعلون ذلك ، يكونون قد عصوا العديد من أهم أحكام الإسلام وضروريات الدين .منها : المحافظة على حرمة البيت الحرام الذي اعتبره القرآن الكريم حرماً آمناً .ومنها : قتل النفس المؤمنة بدون جرم وبغير نفس ومنها : رفض نصرة المستنصرين بالحق .فيشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض ، فيأمرالإمام المهدي (ع) بالظهور لأخذ الحق ودحر الظالمين . ويكون رسول المهدي (ع) هذا هو النفس الزكية الموعود قتلها بين الركن والمقام ، وسوف لن يكون بين مقتلها وبين الظهور أكثر من خمس عشرة ليلة . وهذا هو التصور العام الذي تعكسه هذه الأخبار ولتاريخ تلك الفترة .وهو تصور سليم إلى حد كبير.لا يكاد يرد عليه إلا المناقشات القليلة الآتية التي لا تغير من جوهره شيئاً . ومعه لا حاجة إلى الحمل على الرمز ، لما قلناه من أنه يتعين ذلك عند قيام الدليل على بطلان المعنى (الصريح) . إلا أن ارتفاع هذا الفهم إلى مستوى الإثبات التاريخي ، منوط بصحة تلك الأخبار وصلاحيتها للإثبات ، وهذا ما سنبحثه غير بعيد. الناحية الثالثة : في نقد بعض الإعتراضات التي تورد على هذا الفهم العام : الإعتراض الأول : أنه كيف تيسر لرجل واحد أن يخاطب أهل بلدة بكاملها ، بشكل طبيعي غير إعجازي . إلا أن هذا السؤال يحتوي على سذاجة واضحة ، لوضوح كفاية قيام الفرد خطيباً في المسجد الحرام المحتشد بأهل مكة ، مستعملاً الأجهزة الحديثة لبث الصوت وتكبيره .لكي يستطيع الفرد أن يخاطب لأهل مكة جميعاً ، ويبلغ الحاضر منهم الغائب في أقل من ساعة من نهار . وقد يخطر في الذهن أنه من اين للنفس الزكية حصول مثل هذا الجمع ،واستعمال المكبرات . صفحة (179) وجوابه : أننا لم نلاحظ إلى الآن في (النفس الزكية) إلا جهته الخفية وهو أنه من خاصة الإمام المهدي (ع) في أواخر عصر الغيبة . ولم يتيسر لنا ملاحظة الجهة الإجتماعية المعلنة له عادة . إن اختيار المهدي (ع) له لينوب عنه بالتبليغ ، ليس جزافياً ، إلا بعد إحراز النجاح في ذلك ، أعني التبليغ ، وله القابلية الفكرية والإجتماعية المعلنة له دخيلة لا محالة في ترجيح اختياره . فقد يكون هذا الرجل خطيباً معروفاً أو وجيهاً أو له درجة من المسؤولية والسلطة في المجتمع ، ومن الممكن له أن يجمع الناس ويخطب بهم بواسطة اجهزة التكبير . وخاصة إذا عرفنا أنه سيقول قولته والناس لا زالت مجتمعة بعد الحج .فقد وردت روايات سنسمعها تعرب عن أن الظهور سيتم في اليوم العاشر من محرم الحرام ، فإذا استثنينا من ذلك خمس عشرة ليلة ، كان موعد الخطاب النفس الزكية هو اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام . أي بعد انتهاء اعمال الحج بحوالي عشرة أيام. الإعتراض الثاني : أنه كيف أمكن للنفس الزكية أن يطلع على حقيقة الإمام المهدي (ع) خلال عصر غيبته ، ويحمل منه الرسالة إلى أهل مكة .مع أن ذلك متعذر بالنسبة إلى كل أحد، إلى حين حصول الظهور . والجواب الأولي الواضح لذلك، هو ان الإرسال كان من قبل الإمام المهدي (ع) نفسه ، وهو العالم بالمصالح، ويستطيع أن يكشف حقيقته للفرد ، اياً كان ، في حدود ما يعرفه من ملابسات وحقائق . لكننا لو عبرنا عن الإعتراض بتعبير آخر من زاوية ما عرفناه في التاريخ السابق(1) من أن مصلحة الغيبة مقدمة على كل مصلحة ، فكيف جاز للإمام (ع) أن يكشف حقيقته أمام هذا الرجل ، مهما كان صالحاً . يمكن الجواب على ذلك من عدة وجوه نلخصها فيما يلي : الجواب الأول :أن ما عرفناه من تقديم مصلحة الغيبة على كل مصلحة ، وإن كان صحيحاً ،إلا أن السر الأساسي فيه هو : أن كشف الغيبة وارتفاعها مناف مع حفظ المهدي (ع) لليوم الموعود . ومن ثم تكون مصلحة الغيبة هي مصلحة اليوم الموعود . ومصلحة ذلك اليوم مقدمة على كل مصلحة . ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الغيبة ص49. صفحة (180) وهذا البرهان لايرد في واقعة إرسال النفس الزكية ، لأن مصلحة الظهور واليوم الموعود نفسه ، أصبحت متوقفة على انكشاف الغيبة النسبة إلى هذا الشخص ، وتعرفه على حقيقة المهدي (ع) . بغض النظر عن الأجوبة الآتية . فيكون مقتضى تقديم مصلحة .هو هذا الإنكشاف لا الغيبة . الجواب الثاني: أننا قلنا في التاريخ السابق(1) أيضاً :أن كل ناجح نجاحاً تاماً في التمحيص الإلهي ، بحيث يكون مؤهلاً للمشاركة في مهام عصر الظهور ، يكون في إمكانه رؤية المهدي(ع) خلال عصر غيبته ، إذ لا يحتمل أن يكون مورد خطر بالنسبة إليه .وقد دلت كثير من الروايات وعدد من أخبار المشاهدة ، بأن المجتمعين به (ع) في عصر الغيبة متعددون ، ممن يعرف هويته وصفته . وأنه يجمع إليه أنصاره ممن بلغ في التمحيص غايته ، ونجح فيه النجاح المطلوب .وإن في ذلك من المصالح التي تمت إلى ممارسة هؤلاء للقيادة في اليوم الموعود ، ما لا يخفى . ويبدو من سياق الرواية التي تعرب عن إرسال النفس الزكية ،أن هذا الرجل إنما هو من هؤلاء الخاصة الذين يجمعهم المهدي (ع) ويعرفهم بحقيقته ومن هنا لا يكون في إطلاع النفس الزكية على حقيقة الإمام المهدي (ع) أي إشكال . وينبغي أن نلاحظ هنا : أ ن النفس الزكية حتى لو كان مطلعاً على حقيقة المهدي (ع) حين إرساله ، فإنه ليس من الضروري أن يسميه في خطبته . بل قد يذكر العنوان المعلن للمهدي (ع) ويتجنب ذكر الحقيقة بالرغم من معرفته لها ، تبعاً لأمر إمامه وقائده (ع) . الجواب الثالث : أن ننطلق من الزاوية التي تصورنا بها تعرف السفياني ، على تحركات الإمام المهدي (ع) ، وهي اطلاعه عليه بعنوانه المعلن لا بحقيقته . فمن المحتمل ، أن لا يكون (النفس الزكية) مطلعاً على حقيقة الإمام المهدي (ع) الذي أرسله ...بل يذهب لتبليغ الرسالة وهو لا يعلم أكثر من كونها صادرة عن (فلان) الذي يسميه في خطبته .وهذا كاف في إقامة الحجة على الناس . ـــــــــــــــــ (1) ص150 وما بعدها . صفحة (181) كما أنه كاف لتفسير مقتله ، إذ لا دليل على أنهم يقتلونه باعتبار رسالته عن المهدي (ع) بالذات ، بل باعتبار مضمون خطبته ، وقد يكون المهدي بعنوانه العلني مبغوضاً لديهم أيضاً ، فينزعجون من تجاوب (النفس الزكية) معه وقبوله لتحمل رسالته . الإعتراض الثالث : إن هذا التسلسل التاريخي الذي عرفناه في ( الفهم العام) مناف مع ما برهنا عليه من أن شرائط الظهور هي الحكم الفصل في إنجازه عند تحققها ، وهذه الأخبار تدل على أن سبب الظهور هو تهديد السفياني للمهدي (ع) بالقتل ، وقتل النفس الزكية فأيهم نأخذ؟ والجواب : إن كلا الفكرتين صادقتان وكلا السببين سبب صحيح في نفسه ،وليس مقتل النفس الزكية وتهديد المهدي (ع) إلا نتيجة من نتائج شرائط الظهور . فإن التخطيط العام السابق على الظهور ، بما له من خصائص وصفات ، عرفناها في التاريخ السابق ، منتج لعدة نتائج يهمنا الآن منها اثنتان : النتيجة الأولى :وجود العدد الكافي من الأفراد المخلصين الممحصين ، لغزو العالم بالعدل بين يدي المهدي (ع) وهذا هو الشرط الأخير المتبقي من شرائط اليوم الموعود الثلاثة التي عرفناها في التاريخ السابق(1). وبمجرد نجازه يتم الظهور وينجز اليوم الموعود . النتيجة الثانية : تطرف العدد الأكبر من أفراد المسلمين ، فضلاً عن غيرهم ، إلى جانب الإنحراف والضلال ، وأخذهم بالأفكار اللا إسلامية ، وعصيانهم أحكام الإسلام . وكلما ازداد الزمان ، ازدادت نتائج التمحيص تركيزاً ...وحصلت كلتا النتيجتين بشكل أوسع وأوضح . فيتكاثر في أحد الجانبين قوى الحق والإخلاص ، ويتكاثر في الجانب الآخر انحراف المنحرفين وظلم الظالمين ، على مختلف المستويات الإجتماعية . حتى يصبح جانب الإنحراف والفساد في المجتمع عاصياً لأوضح احكام الإسلام ، ومنكراً لضروريات الدين ، ومهدداً لحرمات الشريعة من أجل مصالحه وشهواته ...الأمر الذي ينتج أفظع النتائج لدى احتكاك اجتماعي بين الجانبين . ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص475 وما بعدها إلى عدة صفحات . صفحة (182) ومعه تكون كلتا النتيجتين اللتين سمعناهما من الأخبار ، طبيعية وواضحة . فموقف المهدي (ع) من السفياني سوف لن يكون إلا الشجب والإستنكار ، في حدود المقدار الممكن له حال غيبته ...الأمر الذي يولد رد الفعل لدى السفياني بإرسال الجيش وتهديده بالقتل .وأما موقف النفس الزكية فواضح من خطبته ، وإن هو إلا صورة أخرى من صور الشجب والإستنكار ؟ ، وسيكون رد الفعل هو قتله من داخل بيت الله الحرام . وستكون ردود الفعل هذه متطرفة إلى درجة إهدارها للأحكام الضرورية في الدين ، الأمر الذي يكشف عن تمخض التخطيط والتمحيص الإلهيين عن نتائجهما المطلوبة ....فيكون موعد اليوم الموعود قد تحقق. الإعتراض الرابع :أنه قد يخطر في الذهن :أن المستفاد من سباق الأخبار ، أن سبب الظهور هو إثارة غضب المهدي (ع) من الحادثتين المشار إليهما ، وهذا غيرصحيح ، بعد أن قامت الضرورة القطعية لدى كل مؤمن بالمهدي كونه مذخوراً لإصلاح العالم برمته ،وأنه ممن لا تهمه مصالحه الشخصية على الإطلاق .فكيف يصح أن يكون ظهوره ثأراً لهاتين الحادثتين ؟!!. والجواب على ذلك واضح مما سبق ،وواضح في ضمير كل مؤمن بعد وجود الضرورة القطعية المشار إليها . إن هاتين الحادثتين ستغضبان الله تعالى ، لا المهدي وحده ...بما يستنبطان من إهدار لضروريات الدين . ولكن الظهور سوف لن يكون ثأراً لأي منهما ...فإن مهمة المهدي (ع) الموعود أوسع وأعمق من هذا المجال الضيق ، بالرغم من أهميته .كلما في الأمر أن ظهوره سيكون قريباً منهما زماناً ، باعتبار تحقق شرائط الظهور .وليس لهاتين الحادثتين من صلة بالظهور إلا ما قلناه من الكشف عن تحقق الشرائط ، إلى جانب جعلها علامة عليه في الأخبار ...الأمر الذي ينبه المخلصين الممحصين إلى قرب الظهور . وهذا في واقعه ، يمثل إحدى الفروق الجوهرية بين شرائط الظهور وعلاماته ، تلك الفروق التي أنهيناها في التاريخ السابق(1) إلى سبعة . الناحية الرابعة : في محاولة تمحيص تلك الأخبار التي ذكرناها في الناحية الأولى ، من حيث قابليتها للإثبات التاريخي وعدمه . وفي هذا الصدد نواجه عدة نقاط : النقطة الأولى : أنها روايات قليلة وغير مستفيضة ، بخلاف ما جاء في السفياني أو الدجال، فإنه كثير، منها ما ذكرناه ومنها ما تركناه . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص470 وما بعدها إلى عدة صفحات صفحة (183) إلا أن هذه النقطة غير مضرة ، تمشياً مع ميزان الإثبات التاريخي الذي سرنا عليه ...لو كانت الروايات متفقة في المضمون . أو كان بعضها موثوقاً سنداً ... ولم نكن نتوخى في الإثبات حصول الإستفاضة في الأخبار . وقد يخطر في الذهن : أن أخبار (النفس الزكية) الموعودة ، كثيرة العدد ، ومستفيضة ،كما هو معلوم لمن استعرضها ..وليست قليلة كما قلناه. والحق ،أننا إذا نظرنا إلى مجموع أخبار (النفس الزكية) بما فيها من الأخبار الدالة على أن مقتل النفس الزكية من المحتوم وأنه من علامات القائم ، كانت الأخبار مستفيضة حتماً . إلا أن هذا المجموع ، لا يثبت إلا مقتل النفس الزكية إجمالاً ، وهذا لا يفيدنا في صدد كلامنا الحاضر ، لإحتمال انطباقها على محمد بن عبد الله الحسني الملقب بالنفس الزكية .وأما الأخبار التي تتحدث عن التفاصيل، والتي توضح أن هناك شخصاً آخر بهذا اللقب سوف يقتل في المستقبل ، وهي ما سمعناه في أول الفصل، فليس مستفيضاً ،وإن لم يكن عدم الإستفاضة مضراً ، كما أشرنا . النقطة الثانية :إن في هذه الأخبار عدداً من جوانب الضعف : الجانب الأول : ما كان رواية عن غير المعصوم ، كالخبر الذي نقله الشيخ عن سفيان أبن ابراهيم الحريري عن أبيه ... وكلام الصافي في منتخب الأخبار . الجانب الثاني : ما كان مرسلاً ، بدون ذكر أي راوٍ على الإطلاق ، كخبر الإرشاد ، وخبر الخرايج والجرايح. الجانب الثالث : ما كان مرفوعاً مع وجود جزء من السند ، أعني بعض الرواة وجهالة الباقي .وهو رواية البحار المتضمنة لخطبة النفس الزكية ... حيث رواها المجلسي عن السيد علي بن عبد الحميد بإسناده إلى أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام . الجانب الرابع : ما كان قاصراً في دلالته أساساً على ما فهمناه .مثل خبر الإرشاد الذي يذكر من العلامات : ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام .فإنه لا يتعين أن يكون هو النفس الزكية .المسمى بمحمد بن الحسن في الأخبار الأخرى ،وإن كان المظنون هو ذلك ، لإستبعاد أن يقتل قبل الظهور بين الركن والمقام شخصان ...مع قدسية بيت الله الحرام لدى المسلمين ووضوح حرمته . صفحة (184) وكذلك الخبر الثاني للبحار . فإنه يصرح باسم النفس الزكية ، وإنما قال : فيبتدر الحسني إلى الخروج ، وهو أيضاً غير متعين الإنطباق عليه . الجانب الخامس: وجود التعارض في دلالات بعض هذه الأخبار. فلو حاولنا أن نعرف أن النفس الزكية هل هو مرسل من قبل المهدي (ع) أو لا ؟ نجد أن الخبر المطول الذي نقلناه عن البحار .يصرح بالإيجاب .ونجد الخبر الثاني ينفيه بقوله : فيبتدر الحسني للخروج .وهو واضح في عدم استئذانه من المهدي (ع) فضلاً عن تحمل الرسالة عنه – مع افتراض أنه هو النفس الزكية والغض عما سبق – . النقطة الثالثة : وفي هذه الأخبار بعض جوانب القوة ، وإن لم تكن تعدل جميع جوانب الضغف السابقة . الجانب الأول : إن الخبر القائل: ليس بين القائم وبين قتل النفس الزكية إلا خمس عشرة ليلة ، خبر موثوق قابل للإثبات التاريخي ، بحسب منهج هذا الكتاب . فقد رواه الشيخ المفيد في الإرشاد(1) عن ثعلبة بن ميمون عن شعيب الحداد عن صالح بن ميثم (الجمال) ، قال: سمعت أبا جعغر عليه السلام : وكل هؤلاء الرجال موثقون أجلاء .وكان بودي أن أشير إلى تصريحات العلماء لولا أنه يطول به المقام ، فنوكله إلى القارىء الباحث . ورواه الشيخ الطيوسي في الغيبة(2) عن الفضل بن شاذان عن الحسن بن علي بن فضال عن ثعلبة إلى آخر السند .وكلاهما من العلماء الثقات. وعليه ، فما ذكرناه في التاريخ السابق(3) من المناقشة في سند هذا الحديث مبني على التشدد السندي الذي التزمناه هناك ... وقد رفعنا اليد عن الإلتزام به هنا . الجانب الثاني : أن الخبر الثاني الذي نقله عن البحار موثوق أيضاً .فقد نقله (4) عن الكافي لثقة الإسلام الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن يعقوب السراج عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام ،وكلهم ثقات أجلاء . ـــــــــــــــــ (1) ص339. (2)ص271. (3) ص613. (4) ص178. صفحة (185) الجانب الثالث : أننا يمكن أن نستفيد من مجموع هذه الأخبار، ومن كلمات من سمعنا تصريحاتهم كالراوندي والصافي وابراهيم الحريري ، الذين اعتبروا الأمر في عداد المسلمات . فنستفيد وجود التسالم أو الشهرة الواسعة على ان مقتل النفس الزكية يكون قبل الظهور بقليل بين الركن والمقام .وأنه غير مقتل الثائر الحسني الملقب بهذا اللقب . غير أن هذا الجانب لا يخلو من المناقشة : أولاً : لأنه لم يثبت وجود شهرة وتسالم أوسع من الأخبار الموجودة لتكون قرينة عليها .وكلمات الراواندي والصافي وغيرهما قد تكون اعتماداً على هذه الأخبار فقط. ثانياً إن الشهرة – لو ثبتت- تدفع احتمال انطباق مقتل النفس الزكية على الثائر الحسني السابق .إلا أنها لا تثبت كل الخصائص المطلوبة ، ككونه رسول المهدي (ع) إلى الناس وخطبته فيهم ، ويكون سبب مقتله بين الركن والمقام مجهولاً . غير ان الأخذ بهذا الجانب الثالث قريب من النفس ، وإن لم يصل إلى درجات الإثبات التاريخي . فهذه هي النخبة من الحوادث الإجتماعية المروية ، لما قبل الظهور ، وهناك أمور متفرقة مروية أيضاً أعرضنا عنها ، لقصورها عن الإثبات التاريخي فيكون الدخول في تفاصيليها تطويلاً بلا طائل . كما أن هناك تفاصيل في تحديد الوضع العالمي قبل الظهور ، مما يمت إلى إيجاد الظرف المناسب للنصر بعد الظهور بصلة .وهي تفاصيل مهمة ، سنعرض إلى محتملاتها والإستدلال عليها في القسم الثاني الآتي عند عرض ضمانات النصر للمهدي عليه السلام . صفحة (186) القسم الأول في إرهاصات الظهور ومقدماته بما فيها من أسس عامة وظواهر خاصة . وفيه بابان : الباب الأول في الاسس العامة لظهور المهدي (ع) ونعني بها القضايا الرئيسية التي يبتني عليها اليوم الموعد ، بما يحتويه من ظهور المهدي (ع) ودولته العالمية العادلة . ويتكون هذا الباب من عدة فصول : الفصل الأول ارتباط الظهور بالتخطيط الإلهي العام يكون التخطيط الإلهي العام المنتج لشرائط الظهور، قد انتهى ، وتكلل بنتيجه الكبرى ، وهو حصول اليوم الموعد . وحاصل الفكرة التي فصلناها في التاريخ السابق(1) : اننا انطلاقاً من قوله تعالى : ( وما خلقتُ الجن وَالإنسَ إلا ليَعْبُدُون)(2) نفهم : ان الغرض الإلهي الاسمى من ايجاد الخليقة . وامدادها بالادراك والاختيار ، هو التوصل بها إلى الكمال ، وهو تمحيض العبادة الحقيقة لله تعالى ، والغرض الإلهي لا يمكن ان يتختلف . وقد ذكرنا هناك معنى العبادة الحقيقية(3) ... وبرهنا(4) على ان وجود هذا الهدف يتوفق على عدة شرائط ، هي كما يلي : أولاً : وجود الاطروحة العادلة الكاملة المبلغة إلى البشر من قبل الله تعالى. لتكون هي القانون السائد في المجتمع . ثانياً : وجود القيادة الحكيمة التي يقوم بتطبيق تلك الاطروحة في اليوم الموعود . ثالثاً : وجود العدد الكافي من المخلصين المؤازرين للقائد بتطبيقه العالمي المنشود . أما الشرط الأول : فقد خطط الله تعالى لا يجاده وتربية البشرية عليه . ضمن خط الانبياء الطويل ، حتى تكلل هذا التخطيط بالنجاح بانجاز هذا الشرط ضمن الاطروحة الاسلامية المبلغة من قبل خاتم الانبياء (ع) . ________________ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص 233 وما بعدها الى عدة صفحات. (2) الذاريات:51/65. (3) تأريخ الغيبة الكبرى ص234 (4) المصدر 476 وما بعدها. صفحة (33) وقد سبق هناك ان برهنا ان الاطروحة العادلة الكاملة هي الاسلام(1) . وأما الشرط الثاني : فقد وفره الله تعالى في المهدي (ع) كقائد امثل للبشرية ليكون هو المطبق لتلك الاطروحة الكاملة في اليوم الموعود . . . واكد على بقائه الطويل خلال اجيال عديده من البشر . ذلك البقاء الذي سنرى في الفصل الآتي ، كونه ضرورياً لتولية القيادة المألولة في اليوم الموعود ، وقد اعطينا طرفا ً مختصراً عن ذلك في التاريخ السابق(2) . وأما الشرط الثالث : فقد خطط الله تعالى لايجاده بعد الاسلام . فإن تربية الفرد على تفهم وتطبيق مناهج سابقة غير الاطروحة العادلة الكاملة . والتي سبق(3) ان برهنا على مرحليتها وضيق مضمونها باعتبار ان الذهن البشري لم يكن قابلاً لأكثر من ذلك . ان التربية على تفهم وتطبيق هذه المناهج مما لا يكون مجديا ً في تحقيق العدل في اليوم الموعود . وانما لا بد من تربية الامة الاسلامية على الاطروحة الكاملة نفسها . من حيث تفهمها واستيعاب مضمونها ـ من ناحية ـ والكفاءة لتطبيقها واطاعة مواد قانونها من ناحية ثانية . . . ليكون اللافذاذ الممحصين من هذه الامة شرف المشاركة في انجاز اليوم الموعود ، وتوطيد دعائم الدولة العالمية العادلة . ومن هنا كان لا بد ان تمر الامة الاسلامية بخط طويل من التربية ، وبظروف معينة من الامتحان والتمحيص ، من الناحيتين الفكرية والعاطفية . أما من الناحية الفكرية ، فتتربى الامة ، وبشكل غير مباشر كل البشرية . بما يقدمه لها المفكرون الاسلاميون من بحوث وتدقيقات لدينهم الحنيف ، لكي تكون الأمة ، ومن ثم : البشرية كلها ، على مستوى تفهم الافكار والتشريعات الجديدة التي تعلن في اليوم الموعود . وأما التربية من الناحية العاطفية ، أي من جهة تعميق الايمان والاخلاص فالاسلوب الرئيسي لذلك : هو ان تمر الامة بظروف صعبة من الظلم والمصاعب والانحراف ، ويكون رد فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف ، ويكون لدى النخبة الصالحة منها من الاخلاص والايمان وقوة الارادة ، بحيث يكون رد فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف رد فعل مخلص متضمن للتطبيق الكامل للاطروحة الكاملة ، او الإطاعة التامة للاسلام . ______________ (1) المصدر ص 261. (2) المصدر ص 501 وما بعدها. (3) المصدر ص 255 وما بعدها و ص 258 وما بعدها. صفحة (34) وتستمر التربية جيلا بعد جيل على هذا الاساس ، يتزايد خلالها هؤلاء الخلصون ، كما يتطرف العديدون إلى جانب الظلم والانحراف ، حتى يأتي اليوم الذي يتوفر العدد الكافي من هؤلاء المخلصين لقيادة اليوم الموعود وتنفيذه . وعندئذ يكون الوعد الإلهي ضروري التطبيق . بعد توفر شرائطة الثلاثة . ومعه نستطيع ان نفهم بكل وضوح ، مدى ارتباط يوم الظهور الموعود بالتخطيط العام للبشرية ، فانه في الحقيقة هو اليوم الذي يتحقق فيه السبب الرئيسي لايجاد العبادة الكاملة لله تعالى في خلقة . . . وبايجاده يتحقق الهدف الاسمى لخلق البشرية ككل . إذاً فيوم الظهور ، ليس يوماً ولا عرضاً عارضاً ، ولا ظاهرة موقتة ، وانما هو النتيجة الطبيعة المقصودة لله عز وجل من خلقة . وعلى طريقة كانت جهود الانبياء والأولياء والشهداء . اولئك الاعاظم الذين لم تتكمل جهودهم بالنتيجة الاساسية المأمولة في عصورهم ، بل بقيت مذخورة ومخططة لليوم الموعود . وعلى طريقة كانت تضحيات البشر والآمهم ، وما قاسوه من المصاعب والمصائب على مر التاريخ . وما مروا فيه من ظروف الظلم والعسف والنحراف . فهو غياث المستغيثين وامل الآملين ورافع كرب المكربين وظلم المظلومين ، ومحقق العدل العظيم . وسيأتي فيما يلي من البحث، المزيد من التفضيل والايضاح لهذه الفكرة . صفحة (35) الفصل الثاني في نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور بالنسبة إلى كل من الإمام المهدي (ع) نفسه ، وبالنسبة إلى أصحابه وخاصته ، وإلى الامة الإسلامية بشكل عام ، بل إلى البشر أجمعين تنقسم الغيبة الكبرى في مفهومها الضخم الذي حققناه في التاريخ السابق غلى ثلاثة مداليل : المدلول الأول : تأجيل اليوم الموعود إلى امد بعيد ، وإلى موعد مجهول . المدلول الثاني : طول عمر الامام القائد المذخور للمهمة ، ومعاصرة العالمية في اليوم الموعود . . . كما يقتضية الفهم الامامي للمهدوية ، معاصرة هذا القائد لتاريخ طويل واجيال كثيرة للامة الاسلامية . المدلول الثالث : غيبة هذا القائد خلال ذلك ، وعدم اطلاع الناس على شخصه، ومكانه واسلوب حياته . . . بالمعنى الذي ذكرناه من الغيبة في التاريخ السابق(1). ولكل من هذه المداليل تأثيره الحقيقي الفعال في اليوم الموعود . أما المدلول الأول : فهو مدلول ثابت ومنتج سواء على الفهم الامامي للمهدي او على الفهم الآخر . لان قضية التأجيل امر واضح للمسلمين عموماً من صدر الاسلام وإلى المستقبل . . . لا يختلف الحال فيه بين ان يكون القائد المهدي (ع) موجوداً خلال هذا الاجل الطويل او لم يكن ، او غائباً او ليس بغائب . _____________ (1) أنظر تأريخ الغيبة الكبرى ص34 صفحة (37) ولهذا المدلول ، اعني التأجيل الطويل ، فوائد المهمة وآثارة العميقة على اليوم الموعود والدولة العالمية، من عدة نواحٍ : الناحية الأولى : مرور الامة الاسلامية بظروف التمحيص والاختيار . التي توضح حقيقة افرادها وتكشف عن ايمان المؤمنين فيها . وتجعلها على طريق تعميق الاخلاص والوعي . الناحية الثانية : ان ظروف التمحيص الطويل تنتج العدد الكافي من الافراد المخلصين الكاملين لغزو العالم بالعدل ، الذين يكون لهم شرف القيادة في اليوم الموعود . الأمر الذي عرفنا اهميته في التاريخ السابق مفصلاً. الناحية الثالثة : ان هذه المدة الطويلة كفيلة باكمال تربية الاجيال من الناحية الفكرية والعاطفية او - بتعبير آخر : على فهم الاطروحة العادلة الكاملة ، أولاً ، والتدرب على اطاعتها والتضحية في سبيلها . وقد سبق ان عرفنا في تاريخ الغيبة الكبرى فكرة مفصلة عن ذلك ـ وهذه التربية لا تختص بخصوص الممحصين الكاملين ، بل هي عامة تشمل سائر الأفراد على مختلف المستويات ، كما برهنا ، وهي تؤثر في الامة من زاوية جعلها على مستوى فهم القوانين والافكار والمفاهيم التي تعلن في الدولة العالمية والتي يكون اعلانها ضرورياً لاستتباب العدل الكامل في الارض . وهذه النواحي الثلاث ، كما قلنا ، لا ترتبط بوجود الامام الغائب ، بل يمكن تصور انتاجها لفوائدها بدون الايمان بذلك ، طبقاً للتصور غير الامامي للمهدي . . . حتى ما إذا علم الله تعالى إكماله للنتيجة بحسب ما هو المقصود في تخطيطه الطويل ، اوجد الامام المهدي في عصره ، فأخذ بقيادة الامة الاسلامية والبشرية إلى شاطئ العدل والسلام . الا ان هذا مما لا ينبغي المبالغة في نتيجته ، وان كان صحيحاً على أي حال ...وذلك بعد ان نلتفت إلى مجموعة امرين : الامر الأول : ما تسالمت عليه مذاهب المسلمين على اختلافها ، من ان الحق منحصر في مذهب واحد على الاجمال ، وام المذاهب الاسلامية الاخرى بعيدة عن واقع الاسلام بقليل او بكثير غاية الامر ان كل مذهب يدعي هذه المزية لنفسه . الأمر الثاني : ان التمحيص الإلهي الضروري لايجاد اليوم الموعود ، لا يكون الا على الحق ، والتجارب والمحن لا تنطلق الا من طاعته والاخلاص له . واما المذهب او المذاهب التي يكون في واقعها بعيدة عن الاسلام ، فالتربية على اساسها والتدريب على طاعتها تدريب على الباطل وان اتخذ صفة الاسلام . صفحة (38) اذاً ، فالتمحيص ينحصر في المذهب الواحد الحق المطابق للاسلام والمرضي لله تعالى من المذاهب المتعددة في الاسلام ، وهو ـ على اجماله ـ الذي يقوم فيه المخلصون الكاملون بقيادة البشرية بين يدي الامام المهدي في اليوم الوعود . ومعه ، فالفوائد المبينه على أساس المدلول الأول والناتجة عنه ، لا تترتب الا على ذلك المذهب الحق ، ولا يمكن ان يترتب على مجموع مذاهب المسلمين . وأما المدلول الثاني : وهو عمر الامام المهدي (ع) ومعاصرته لتاريخ طويل للامة الاسلامية خاصة وللبشرية عامة . . . فما يترتب عليه من الفوائد يختص بالفهم الامامي للمهدي (ع) ولا يعم فهم المذاهب الاخرى له . فإذا عرفنا ما لهذا المدلول من فوائد في تكميل وترسيخ العدل في عصر الظهور ، امكننا ان نعرف افضلية التصور الامامي على غيره من هذه الجهة . وان الله تعالى حين يريد افضل اشكال العدل للدولة العالمية ، فهو يختار التخطيط للغيبة . وبذلك نستكشف صحة التصور الامامي وتعين الاخذ به في التخطيط الإلهي . وقد بحثنا ذلك في التاريخ السابق(1) طبقاً لمنهج معين ، ونريد ان نبحثه الآن طبقا لمنهج آخر ، قد يكون اكثر تحليلاً : وخلاصة القول في ذلك : ان الاطروحة الامامية لفهم المهدي (ع) في حدودها الصحيحة المبرهنه التي عرضناها في التاريخ السابق : تتضمن ـ في حدود المدلول الثاني الذي نحن بصدده ـ عدة خصائص مهمة . الخصيصة الاولى : الايمان بعصمة الامام المهدي (ع) ، باهتباره الثاني عشر من الائمة المعصومين. الخصيصة الثانية : الايمان بكونه القائد الشرعي الوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، طيلة زمان وجوده ، سواء كان غائباً أو حاضراً . الخصيصة الثالثة : معاصرته لاجيال متطاولة من الامة الاسلامية خاصة والبشرية عامة . الخصيصة الرابعة : كونه على مستوى الاطلاع على الاحداث يوماً فيوماً وعاماً فعاماً عارفاً باسبابها ونتائجها وخصائصها . _______________ (1) أنظر : التخطيط الخاص بايجاد القائد ص497 وما بعدها. صفحة (39) الخصيصة الخامسة : كونه على ارتباط مباشر بالناس خلال غيبتة ، يراهم ويرونه ويتفاعل معهم ويتفاعلون معه ، لا انهم لا يعرفون بحقيقة الا نادراً جداً ، وذلك طبقاً لـ ( اطروحة خفاء العنوان ) التي اخترناها وبرهنا عليها في تاريخ الغيبة الكبرى(1) . وكل هذ الخصائص مما يفقدها الفهم غير الامامي للمهدي ، بكل وضوح . وانما المهدي بحسب تلك الاطروحة شخص يولد في زمانه ، وييسر له الله عز وجل ظروف الثورة العالمية . فهل هذا العمل الكبير ممكن التنفيذ من قبل شخص غير معصوم ، احسن ما فيه انه يمثل ثقافة عصره ودرجة وعيه من الناحية الاسلامية ؟ ! .. الحق ، اننا ينبغي ان نذعن بان مثل هذا الانسان ، لا يمكن ان يؤهل للقيادة العالمية بأي حال ، وان خصائص المهدي في التصور الامامي ليست بالخصائص الطارئة أو الثانوية ، وانما هي اساسية في تكوين قيادته وتمكنه من تحقيق المجتمع العادل ، كما أراده الله تعالى وكما وعد به . أما الخصيصة الأولى : وهي عصمة الامام المهدي (ع) فتترتب عليها عدة فوائد ، يمكن ان نشير إلى اربعة منها : الفائدة الأولى : كونه وارثاً علم الامامة المتضمن للاسس الرئيسية للفكر القيادي العالمي . . . عن آبائه المعصومين عن رسول الله (ص) عن الله عز وجل . وأنى لمن يوجد في العصور المتأخرة الحصول على ذلك، الا بوحي جديد من الله عز وجل، وهو ما حصل الاجماع من قبل سائر المسلمين على عدم حصوله للمهدي(ع). ولا يخفى ما في الاطلاع على هذه الاسس الرئيسية من زيادة في القدرة على القيادة العالمية ، ان لم تكن ـ في واقعهاـ الطريق الرئيسي الوحيد لذلك وتعذر القيادة العالمية بدونها ، وكلما تعين شيء للقيادة العالمية او كان افضل لها . كان الله تعالى من منجزاً له لا محالة ، لكونه واقعا في طريق الهدف البشري الأعلى ، وكون اختيار عكسه ظلم للبشرية وموجب لتخلف الهدف وكلاهما محال على الله عز وجل ؟ الفائدة الثانية : الشعور بالابوة للبشر اجمعين ، فهو حين يحارب الكافرين والمنحرفين ويقتل العاصين ، لا يشعر تجاههم بحقد او ضغينة وانما يحاربهم من اجل مصالحهم انفسهم ونشر العدل والسعادة في ربوعهم . وايصال الحق إلى اذهانهم . _____ (1) أنظر ص34 وما بعدها. صفحة (40) واجتماع هاتين العاطفتين ، اعني الشعور بالابوة مع قصد القتل ، لا تتوفر لدى أي أحد في التجربة الفعلية للفتح الاسلامي الا اذا كان معصوماً . ومن هنا رأينا الفتح الاسلامي بعد انحسار القيادة المعصومة عنه ، قد تحول إلى مقاصد اخرى لا تمت إلى الشعور بالعطف الابوي على الشعب المغلوب ، بأي صلة ... وانما اصبح الفتح تجارياً محضاً، كما سمعنا طرفاً منه في (تأريخ الغيبة الصغرى)(1). فإذا كان هذا الشعور متعذراً لغير المعصوم في الفتح الاسلامي العالمي ذو النطاق المحدود ،فكيف بالفتح الاسلامي العالمي، بما تزهق فيه من نفوس ، وماتحصل فيه من اموال ، وما يتسع فيه من سلطان . الفائدة الثالثة : عدم الانحراف بالقيادة عن مفهومها الاسلامي الصحيح الذي يشجب استغلالها في سبيل ترسيخ الكرسي والتمسك بدفة الحكم والجشع الشخصي . . . هذه الآثار السيئة والعواطف المنحرفة التي لا يكاد تنفك عن كل من يحكم رقعة من الأرض، او دولة معينة ، فكيف إذا أصبح الحكم عالمياً واصبحت السيطرة والنفوذ في القمة من السعة والشمول .ان الفرد مهما كان صالحا ونقيا قبل هذه القيادة ، سيكون مثل هذه القيادة محكا لانحرافه وطمعه ، لمدى ضغط الدافع الشخصي والمصلحي على الفرد الحاكم ، مالم يكن معصوما بالفعل عن ارتكاب كل قبيح ومعصية في التشريع الاسلامي . الفائدة الرابعة: الدقة الكاملة في التطبيق العالمي للاطروحة العادلة الكاملة ومن ثم الأخد بزمام المجتممع للعبادة المحضة لله عز وجل ، التي هي الهدف الأساسي من ايجاد الخليفة . وهذه الدقة يمكن ان تتوفر للمعصوم بكل سهولة ، بناء على الفهم الامامي للعصمة . وهو ان المعصوم ممتنع عليه الخطأ والنسيان مضافاً إلى عصمته من الذنوب ، وان الامام ( متى أراد ان يعلم شيئا اعلمه الله تعالى ذلك) كما نطقت به الاخبار(2) . فان المشاكل العالمية مهما كثرت وتعقدت ، يمكن للامام التصف بهذه الصفات ، ان يهيء لحلها اقرب الاسباب. ____________ (1) أنظر ص96 وما بعدها. (2) أنظر: الكافي (الاصول) لثقة الإسلام الكليني (مخطوط) في باب بعنوان: أن الائمة إذا شاءوا بعلموا علموا . صفحة (41) ولعل هذا هو السر الأساسي في جعل هذه الصفات للمعصوم واتصافه بها مع انه لا تترتب عليها مصالح الدعوة الإلهية بالمعنى الشخصي . وذلك: انه قد يستشكل في الدليل العقلي التقليدي على العصمة ، بان : غاية ما دل عليه ذلك الدليل هو وجوب عصمته عن الذنوب وعن الكذب في التبليغ والدعوة ، لكي يكون كلامه مؤثراً في الآخرين ومقنعاً لهم . بخلاف ما لو عرفوه محتمل الكذب في حياته السابقة ، فان هذا التأثير لا يحصل لا محالة ، اما عصمته عن الخطأ والنسيان فهو مما لا يشمله ذلك الدليل لإمكان تدراك ما فات بعد الالتفات . والجواب عن ذلك ، على ضوء النتائج السابقة ، ان العصمة عن الخطأ والنسيان مما يتوقف عليه التطبيق العالمي للعدل الكامل(1) . وخاصة في مهمته الأولى، وتحويل العالم الفاسد إلى عالم صالح عادل ، والمفروض في كل معصوم ان يكون على مستوى القيادة الثابتة له نظرياً . اعني ان يكون له من القابليات ما يمنعه من التقصير في تنفيذها . باعتبار ان ايكال الدعوة إلى شخص قاصر عن تطبيقها مستحيل على الله عز وجل ، بل لا بد ان تنسجم دائما مدعيات الدعوة الالهية من الناحية النظرية مع امكان التطبيق على طول الخط . هذا حال المعصوم ، ام الغير المعصوم ، فيتعذر عليه تماما قيادة العالم بالعدل ، وخاصة في تحويل لأول مرة من الظلم إلى العدل ، الأمر المملوء بالمشاكل والعقبات . ولعل أطرف ما يبرر ذلك ، ما روي عن ذي القرنين حين اوكل إليه الله تعالى قيادة العالم ، ولم يكن حاكماً من الناحية العملية إلا على بعض العالم . . . وقد أوحى الله تعالى ، ( يا ذا القرنين انت حجتي على جميع الخلائق ما بين الخافقين من مطلع الشمس الى مغربها . وهذا تأويل رؤياك . _____________ (1) ولا ينافي هذا ما قلناه في التاريخ السابق عن القاعدة القائلة: اذا أراد الامام أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك. فاننا حددناها هناك (ص517) ببعض القبود. ولكنها في ضمن تلك الحدود تكون كافية للقيادة العالمية ، ولا يقتضي الدليل الذي ذكرناه هنا ما هو أوسع من ذلك. صفحة (42) فقال ذو القرنين : ياإلهي انك ندبتني لأمر عظيم ، لا يقدر قدره غيرك . فأخبرني عن هذه الأمة ، بأية قوة اكابرهم ، وبأي عدد أغلبهم وبأي حيلة أكيدهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أكلمهم . وكيف لي بأن اعرف لغاتهم ، وبأي سمع أعي قولهم ، وبأي بصر انقدهم ، وبأي حجة اخاصمهم ، وبأي قلب أعقل عنهم ، وبأي حكمة أدبر أمرهم . وبأي علم اتقن امرهم ، وبأي حلم اصابرهم ، وبأي معرفة أفضل بينهم ، وبأي عقل احصيهم. وبأي جند أقاتلهم ، فإنه ليس عندي مما ذكرت يارب شيء ! فقوّني عليهم ، فانك الرب الرحيم الذي لا تكلف نفساً إلا وسعها ، ولا تحملها إلا طاقتها ) (1). فهذه الرواية تبرز بوضوح صعوبة ممارسة الحكم العالمي . ولئن ذللت المدينة الحديثة بعض هذه المصاعب إلى حد ما ، فانها اضافت إليها مصاعب وتعقيدات جديدة . تزيد في الطين بلة . ولولا ان الله عز وجل وعده بعد ذلك ـ لو صحت الرواية ـ بالتوفيق والتسديد ، لكان من الحق تعذر بل استحالة القيادة الشخصية غير المعصومة للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم ، بل لبعض العالم ، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم كله. نعم ، ترتفع هذه الاستحالة ويقل التعذر ، مع وجود القيادة الجماعية الا اننا سبق ان ناقشناها بالتفصيل في التاريخ السابق(2) ، وسيأتي تطبيق ذلك في مستقبل هذا التاريخ . وسيتضح انه لا يمكن للمهدي ان يأخذ بالقيادة الجماعية الا بعد ان تمر البشرية بتربية طويلة طبقا للمناهج التي يضعها بنفسه . وعلى أي حال ، فقد كان المقصود البرهنه على أهمية الخصيصة الأولى للمهدي (ع) وهي صفة العصمة ، وانه لا يمكن لأي شخص غير معصوم الاضطلاع بمهمة القيادة العالمية. وأما الخصيصة الثانية للامام المهدي (ع) في الفهم الامامي ، وهي كونه القائد الشرعي والوحيد للعالم عامة ولقواعده الشعبية خاصة ، حتى في حال غيبته . . . فتترتب عليها عدة فوائد بالنسبة إلى من يؤمن بقيادته . فان اثرها الكبير في تعميق التمحيص الإلهي وتوسيعه . ___________ (1) انظر إكمال الدين للشيخ الصدوق ( نسخة مخطوطة). (2) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 477 وما بعدها. صفحة (43) فإن الفرد المؤمن بقيادته حال غيبته ، حين يكون على محك التمحيص الإلهي ، الساري المفعول لاجل صقل ايمانه وتعميق اخلاصه وتكميل نفسه . . . إذا اخذ الفرد مفهوم القيادة المهدوي في ذهنه ، فانه سوف ينعكس على سلوكه بكل وضوح . وسيتجه إلى العمل والتضحية اكثر من الفرد الخالي من هذه الفكرة بطبيعة الحال ، وذلك ، لا قتران مفهوم القيادة المهدوية في ذهنه بعدة حقائق . الحقيقة الأولى : كونه جندياً مأمورا موجها بالفعل للعمل في سبيل الله واطاعة احكامه . وان أوامر قائده المهدي (ع) موجودة ومتوفرة لدية متمثلة بالاحكام الاسلامية ، فان المهدي هو المثل الحقيقي للاسلام ، فأوامر الاسلام أوامره ، ورغبات النبي (ص) في امته رغباته . الحقيقة الثانية: كونه مسوؤلا ومحاسبا امام هذا القائد ، ولو بشكل غير مباشر . كيف وأن صوت القائد موجود في ضميره الاسلامي يحمله على الخير ويردعه عن الشر . وهذا الفرد يعلم ان قائده حي مطلع على ما يصدر منه من اعمال ويقيم ما يقوم به من حسنات او سيئات ، فأحرى به ان يدخل السرور عليه بحسناته وان لا يخجل امامه بسيئاته وانحرافه . الحقيقة الثالثة : الشعور بمظلومية هذا القائد حال غيبته ، وبمظلومية البشر البائسة التي اوجبت لها غيبة امامها ومرورها بعصور الظلم والانحراف ، كثيرا من القمع والاضطهاد . الحقيقة الرابعة : الشعور باتنظار هذا القائد ، واحتمال ظهوره وقيامه بدولة الحق في اي لحظة من الزمن . وهذا يستدعي ، بطبيعة الحال ، ان يرعي الفرد تعميق اخلاصه وايمانه وتضحياته في سيبل دينه . . . ليكون له الزلفة لدي امامه وقائده عند ظهور واهلية شرف المشاركة بين يديه في اصلاح العالم وقيادته . إلى غير ذلك من الحقائق التي تكون كل واحدة منها فضلا عن مجموعها من اكبر المحفزات للفرد المؤمن على مزيد العمل والتضحية في الخط الاسلامي الصحيح . وهذا نفسه يوجب النجاح في التمحيص الإلهي بشكل اعمق واسرع بطبيعة الحال . ولا يمكن ان يترتب شيء من هذه الفوائد مع عدم الايمان بقيادة الامام المهدي (ع) وغيبته . وهناك فوائد اخرى تترتب على ذلك ، تكون مشتركة مع الخصائص الآتية بحسب التطيبق والوجود ، ومن هنا كان الأفضل ذكرها مع تلك الخصائص . صفحة (44) الخصيصة الثالثة : وهي عبارة عن معاصرة الامام المهدي (ع) لاجيال طويلة من البشرية . . . ولها عدة فوائد نقتصر منها على فائدتين تعود احداهما على الامام نفسه وتعود الأخرى على البشرية : أما الفائدة التي تعود الى الامام ، فهي ما عرضناه في التاريخ السابق(1) وأقمنا عليه القرائن من ان معاصرة الامام للأجيال توجب اطلاعه المباشر على قوانين تطور التاريخ وتسلسل حوادثه ، الأمر الذي يؤثر تأثيراً كبيراً في عمق قيادته بعد ظهوره. وأما الفائدة التي تعود الى البشر ، فهي باعتبار ما ورد في اخبار المصادر الخاصة من الحاجة إلى وجود الامام حاجة كونية قهرية مضافاً إلى الحاجة القيادية . منها : ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني في الكافي(2) بإسناده عن أبي حمزة ، قال : قلت لأبي عبدالله ـ الصادق ـ (ع) : تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرص يغير إمام لساخت . وما أخرجة بسنده عن أبي هراسة عن أبي جعفر الباقر ـ(ع) ، قال : لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لما بأهلها كما يموج البحر بأهله . وهي تدل بظاهرها ـ بغض النظر عن إمكان حملها على الرمزية ـ بأن بقاء الإمام ضروري لحفظ بقاء الأرض ومن عليها ، حتى يكون لها وجود ونظام كوني كامل يمكن تنفيذ الوعد الإلهي وإنتاج التخطيط العام من خلاله . وهذا إنما يتم مع وجود الإمام معاصراً لكل الأعوام والأجيال البشرية . . . وخاصة بعد الاعتقاد الإمامي المؤيد باخبار العامة(3) بأن الأئمة اثنا عشر للحصول على هذه الفائدة . وقد يكون هذا هوالمراد من قوله امام المهدي (ع) ، فيما روي عنه : واني لأمان لأهل الأرض ، كما أن النجوم امان لأهل السماء (4).\ ________________ (1) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 514 وما بعدها. (2) انظرباب:ان الارض لا تخلو من حجة اصول الكافي ، (نسخة مخطوطة). وكذلك ما بعده . وانظر أيضاً: الغيبة للشيخ الطوسي ص 92 ط النجف. (3) أخرجها البخاري: انظر ج9 ص101 ومسلم انظر ج 6 ج 3-4 وغيرهما من الصحاح وكتب الحديث. (4) انظر ناريخ الغيبة الكبرى ص 54 عن الاحتجاج للطبرسي. صفحة (43) الخصيصة الرابعة : كون الأمام المهدي (ع) على مستوى الاطلاع على الاحداث ، يوماً فيوماً وعاماً فعاماً ، عارفاً بأسبابها ونتائجها . وتحتوي على عدد من الفوائد مضافاً إلى الفائدة الأولى من الخصيصة الثالثة ، أهمها : الحفاظ على المجتمع المسلم ودفع البلاء الواقع عليه من أعدائه عليه . فإن الإمام المهدي (ع) حين يعلم يجريان الأحداث وأسبابها ومسبباتها ، وما قد تؤول إليه من مضاعفات ، وحين يكون مكلفاً إسلامياً برفع الأضرار والدواهي عن المجتمع المسلم ، في بعض الحدود التي ذكرناها في التاريخ السابق(1) ... وقد وعد هو (ع) بذلك فيما وري عنه(2) ... حين يكون كذلك ، فانه لا محالة يقوم بوظيفة المقدسة خير قيام . وقد عرضنا(3) الأسلوب الذي يمكنه (ع) به أن يقوم بالأعمال النافعة خلال غيبتة. هذا مضافا إلى تقييمه للناس والمجتمعات ، طبقا للميزان العميق الذي يحمله ويعرفه ، الأمر الذي يوفر عدة نتائج : منها : اطلاعه على درجة إيمان المؤمنين وإخلاص المخلصين ، واتجاهاتهم السلوكية والعقائدية في الحياة . ومنها : اطلاعه على سلوك المنحرفين والكافرين ، ومحتملات نتائجة على الإسلا م والمسلمين ، لأجل التوصل من ذلك إلى محاولة الحد من تأثيره. ومنها : معرفته بتحقيق شرط اليوم الموعود ، الذي هو يوم ظهوره ، وهو وجود العدد الكافي من الناصرين والمؤازرين له على فتح العالم ومباشرة حكمه بالعدل طبقاً لاحد المحتملات في أسلوب تعرفه على يوم ظهوره، مما سوف يأتي عرضه واختيار الصحيح منه. الخصيصة الخامسة : وهي اتصال الإمام المهدي (ع) بالناس ومحادثته لهم وتفاعله معهم ... ولها ـ على الاقل ـ فائدتان ، إحداهما خاصة بالإمام المهدي (ع) والأخرى عامة للمجتمع المسلم كله. _____________ (1) أنظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص 53 وما بعدها. (2) المصدر ص 167 و ص175. (3) المصدر ص 176. صفحة (46) أما الفائدة الخاصة به (ع) ، فهو اختلاطه بالناس وارتفاع الوحشة عنه ، تلك الوحشة المشار إليها في بعض الأخبار(1) والثابته له على تقدير بعده عن الناس وسكناه في الصحارى والقفار ، كما ورد في رواية ناقشناها في التاريخ السابق(2) . هذا ،مضافاً إلى قضاء حوائجة الشخصية الضرورية لكل إنسان ، بشكل أسهل من أي أسلوب آخر يتخذه في الحياة . وأما الفائدة التي تعم المجتمع كله ، بانصال المهدي (ع) بأفراده ، فهي انه (ع) ، حين يتصل بالناس ، يقوم بوظيفة الإسلامية تجاههم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقريبهم من الطاعة وإبعادهم عن المعصية وحثهم على الأعمال العامة النافعة وبذور الصلاح في الأفراد والمجتمع ... في الحدود وبالشكل الذي سبق ان حولناه على التاريخ السابق . ومن ثم السير قدماً بتحقيق الشرط الثالث من شرائط الظهور، باعتبار أن الناس كلما ازداد إيمانهم واخلاصهم ، كلما كان احتمال تحقق العدد الكافي لغزو العالم أقرب وأوضح . وهذا وينبغي أن نعرف في نهاية الحديث عن خصائص الإمام المهدي (ع) في غيبته : انها خصائص متساندة ومتعاضدة ، باعتبار أن المتصف بها شخص واحد ، فمن المنطقي أن تكون الفوائد المشار إليها منطلقة من مجموع الخصائص وإن كانت بواحدة الصق ونحوها أقرب . وبهذا يتم الكلام عن المدلول الكبرى. وأما المدلول الثالث للغيبة الكبرى ، وهو استتار الامام القائد وخفاء شخصه وعمله ومكانه على الناس ، اعني بصفته الحقيقية . . . . ففائدته الكبرى بالنسبة إلى اليوم الموعود ، هو حفظه (ع) من شر الأعداء للقيام ليبقى مذخوراً بالمهام الكبرى في ذلك اليوم المجيد . _____________- (1) عن الامام الباقر(ع) انه قال: لا بد لصاحب هذا الامر من عزلة،ن ولا بد في عزلته من قوة، وما بثلاثين من وحشة...الحديث. أنظر تأريخ الغيبة الكبرى ص 47 عن غيبة الشيخ الطوسي. (2) وهو ما ورد عن المهدي(ع) نفسه يقول عن أبيه (ع): وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ومن البلاد إلا عفرها..الحديث. صفحة (47) المصدر ص 72. وهذا ما أشرنا إليه في الأخبار : أخرج الشيخ الطوسي في الغيبة(1) بإسناده عن زرارة ، قال : ان للقائم غيبة قبل ظهوره ، قلت : ولم ؟ قال : يخاف القتل . وفي حديث آخر(2) عن زرارة بن أعين أيضاً ، قال سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : إن للغلام غيبة قبل أن يقوم ، قلت : ولم ؟ قال : يخاف . وأوما بيده إلى بطنه . وأخرج الشيخ الصدوق في إكمال الدين(3) بإسناده عن سعيد بن جبير قال : سمعت سيد العابدين علي بن الحسين يقول : في القائم منا سنن من سنة الأنبياء (ع) . . . إلى أن قال : وأما موسى فالخوف والغيبة ... الحديث . وفي حديث آخر(4) عن محمد بن مسلم الثقفي الطحان ، قال : دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلوات الله عليه وعلى آله فقال لي ، مبتدئاً : يامحمد بن مسلم ان في القائم من آل محمد (ص) شبهاً من خمسة من الرسل . . . إلى أن يقول : واما شبهه من موسى فدوام خوفه وطول غيبته وخفاء ولادته . . . الحديث ولعل هذه الفائدة ، هي المصلحة الوحيدة التي بينتها الأخبار للغيبة الكبرى . باعتبارها المصلحة الوحيدة المناسبة مع المستوى الفكري والثقافي الذي كان موجوداً في عصر صدور هذه الأخبار. وثبوت هذه الفائدة واضح ، بعد التسليم بأمرين : الأمر الأول : الفهم الإمامي القائل : بأن المهدي هو الإمام الثاني عشر من الأئمة المعصومين (ع) . الذي هو الفهم الذي ننطلق منه في إثبات أكثر مداليل الغيبة الكبرى كما عرفنا . _________________ (1) ص201 . (2) نفس المصدر ص202 . (3)نسخة مخطوطة غير مرقمة الصفحات. (4) نفس المصدر. صفحة (48) الأمر الثاني: ان الإمام المهدي (ع) لو كان ظاهراً معروفاً بحقيقته ، قبل اليوم الموعود ، لقتله الظالمون لا محالة... بعد التسالم الواضح على أن هدفه الأساسي هو تطهير الأرض من الظلم وتبديل أوضاع الظالمين . إذاً ، فكل من لا يرضى بهذا التبديل ، انطلاقاً من انحرافه ومصالحة الشخصية ، سيكون ضده. وسيكون القضاء على المهدي (ع) متيسراً بأسهل طريق . لأنه ليس له من ينصره أو يدافع عنه ، أو ويوجد من لا يكفي لذلك ، لما عرفناه مفصلاً من أن نصره متوقف على تمخض التخطيط العام عن وجود العدد الكافي لغزو العالم بالعدل . وان هذا لا يتم الا قبيل ظهوره . واما خلال المدة المتخللة قبله فان التخطيط لم ينته بعد ولم ينتج هذا العدد الكافي . إذا فقيامه بالثورة العالمية متعذر تماماً ، ودفاعه عن نفسه بدون ذلك متعذراً أيضاً ، لاقتران وجوده في اذهان الناس بالثورة العالمية . . . إذا فتعين أن يكون غائباً غير معروف وان لا تنكشف حقيقته إلا يوم ظهوره في اليوم الموعود . وذلك من أجل جل أن يبقى مذخوراً لتلك المهمة الأخرى. ومن الواضح أن مقتله يفقد اليوم الموعود قائدة ، الذي لا يوجد غيره . بحسب الفهم الإمامي ، ومن ثم يخل بالدولة العالمية ، وبالهدف العام من خلق البشرية. وقد يخطر في الذهن : ان المهدي (ع) يمكن أن يكون معروفاً ، الا ان الله تعالى يحفظة عن طريق المعجزة ، لأجل تنفيذ اليوم الموعود والهدف العام ... بعد أن عرفنا(1) من قانون المعجزات ، كالطريق الطبيعي غير الاعجازي، متعيناً ، ولا تحدث فيه معجزة . وجواب ذلك : اننا عرفنا إلى حنب ذلك من قانون المعجزات انه متى أمكن السير نحو الهدف بدون معجزة ، كان الطريق الطبيعي غير الاعجازي ،متعيناً ، ولا تحدث فيه معجزة . فبالنسبة إلى المهدي (ع) حين كان هو الامام الثاني عشر من المعصومين (ع) ، ولا إمام بعده ، كان حفظه لليوم الموعود واطالة عمره متعينا بالمعجزات ، ولا بديل لذلك . ومن أجل هذا حدثت المعجزة وطال عمره . وأما حفظه لذلك اليوم بمعنى دفع القتل عنه ، فهذا يتعين عن طريق المعجزة . بل يمكن أن يكون عن طريق الغيبة أيضاً ، وهي طريق طبيعي واضح ، كما سبق أن برهنا في التاريخ السابق(1) لا يتضمن في أساسه الا غفلة كل أفراد البشر عن حقيقته وعدم العلم بكونه هو المهدي ، ومن ثم لا يوجد عند أحد القصد إلى قتله . بصفته مهدياً . وقلنا انه إذا أمكن الطريق الطبيعي ، ولا تقوم المعجزة بتنفيذه. __________________ (1) انظر تأريخ الغيبة الكبرى ص38 . صفحة (49) وبمعرفتنا مداليل الغيبة الكبرى ونتائجها الكبرى بالنسبة إلى الأمة الاسلامية خاصة والبشرية عامة . وبالنسبة إلى الإمام المهدي (ع) خاصة وتنفيذ اليوم الموعود عامة ... يتبرهن لدينا بوضوح أهمية الغيبة الكبرى ، وكونها رئيسياً في التخطيط الإلهي العام لا يمكن الإستغناء عنه . واما مع الأخذ بالفهم غير الإمامي للمهدي وكونه شخصاً يولد في زمانه وسيوقف للثورة العادلة في حينه . ان مثل هذه القائد لن يستطيع بأي حال قيادة العالم قيادة عادلة عادة ، ولو فرضنا ـ جدلاً ـ انه استطاع ذلك لفترة، فهو لا يستطيع ضمان بقاء التطيبق الإسلامي على الدوام ، كما هو المفروض في دولة المهدي وسيأتي الإستدلال عليه . وينطلق الحكم بعدم استطاعة مثل هذا الإنسان القيام بهذه المهمة ، من حقيقة عدم لياقته لذلك ، وقصوره عنه قصوراً تاماً ، بعد كونه فاقداً لكل النتائج التي عرفناها للغيبة الكبرى . وبخاصة صفة العصمة التي يكون فاقداً لها ولكل خصائصها المهمة . وأما المدلول الأول الذي يشمل الفهم غير الإمامي للمهدي ، فنتائجه تظهر في الأمة أو البشرية ، وليس لها نتائج خاصة بالمهدي كما مر. صفحة (50) الفصل الثالث توقيت الظهور من ناحية شرائطه وعلاماته . إن اهم الفروق بين شرائط الظهور وعلاماته ، هو أن الشرائط عدة خصائص لها التأثير الواقعي في ايجاد يوم الظهور والنصر فيه وانجاز الدولة العالمية ، ولولاها لا يمكن أن يتحقق سواء وجدت أو لم توجد وانما هي أمور جعلت من قبل الله سبحانه وبلغت إلى البشر من قبل الصادقين قادة الإسلام الأوائل . بصفتها دوالاً وكواشف عن قرب الظهور، إذا كانت منم العلامات القريبة ، أو عن أصل حصوله ، لو كانت من العلامات البعيدة ، وذلك : ليكون الأفراد المنتظرون لذلك اليوم المختارون للعمل فيه نتيجة لنجاحهم التام في التمحيص ، بحالة التهيؤ النفسي الكامل لا ستقباله عند حدوث العلامات القريبة . وهذا هو الذي قلناه في التاريخ السابق وعرفنا فيه عدة فروق بين الشرائط والعلامات بالنسبة إلى ما بعد الظهور . عرفنا في الفصل الأول : أن المهم المتبقي مما لم يحدث إلى الآن من شرائط الظهور ، ولم يتمخض التخطيط الإلهي عن ايجاده ، أمران : الأمر الأول : تربية الأمة ككل من الناحية الفكرية ، حتى يكون لها القابلية لاستيعاب وفهم وتطبيق القوانين الجديدة التي تعلن بعد الظهور. الأمر الثاني : تربية العدد الكافي للنصر في يوم الظهور من الأفراد المخلصين الكاملين الممحصين ، الذين يكونون على مستوى التضحية والفداء لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة . صفحة (51) وهذان الأمران يحدثان تدريجاً نتيجة للتربية الطويلة البطيئة للأمة ، تحت الظروف والخصائص التي سبق ان عرفناها . وسوف لن يتمخض التخطيط الإلهي لايجادهما الا قبيل الظهور . وبتعبير آخر: انهما عندما يتحققان يكون اليوم الموعود نافذاً بجميع شرائطة ، ومعه لا يمكن أن يكون متخلفاً أو متأخراً عن ذلك . واما الاطلاع على انهما تحققا فعلاً أو لم يتحققا ، فهو مما لا يمكن أن يعرفه الناس الا عند الظهور ، لأنه يكون دالاً على تحققهما قبله لا محاله ولا يحصل هذا الاطلاع عند البشر إلا للإمام المهدي نفسه ، على ما سنذكره في فصل قادم . وهذان الشرطان يكونان مقترنين في تطورهما التدريجي ، والوصول إلى الغاية المطلوبة . وبخاصة وهما لا يتضمنان في مفهومهما مقداراً محدداً غير قابل للزيادة . إذ في الامكان تطور الأمة من الناحية الفكرية والإخلاص على الدوام . غير أن لهذين الأمرين (حد ادنى) يصلح أن يقوم عليه اليوم الموعود ومع تحقق هذا الحد الأدنى لكلا الشرطين معاً يكون اليوم الموعود واقعاً ونافذاً لا محالة . ويكون التطور الزائد في جوانب الأمة الإسلامية موكولا ً إلى ما بعد الظهور . وهذان الشرطان متشابهان في التطوير إلى حد كبير ، تبعاً لازياد الظلم والانحراف ، المنتج لهما معاً . ولكن لو فرض أن أحدهما كان اسرع من الأخر ، فترة من الوقت ، بحيث وصل إلى الحد الإدنى المطلوب قبل الآخر كما يتصور ـ عادة ـ في الجانب الفكري ، فانه أسرع تطوراً من جانب الإخلاص وقوة الإرادة ، كما برهنا عليه في التاريخ السابق(1) ... هو حصول الحد الأدنى من العدد الكافي من الجيش الفاتح للعالم ، مع تعمق القابلية الفكرية للأمة أكثر دقة ورسوخاً . وكذلك لو فرض تطور الإخلاص أكثر من القابلية الفكرية ، فإنه مما لا ضير فيه ، إن لم يكن أكثر نفعاً بالنسبة إلى يوم الظهور . _______________ (1) انظر تأريخ الغيبة الكبرى ص265 . صفحة (52) وعندما يتكامل هذان الشرطان ، تكون كل الشرائط المطلوبة قد اجتمعت في زمن واحد . فالأطروحة العادلة الكاملة موجودة بين البشر ، متمثلة بتعاليم الإسلام كما برهنا عليه في التاريخ السابق(1) .والأمة قد ترتب على فهمها بدقة واتقان ، وأصبحت قابلة لتفهم القوانين الجديدة التي تكون على وشك الصدور في اليوم الوعود . والقائد موجود متمثل بالإمام المهدي (ع) على كلا الفهمين الإمامي وغيره . والعدد الكافي من الجيش العقائدي القيادي متوفر لفتح العالم ونشر العدل والسلام بين ربوعه مع وجود العامل المساعد المهم وعو انكشاف نقاط الضعف لكل التجارب البشرية والمبادئ والقوانين الوضعية السابقة على الظهور ، واليأس من حل بشري جديد ، كما سبق أن اوضحناه في التاريخ السابق(2). وإذا اجتمعت هذه الشرائط . كان تنفيذ الوعد الإلهي والغرض الأهم من الخلق ضرورياً ،لاستحالة تخلف الوعد والغرض في الحكمة الإلهية الأزلية . ومن هنا نعرف أن وقت الظهور ، منوط باجتماع هذه الشرائط . ومن أجل ذلك ، قد يخطر في الذهن منافات ذلك مع ماورد في اخبار المصادر الخاصة من نفي التوقيت وتكذيب الوقاتين . كرواية الفضيل ، قال : سألت أبا جعفر (ع) : هل لهذا الأمر وقت ؟ ... فقال : كذب الوقاتون كذب الوقاتان ، كذب الوقاتون . وعن أبي عبد الله الصادق (ع) : كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ، ونجا المسلمون ، وإلينا يصيرون . وعنه (ع) : من وقت لك من الناس شيئاً ، فلا تهابن أن تكذبه فلسنا نوقت لأحد وقتاً(3) . وأخرج النعماني عن أبي بكر الحضرمي ، قال : سمعت أبا عبدالله ( ع) يقول : انا لا نوقت هذا الأمر(4). وهذه الأخبار بعدد قابل للإثبات التاريخي ، وواضحة الدلالة على نفي التوقيت . فلو كان ما ذكرناه من اقتران اليوم الموعود بشرائطة توقيتاً له . إذا يجب تكذيبه جملة وتفصيلاً . _________________ (1) المصدر ص 261. (2) تأريخ الغيبة الكبرى ص249 وغيرها. (3) الغيبة للشيخ الطوسي ص262 ... الاخبار الثلاثة كله (4) الغيبة للنعماني ص 155. صفحة (53) إلا أنه من حسن الحظ ! ان التوقيت المنفي ليس هو ذلك بل المراد به ـ بوضوح ـ تحديد الوقت بتاريخ معين ، كما لو قيل ـ مثلا ـ إن الظهور أو اليوم الموعود ، يكون في سنة الفين ميلادية أو في سنة الفين هجرية . والقرينة على ذلك ، ما ورد من الأخبار التي تنفي توقيتاً معيناً : كالذي أخرجه النعماني(1) باسناده عن عمار الصيرفي قال: سمعت ابا عبدالله (ع) يقول : قد كان لهذا الأمر(2) وقت ، كان في سنة أربعين ومائة ، فحدثتم به وأذعتموه ، فأخره عزوجل . وعن أبي الثمالي قال سمعت ابا جعفر (ع) يقول : يا ثابت ان الله كان قد وقت هذا الأمر في سنة السبعين . فلما حدثناكم بذلك أذعتم وكشفتم قناع الستر ، فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك عندنا وقتاً ، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب . وفي هذه الأخبار بعض المفاهيم وبعض المناقشات ، لا مجال للدخول فيها . ولكنها لا تضر بما نريده الآن من انها دالة على أن المراد من التوقيت تحديد الوقت بتاريخ معين ، فإن الروايات الأخص تكون قرينة على الأعم . وهذا النحو من التوقيت فيه عدد من نقاط الضعف : النقطة الأولى : إنه جزاف بدون أي دليل . كيف وقد أجمع المسلمون على أن وقت اليوم الموعود موكول إلى علم الله عزوجل . مع الغموض التام بالنسبة إلى الناس .. بل ظاهر الرواية الأخيرة انه خفي حتى على المعصومين أنفسهم . ومن هنا يكون ذكر أي تاريخ معين جزافاً محضاً وكذبأً صريحاً . النقطة الثانية : ان تاريخ الظهور لو كان محدداً معروفاً ، لكان من أشد العوامل على فشل الثورة العالمية وفناء الدولة العادلة ، فإنه يكفي أن يحتمل الأعداء ظهوره في ذلك التاريخ ، ولو اعتبار المسلمين ذلك . فيجتمعوا على قتله في أول أمره وقبل اتساع ملكه واستتباب أمره . __________ (1) المصدر ص 157 وكذلك الخبر الذي بليه. (2) المراد من هذا الأمر ما يشمل ظهور المهدي(ع) وليس خاصاً بذلك. وفي بعض الروايات ما هو خاص به كذلك أخرجه النعماني عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ع) قال قلت له:جعلت فداك متى خروج القائم عليه السلام . فقال: يا أبا محمد ، إنا أهل بيت لا نوقت. وقد قال محمد (ص) كذب الوقاتون ... الحديث ( غيبة النعماني ص155 وما بعدها). صفحة (54) ولذا اقتضى التخطيط الإلهي ، من أجل إنجاح اليوم الموعود ، أن يكون الظهور فجائياً ، مثاله مثال الساعة لا يجليها لوقتها ، كما نطقت بذلك الأخبار وسنرى ما لعنصر المفاجأة من أثر فعال في نصره . النقطةالثالثة : ان الامة الاسلامية حين يكون التخطيط الالهي قد انتج نتيجته فيها ، ولم يصبح بعد على مستوى مسؤولية اليوم الموعود ، فإنها تكون مقصرة بالنسبة إلى كل حدود ومقدماته ... وتكون هذه الحدود والمقدمات فوق مستواها العقلي والثقافي والديني . ومن هنا لم يتورع الناس عن افشاء التوقيت الذي كان فيما سبق ، ولو أعطوا وقتاً جديداً لأفشوه أيضاً لا محالة . . . ومن هنا الغي التوقيت ، كما سمعنا من هذه الأخبار . وهذا أيضاً أحد الأسباب في تحريم تسمية الإمام المهدي (ع) خلال غيبته الصغرى ، كما سمعنا في تاريخها(1) فإنهم ان عرفوا الاسم أذاعوه وإن علموا بالمكان دلوا عليه . وهذا القصور العام في الأمة هو المشار إليه في بعض الأخبار ، كقول الإمام موسى بن جعفر (ع) : يابني عقولكم تضعف عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله . ولكن إن تعيشوا تدركوه(2) . فإن المراد بالعقول ما نسمية بالمستوى الفكري والثقافي ، والمراد بالأحلام ما نسمية بالإخلاص وقوة الإرادة وكون الأمة على مستوى المسؤلية . . . وكلاهما ضعيفان بمنطوق الرواية .كما دل عليه البرهان أيضاً . وليس المراد من هذه الرواية وأمثالها ما يفهمه بعض الناس ، من امتناع التعرف على مصلحة الغيبة ، وخفاء مصلحة وجود الإمام خلالها . . . بعد كل الذي سبق أن عرضناه في كتب هذه الموسوعة مستفاداً من القرآن الكريم والسنة الشريفة نفسها . النقطة الرابعة : ان وقت الظهور وإن كان محددا في علم الله الأزلي ، لكنه بالنسبة إلى علله وشرائطة ينبغي أن لا يفترض له وقت محدد . __________ (1) انظر تأريخ الغيبة الصغرى ص277 وما بعدها. (2) روته النعماني في غيبته ص78 ونقلناه في تأريخ الغيبة الكبرى ص11. صفحة (55) فإن تحديد التاريخ يمكن أن يكون على مستويين : المستوى الأول : علم الله الأزلي بالأشياء منذ القدم ، المتعلق بكل الممكنات أو المخلوقات بأسبابها ومسبباتها. المستوى الثاني: وجود المعلول بالنسبة إلى وجود علته ، فإن المعلول يحدث متى حدثت علته ، بلا دخل للزمان في ذلك أصلا ً . مثاله : إننا لو نسبنا تاريخ اكمال بناء البيت بالنسبة إلى القوى المادية والبشرية العاملة فيه ، كان تاريخه منوطاً بتحقيق هذه المكونات ، حتى ما إذا وضع البناء آخر حجر في كيان الدار ، تكون هذه الدار قد انتهت ، بغض النظر عن طول زمن البناء وقصره . . .فانه قابل للاختلاف حسب الظروف والطوارئ والقابليات والإمكانيات . وحيث يبرهن فلسفياً بأن علم الله تعالى الأزلي المتعلق بالأشياء ليس علة لها ، وانما يتعلق بها ويكشف عنها على ما هي عليه في الواقع ، إذا، ففي الإمكان قصر النظر عن تعلق ذلك العلم به معه يكون المستوى الثاني للتوقيت صحيحاً ، ويكون وجود الشيء منوطاً بوجود علته واجتماع شرائطة ومكوناته ، من دون أن يكون الزمن ملحوظاً في تحديد حدوثة على الاطلاق . . . بل قد يكون قابلاً للزيادة والنقص ، كما قلنا . ومن هذا القبيل ، يوم الظهور . فإننا لو غضضنا النظر عن علم الله الأزلي لم يبق لدينا أي وقت محدد له ، وأنما هو منوط بحصول شرائطه وعلله . فمثلا ً نقول : متى اجتمع العدد الكافي للغزو العالمي بالعدل الكامل . من المخلصين الممحصين ، كان يوم الظهور ناجزاً ، سواء كان زمان وجودهم والفترة التي تحققهم طويلة جداً أو قصيرة . وهذا دليل آخر على أن التوقيت بمعنى تحديد التاريخ المعين جزاف محض . وهذا هو مرادنا من التوقيت الذي برهنا عليه . وهو توقيت إجمالي يخلو من التحديد بالومان تماماً . فلا يكون قولاً جزافاً ولا واجب التكذيب . كما لا يكون تحديده الإجمالي خطراً على الأمام المهدي وموجباً لفشل مهمته بعد الظهور . هذا تمام الحديث في توقيت الظهور باعتبار شرائطة . وأما توقيت الظهور باعتبار علاماته . فقد سبق أن عرفنا في التاريخ السابق جملة من العلامات ، وفحصنا ادلتها ودقفنا في معانيها . . . ولنا موقف آخر معها في الباب الثاني الآتي من هذا التأريخ. صفحة (56) والمهم هنا هو أن نعرف ان العلامات على قسمين : القسم الأول : علامات واردة في الأخبار ، ولا على تقع قبل الظهور بزمن قليل بل على ان تقع قبله ، ولو بزمان بعيد وأمد طويل . وقد عرفنا في التاريخ السابق ان أغلب هذه العلامات قد تحققت وصدقت بها الأخبار . إلا إنها في واقعها لا تحتوي على أي توقيت بالنسبة إلى الظهور. وإنما لها فوائد أخرى . أهمها : أن الخبر الوارد إذا قرن الحادثة بالظهور وانها واقعه قبله في الجملة . ثم رأينا الحادثة قد حدثت ، فنعرف أن الخبر صادق في بإخباره عن الحادثه علامة على الظهور . القسم الثاني : من العلامات ما صرحت الأخبار بقرب حصوله من زمن الظهور . وقد قلنا في التاريخ السابق(1) ان هذا النحو من العلامات وإن لم يكن له ارتباط سببي بيوم الظهور ، إلا أنه مما جعله الله تعالى تنبيهاً لخاصة أوليائه المخلصين الممحصين علامة على قرب الظهور ، ليكونوا على الأستعداد التام من الناحية النفسية والعقائدية لاستقبال إمامهم وقائدهم ، وتلقي مهامهم ومسؤولياتهم عنه . بل إن التهيؤ النفسي غير خاص بالممحصين ، بل شامل لكل مسلم مسبوق بوجود هذه العلامات ، وخاصة بعد تحققها والتأكد من صدق الإخبار السابق عنها . غير أن تهيؤ الأفراد لاستقبال الظهور يختلف باختلاف درجة ثقافتهم وايمانهم ووعيهم ويكون أحسن أشكال التهيؤ صادراً ـ بطبيعة الحال ـ من المخلصين الممحصين . وسيكون لهذه الفكرة نتائجها في مستقبل هذا البحث . وهذا القسم من العلامات يتضمن التوقيت بوضوح ، ويشير إلى قرب حصول الظهور ومن هنا أمكن التهيؤ لاستقباله . إلا إنه قد يخطر في الذهن سؤالان حول ذلك : السؤال الأول : إن هذه العلامات كما تنبه المخلصين الذين يعدون أنفسهم للفداء بين يدي المهدي (ع) : كذلك تكون منبهة لاعداء المهدي (ع) ، فيعدون أنفسهم للقضاء عليه وطمس حركته ، في أول حدوثها. _____________ (1) انظر تأريخ الغيبة الصغرى ص530. صفحة (57) وهذا سؤال أثرناه في التاريخ السابق ، وأجبنا عنه مفصلاً(1). ومجمل الفكرة : أن الأعداء سوف لن يلتفوا إلى حصول هذه العلامات ، ولو التفتوا فإنهم لن يعلموا انها من قبيل العلامات إلى ظهور المهدي (ع) . ولو علموا فإنهم لن يستطيعوا التألب عليه . لأنه يظهر في زمان غير مناسب لذلك ، على ما سنرى في فصل قادم . ولو فرضنا أنهم التفتوا وتألبوا ، فلا يكون ذلك مجدياً أيضاَ ، لما سنعرفة في المستقبل البحث من أن المهدي (ع) ، لن يعلن عن أهدافه الكاملة لأول وهله ، ومن هنا فلن تلتفت الدول إلى خطره المباشر عليها ، إلا بعد أن تقوى شوكته ويتسع سلطانه . إذاً ، فلو كانوا تألبوا فإنهم سوف لن يستعملوه ضده إلا بعد فوات الأوان . السؤال الثاني : إن التوقيت بهذه العلامات ، مناف للأخبار النافية للتوقيت والآمرة بتكذيب الوقاتين . والجواب على ذلك ، يكون على مستويين : المستوى الأول: أن ننظر إلى الزمان المتخلل بين وقوع هذه العلامات كزماننا هذا ... ونقول : بأن هذه العلامات لو وقعت لدلت على قرب الظهور . وهذه قضية صادقة لا تشمل على التوقيت المنهي عنه على الإطلاق وانما هي توقيت إجمالي ، كالذي قلناه في شرائط الظهور تماماً من أنها : لو حصلت لظهر المهدي (ع) . فإن عدم الاطلاع على زمان وقوع هذ العلامات مستلزم بطبيعة الحال لجهالة زمان الظهور وعدم تحديده ، ذلك التحديد المنفي من الاخبار. المستوى الثاني : أن ننظر إلى الزمان المتخلل بين وقوع هذه العلامات وبين الظهور فإن كل فرد يشاهد إحدى العلامات القريبة ، من حقه أن يقول : أن المهدي (ع) سيظهر بعد قليل . ويمكن أن نفهم هذا القول على شكلين : الشكل الأول: إن هذا القول لا يحتوي على تحديد معين للوقت ، باعتبار أنه يبقى مردداً بين اليوم والأيام ، بل بين العام والأعوام ، فإن تخلل عشرة أعوام مما بين ظهور العلامة القريبة وظهور المهدي (ع) ، غير ضائر بكونها قريبة ، لضآلة هذه الأعوام العشرة تجاه الزمان الطويل السابق عليها ومعه فلا تكون تحديداً ، ولا تندرج في الأخبار النافيه للتحديد. ____________ (1) المصدر السابق ص 532. صفحة (58) الشكل الثاني : ان نتنازل عما قلناه في الشكل الأول ، ونقول : إن هذا القول ، أعني : أن المهدي سيظهر بعد قليل ... يتضمن التحديد والتوقيت إذاً ، فلا بد من الالتزام بأن الأخبار الدالة على وقوع العلامات القريبة مخصصة لأخبار التكذيب وخارجة عن مدلولها . وتكون النتيجة : ام كل تحديد لتاريخ يوم الظهور كذب وواجب الرفض إلا إذا كان مستنداً إلى حدوث علامة من العلامات القريبة ، فإنه يكون صادقاً وجائز التلقي بالقبول. ولأجل ذلك ـ في الحقيقة ـ وضعت هذ العلامات ، وهو تأكد المخلصين الممحصين من قرب الظهور . ومعه فمن غير المحتمل بقاء التحديد كاذباً ومحرماً إلى ذلك الحين .كما أنه ليس جزافاً من القول بعد استناده إلى العلامة التي سمع بوقوعها في يالأخبار ، وقد رآها متحققة في عالم الوجود . مع العلم ، ان هذ العلامات لا تدل على أكثر من أقتراب اليوم الموعود وأما تحديده باليوم والشهر ونحوه . فيبقى سراً في علم الله تعالى ، حتى يتحقق الظهور. صفحة (59) الفصل الرابع الايديولوجية العامة التي يتبناها المهدي (ع) تجاه الكون والحياة والتشريع والذي نريد التعرف عليه في هذا الصدد ، هو الاطلاع الكامل على العمق الحقيقي للوعي الذي ينشره الإمام المهدي في المجتمع ، ولا تفاصيل الأسس العامة التي تبتني عليها الايديولوجية يومذاك . فإن ذلك مما يتعذر الإطلاع عليه قبل يوم الظهور ، كما ذكرنا في التمهيد . وانما الذي نثير التساؤل عنه ونحاول التعرف عليه الآن ، هو بعض العناوين العامة التي يتصور اتجاه الايديولوجيه المهدوية نحوها أو التي قد يخطر في الذهن ذلك منها . معه يكون التساؤل مثاراً عن أمور أربعة: الامر الأول : الدين يعتنيه المهدي (ع) ، ويعلنه في العالم . الأمر الثاني : المذهب الذي يتخذه (ع) . الأمر الثالث : التساؤل عما إذا كان يتبنى بعض المفاهيم المحددة الضيقة كالعنصرية والقومية والوطنية ونحوها . الأمر الرابع : التساؤل عما إذا كان نظامه مشابهاً في المفهوم أو المدلول مع الأنظمة السابقة على الظهور ، كالرأسمالية والإشتراكية ، أو لا ؟ ونتكلم عن كل من هذه التساؤلا ت الأربعة ، في ضمن جهة من الكلام . الجهة الأولى : في الدين الذي يتبناه الإمام المهدي (ع) ويحكم العالم على أساسه . وهو دين الإسلام بصفته الأطروحة الكامله التي تحقق العبادة الحقيقية العبادة الحقيقية المستهدفه من خلق البشرية أساساً ، كما سبق أن عرفنا . صفحة (61) ويتم الاستدلال على ذلك بعدة أساليب ، نذكر منها ما يلي : الأسلوب الأول : أن نستعرض بعض الظواهر المهمة لنتائج العدل السائدة في دولة المهدي ... فإذا عطفنا على ذلك انحصار العدل الكامل بالإسلام ، إذا ، فهذا الأسلوب متوفق على مقدمتين : المقدمة الأولى : استعراض بعض الظواهر المهمة والنتائج العظيمة للعدل السائد في دولة المهدي العالمية . وهذا بتفاصيله موكول إلى الباب الثالث من القسم الثاني من هذا التاريخ وإنما نقتصر في المقام على ذكر بعض الأمثلة . فمن ذلك ما أخرجه ابن ماجه(1) عن أبي سعيد الخدري : أن النبي (ص) قال : يكون في أمتي المهدي . . . فتنعم فيه أمتي نعمة لم ينعموا مثلها قط . تؤتي اكلها ولا تدخر منهم شيئاً . والمال يومئذ كدوس ، فيقوم الرجل فيقول : يا مهدي عطني فيقول : خذ . وما يرويه البخاري(2) عن ابي هريرة : أن رسول الله ( ص) قال ، ـ في حديث ـ : ومتى يكثر فيكم المال فيفيض ،حتى يهم رب المال من يقبل صدقته ، ومتى يعرضة فيقول الذي يعرض عليه لا أرب لي به . وقد برهنا في التاريخ السابق(3) بانحصار حدوث هذه الكثرة من المال في دولة المهدي (ع) دون ما قبلها . مضافاً إلى دلالة هذه الأخبار المروية هنا . وما أخرجه مسلم في صحيحه(4) عن ابي سعيد وجابر بن عبدالله قالا : قال رسول الله (ص) : يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده . وما أخرجه الشيخ المفيد في الإرشاد(5) عن المفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : ان قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها . إلى أن قال : وتظهر الأرض من كنوزها حتى يراها الأرض على وجهها . ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته ، فلا يجد أحداص يقبل منه ذلك ، واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله . _____________ (1) أنظر السنن ج2 ص1367. (2) انظر الصحيح ج9 ص74 . (3) انظر نـريخ الغيبة الصغرى ص 231 و ص335. (4) ج8 ص 185 . (5) أنظر ص342. صفحة (62) ومثل ذلك ما ورد في كتاب العهدين في وصف دولة العدل المنتظرة ، كقوله(1) : وتنفتح أبوابك دائماً(2) نهاراً وليلاً لا تغلق ، ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملكهم ، لأن الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد ، وخراباً تخرب الأمم . كقوله : بل يقضى بالعدل للمساكين ، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ، ويضرب الأرض بقضيب فمه ،ويميت النافق بنفخة شفتيه ....فيسكن الذئب مع الخروف و يربض النمر مع الجدي ... والبقر والدبة ترعيان ، تربض أولادهما معاً . والأسد كالبقر يأكل تبناً .ويلعب الرضيع على سرب الصل .ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان ، لا يسوؤن ولا يفسدون . في كل جبل قدسي .لأن الأرض تمتلىء من معرفة الرب (1). إلى غير ذلك من النصوص في كتب العهدين . ولكل من هذه النصوص تحليله وتفسيره الذي سيأتي في مستقبل البحث ... وإنما المراد الإلمام في الجملة بحالة السعادة والرفاه التي يعيشها شعب المهدي (ع) – وهو كل البشرية – في دولته وتحت نظامه . المقدمة الثانية : انحصار العدل الكامل في الإسلام . وهذا يحتاج إلى بحث عقائدي لسنا الآن بصدده ، وإنما نشير الآن إلى خلاصة نتائجه : وهي أننا بعد أن علمنا الإسلام هو آخر الشرائع السماوية ، وأن العقل البشري قاصر عن إيجاد العدل الكامل في العالم .وأن الله تعالى وعد في كتابه الكريم بتطبيق العدل الكامل والعبادة المحضة على وجه الارض، بل كان هذا هو الغرض الأساسي للخلق . ____________ (1) أشعيا :60/ 13 صفحة (63) (2) مرجع ضمير المؤنث المخاطب هو (اورشليم ) عاصمة بني اسرائيل في نظر اليهود .ولكننا سنبرهن في الكتاب القادم على انحصار صحة هذه النبؤات بدولة المهدي (ع) ، وإنما ذكرت اورشليم باعتبارها العاصمة الدينية المهمة في نظر اليهود .فإن انتقلت الأهمية إل غيرها انتقلت النبؤات أيضاً ، لأنه تتبع الدين الحق حيث يكون. (3) أشعيا : 11/ 4-8 إذن فينحصر أن يكون هذا العدل المشار إليه هو الإسلام لعدم إمكان حصوله من العقل البشري وعدم إمكان نزول شريعة أخرى بعد الإسلام . وإذا تم الأسلوب الأول وبكلا مقدمتيه ، عرفنا أن كل ما ذكر من أنحاء وأنواع السعادة والرفاه الموجود في دولة المهدي (ع) ، دولة الحق والعدل المنتظرة ، هو في الحقيقة نتيجة لتطبيق مفاهيم وقوانين ألإسلام فيها إذاً فقد تبرهن : أن الدين الإسلامي الذي يعتنق والقانون الذي يتخذ في تلك الدولة هو الإسلام ، بقيادة القائد العظيم الإمام المهدي (ع) . الأسلوب الثاني : أن نستعرض نصوص الأخبار الدالة على أن الإمام المهدي (ع) يطبق الإسلام بالخصوص . وهي على عدة أقسام : القسم الأول : الأخبار الدالة على أن المهدي من النبي (ص) ومن عترته ومن أمته ومن أهل البيت .وإذا كان المهدي متصفاً بهذه الصفات ، فهو على دين الإسلام بالضرورة . أخرج أبو داوود(1) ونعيم بن حماد والحاكم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله (ص) : المهدي مني ... الحديث. وأخرج أحمد والباوردي في المعرفة وأبو نعيم عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله (ص) :أبشركم بالمهدي رجل من قريش من عترتي ... الحديث وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة : سمعت رسول الله (ص) يقول : المهدي منا أهل البيت ، رجل من أمتي ...الحديث. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حماد في الفتن عن علي قال: قال رسول الله (ص) :المهدي منا أهل البيت ... الحديث . وأخرج (2) ابن أبي شيبة و الطبراني والدارقطني في الإفراد وأبو نعيم والحاكم عن ابن مسعود ، قال: قال رسول الله (ص) : لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي ... الحديث . ___________ (1) انظر الحاوي للفتاوي للسيوطي ج2 ص124 .وكذلك الأخبار الأربعة التي تليه . (2) المصدر ص125 و كذلك الخبر الذي يليه . صفحة (64) وأخرج الطبراني عن ابن مسعود عن النبي (ص) قال: لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيه رجل من أهل بيتي. إلى ذلك من الأخبار ، ودلالتها على المطلوب أوضح من أن تخفى . القسم الثاني: الأخبار الدالة على أن المهدي (ع) يحكم الأمة الإسلامية على الأخص .وهو حين يحكمها بصفتها الإسلامية ، فسوف لن يكون حكمه إلا بالإسلام . أخرج الترمذي (1) وحسنه ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: إن في أمتي المهدي يخرج الحديث. أقول : يخرج فيها يعني يحكمها . وأخرج نعيم بن حماد وابن ماجة عن أبي سعيد ، أن النبي (ص) قال : يكون في أمتي المهدي ... الحديث . وأخرج (2) أحمد ومسلم عن جابر، قال: قال رسول الله (ص) يكون في أهر أمتي خليفة... الحديث. القسم الثالث : الأخبار الدالة على تطبيق المهدي (ع) للإسلام و سنة النبي (ص) . أخرج الطبراني في الأوسط (3) وأبو نعيم عن أبي سعيد : سمعت رسول الله (ص) يقول : يخرج رجل من أهل بيتي يقول بسنتي . الحديث . وأخرج – يعني نعيم بن حماد -(4) عن علي عن النبي (ص ) ، قال : المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي ، كما قاتلت أنا على الوحي . وأخرج ابن حجر في الصواعق (5) قال : وصح انه (ص) قال : يكون اختلاف عند موت خليفة ...إلى أن قال : ويعمل في الناس بسنة نبيهم (ص) ويلقى الإسلام بجرانه على الأرض . _____________ (1) المصدر ص126 وكذلك الخبر الذي يليه . (2) المصدر ص131. (3) المصدر والصفحة (4) المصدر ص148. (5) انظر ص98. صفحة (65) وروى الشيخ الطوسي في الغيبة (1) عن أبي جعفر الباقر (ع) ، قال : ويقتل الناس حتى لا يبقى إلا دين محمد (ص) .. الحديث . واخرج أبو يعلى(2) عن أبي هريرة قال : حدثني خليلي أبو القاسم (ص) قال : لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي ، فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق ... الحديث . أقول : الحق في نظر رسول الله هو الإسلام . وروى الشيخ المفيد في الإرشاد(3) عن المفضل بن عمر الجعفي ، قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (ع) يقول: إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم لى حقه ، وأن يسير فيهم بسنة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله .... الحديث . القسم الرابع : من لأخبار ، ما دل على أن المهدي (ع) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً . وهي أخبار متوترة مروية عن النبي (ص) وقادة الإسلام الأوائل .وهم يرون أن القسط والعدل هو الإسلام ليس إلا ، فيكون المعنى اعتناق وتطبيق الإمام المهدي (ع) للإسلام عقيدة ونظاماً . وقد أحصى الصافي في منتخب الأثر (4) لهذه العبارة الكريمة مائة وتسعة وعشرون حديثاً ، وقد روتها المصادر العامة بكثرة بما فيها الصحاح كأبي داود وابن ماجة والترمذي إلى مصادر أخرى كثيرة ذكرناها في التاريخ السابق(5) مضافاً إلى مصادر علماء الإمامية ومصنفيهم فإنها أكثرمن أن تحصى . _____________ (1) انظر ص 283. (2) الحاوي للفتاوي ص131 (3) انظر ص 342 وما بعدها. (4) انظر ص478. · (5) تاريخ الغيبة الكبرى ص281 وما بعدها . صفحة (65) وسيأتي في القسم الثاني من هذا الكتاب ما يزيد هذه الأخبار بأقسامها الأربعة وضوحاً. وهذها الأسلوبان من الإستدلال على حقيقة الدين الذي يتخذه المهدي (ع) ثابتان بغض النظر عن الدليل القائم على أساس التخطيط الإلهي والقائل بأن الأطروحة العادلة والكاملة المطبقة في اليوم الموعود في دولة المهدي (ع) هي الإسلام .وتصلح نتيجة هذين الأسلوبين للإستدلال على هذه الحقيقة . بأن نقول: إن المهدي (ع) يطبق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية ، كما ثبت في التخطيط العام وهو يعتنق ويطبق الإسلام . كما ثبت بهذين الأسلوبين الأخيرين .....إذاً فالإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة . وكذلك يصح الإستدلال بالعكس ، بأن نغض النظر عن هذين الأسلوبين ونتساءل من جديد عن حقيقة الدين الذي يعتنقه المهدي ( ع) فنقول : إن المهدي يطبق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته ، كما ثبت في التخطيط العام .والإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة ، كما استدللنا في التاريخ السابق (1) وسيأتي الحديث عن ذلك في الكتاب الآتي أيضاً ...إذاً ، يثبت أن الدين الذي يعتنقه المهدي (ع) ويطبقه هو الإسلام ، إذ لا يحتمل أنه يطبق الإسلام وليس بمسلم ...فإن التطبيق الإسلامي سوف لن يكون تاماً وعادلاً إلا إذا كان الرئيس الأعلى مسلماً ، كما ثبت في الفقه الإسلامي .ويصلح أن يكون هذا أسلوباً ثالثاً إلى جنب الأسلوبين السابقين . إذاً ، فهاتان الحقيقتان وهما : 1- إن دين المهدي (ع) هو الإسلام . 2- إن الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة يمكن الإستدلال بإحداهما على الأخرى ، بعد أخذ إحداهما مسلمة والأخرى محلاً للإستلال ، وكلتاهما مدعمتان بأدلة أخرى غير هذه . وإذا تبرهن على أن المهدي (ع) يطبق الإسلام في اليوم الموعود .باعتبار النظام الذي يتكفل العدل الكامل... فإنه يترتب على ذلك عدة نتائج فيما إذا قورنت دولته بالدولة الحاضرة . وهذا ما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب ، ونذكر الآن بعضها على سبيل المثال . ــــــــــــــــــ (1) انظر ص 261 منه. صفحة (67) منها: توحيد المعتقد الديني في العالم بدين الإسلام ، طبقاً لقوله تعالى : " من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه " على أساس أن هذا الدين هو الذي ينظم العالم ويحل مشاكله ويحقق له العدل الكامل . ويأتي هذا التوحيد تحت ظروف معينة يهيؤها القائد المهدي ، نشير إليها في مستقبل البحث . ومنها : أن العالم سوف يحكم بأطروحة قانونية واحدة ،لا يحق فيها التجزئة ولا يجوز عليها الخروج . ومنها اتحاد السياسة والدين في سير التطبيق و التاريخ ، كما كان عليه الحال في زمن النبي (ص) والخلافة الأولى ، وإنهاء فكرة : فصل الدين عن الدولة . ومنها : ابتناء الحكم ، ابتناء التكامل الفردي والإجتماعي على الأساس الإلهي .ويتم القضاء تماماً على أي اتجاه مادي في العالم مهما كان نوعه . ومنها : إنهاء فكرة كحق تقرير المصير . فإن مصير البشر قد تقرر من الأعلى ، من التخطيط الإلهي العام ولن يكون منبثقاً من البشر أو ناتجاً عن آرائهم الناقصة . إلى غير ذلك من النتائج ، التي سيأتي التعرض لأسبابها ونتائجها مفصلاً . الجهة الثانية : المذهب الذي يتخذه المهدي (ع) من مذاهب الإسلام ، يمكنأن يراد من المذهب أحد المعنيين : المعنى الأول : أن يراد بالمذهب مجموع الأفكار المتبناة من العقائد والفقه السائد بحيث يكون كلام شيوخ المذهب وعلمائه دخيلاً في بلورته وصقل فكرته . المعنى الثاني : أن يراد بالمذهب العقائد الرئيسية التي تشكل حجر الزاوية فيه والأساس الرئيس له ...كالقول بالعدل والإمامة الذين كانا محل الخلاف بين الإمامية وغيرهم من المسلمين . فإن أردنا المعنى الأول من المذهب، فينبغي لنا أن نجزم بأن المهدي (ع) سيغار في تفاصيل تشريعه كل مذاهب المسلمين الموجودة قبل ظهوره ، ولايحتمل فيه أن يكون منسوباً إلى أي من المذاهب السائدة . لأن الكثير من أفكار كل مذهب. ناتج عن أفكار مفكريه واستنتاجات علمائه ، وهي– على أي حال - قابلة للخطأ والصواب. ما لم تكن من ضروريات الدين أو واضحات العقل . ___________ (1) آل عمران : 3/ 85. صفحة (68) والمهدي (ع) سيطبق عند ظهوره الإسلام الواقعي كما جاء به النبي (ص) سواء وافق الأحكام المعروفة للمذاهب أو خالفها . وسيأتي بقوانين إسلامية جديدة لتنظيم العالم . ليجعله كله على عتبة الرقي والتكامل . ولذا صرح عدد من علماء العامة ومفكريهم في مناسبات مختلفة . بعد انطباق أحكام المهدي مع شيء من المذاهب الأربعة . ولا غيرها . قال ابن العربي في الفتوحات المكية (1) في كلامه عن المهدي : به يرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلا الدين الخالص .أعداؤه مقلدة العلماء أهل الإجتهاد لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم .... وقال السيوطي : (2) عن الحكم الذي سيمارسه عيسى بن مريم (ع) - وهو العضد الأيمن للمهدي (ع) ، كما سنعرف -، في دولة الحق ، قال: وإذا قلتم أنه يحكم بشرع نبينا ، فكيف طريق حكمه به المذهب من المذاهب الأربعة المقررة ، أو باجتهاد منه ؟! . هذا السؤال أعجب من سائله !!!!! وأشد عجباً منه قوله فيه : بمذهب من المذاهب الأربعة !!!! .فهل خطر ببال السائل : أن المذاهب في الملة الشريفة منحصرة قي أربعة ، والمجتهدون من الأمة لا يحصون كثرة ...فلأي شيء خصص السائل المذاهب الأربعة . ثم كيف يظن بنبي أنه يقلد مذهباً من المذاهب ، والعلماء يقولون : إن المجتهد لا يقلد مجتهداً ، فإذا كان المجتهد من آحاد الأمة لا يقلد ، فكيف يظن بالنبي أنه يقلد . إلى غير ذلك من الكلمات التي لا حاجة إلى استقصائها . وأما موقف الإمامية من ذلك ، فواضح .فإنهم يعتبرون المهدي (ع) ، مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي ، بصفته الإمام الثاني عشر من ائمتهم (ع) . فمن غير المحتمل لديهم رجوعه في التشريع أو غيره إلى أحد علمائهم أو إلى أكثر بل هو يستقيل ببيان التشريع الإسلامي ، ويكون واجب الطاعة في غيبته . وأما إذا أردنا بالمذهب ، ما يعود إلى المقومات الرئيسية كالإعتقاد بالعدل والإمامة وعدمه ... ___________ (1) ج3 ص327. (2) انظر الحاوي للفتاوي، للسيوطي ج2 ص280. صفحة (69) فالملاحظ بالنسبة إلى المهدي (ع) سكوت الأخبار الواردة في مصادر العامة والجماعة عن مذهبه ، سكوتاً تاماً، في حدود اطلاعنا . فلو أردنا الجواب على مثل هذا السؤال وهو : ان المهدي من أهل السنة ، يؤمن بأصولهم الإعتقادية ، أو بالأهم منها على الأقل ... كان ذلك متعذراً عن طريق الأخبار . ومن هنا سكتت كلمات محققيهم عن التعرض لذلك .. واكتفوا بالقول بأنه يطبق الدين الحقيقي ، من دون اي إشارة إلى أنه ممن يوافقهم في المذهب أولاً . نعم ، من يرى منهم بأن المهدي (ع) يعمل بفقه أحد المذاهب الأربعة يرى – بطبيعة الحال - أنه ملتزم عقائدياً بما يعتقدونه ، غير أن محققيهم اعترضوا على هذا القول واستنكروه ، كما سمعنا . إذاً، فلم يتم الإثبات التاريخي الكافي لذلك . نعم ، تبقى هناك فكرتان : إحداهما أشمل من الأخرى ، لا بد من عرضهما في هذا الصدد: الفكرة الأولى : فيما تقتضيه القواعد العامة ، من تعين مذهبه على وجه الإجمال . من المسلم به بين المسلمين كون أحد المذاهب الموجودة بين مذاهبهم حقاً . وأن المذاهب الأخرى باطلة غير مطابقة للعقائد الإسلامية الصحيحة .وسبق أن قلنا أن اصحاب الإمام المهدي (ع) الممحصين في عصر الغيبة ، إنما يكونون من ذلك المذهب أياً كان – دون غيرهم . ليتم تمحيصهم عل الحق وإخلاصهم له، لا على غيره، كما هو واضح . ومعه فلا بد من الإلتزام بأن مذهب المهدي (ع) هو ذلك المذهب الحق الذي يختار له الله تعالى عليه اصحابه. ولا يحتمل أن يكون مخالفاً لهم في المذهب لانه يلزم منه أن لا يكون أحدهما على الحق وهو باطل بالضرورة. واما تعيين هذا المذهب الحق وتسميته من دون المذاهب الأخرى ... فهذا راجع إلى وجدان كل مسلم ، وما قام الدليل عنده من صحة أي مذهب من المذاهب . ستكون الفكرة الأولى لدى الفرد المسلم أن يقول : إن المذهب الحق هم مذهبي ، والدليل على صحته قائم عندي، إذا فالمهدي يكون عليه ، هكذا يقول أهل كل مذهب ...، يبقى مذهب المهدي – بعد ذلك – مجملاً . صفحة (70) وقد لا يكون هذا ضائراً ، فإن التعرف الإجمالي على مذهبه ، بالشكل الذي قلناه ، كاف على المستوى الذي يقنع سائر المسلمين . ويكون البحث فيه إسلامياً عاماً غير طائفي . ويكون المهدي (ع) – في ذاته – مختاراً في تطبيق المذهب الذي يريده على العالم . الفكرة الثانية : وهي اخص من سابفتها ، فإنه يمكن القول : بأن المهدي (ع) على المذهب الإمامي الإثني عشري . وذلك باعتبار القرائن والمراجحات التالية : المرجح الأول : ما ورد أن المهدي (ع) من أهل البيت ومن العترة وقد سمعنا عدداً من هذه الأخبار فيما سبق .ومنها ما هو موجود في الصحاح الستة ، التي سنقتصر على النقل عنها : أخرج أبو داود(1) وابن ماجة (2) عن أم سلمة ، قالت : سمعت رسول الله (ص) قول إن المهدي من عترتي من ولد فاطمة . وأخرج أبو داود أيضاً(3) قوله (ص) : لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي ... الحديث . وأخرج ابن ماجة (4) قوله (ص) : المهدي منا أهل البيت ... الحديث. وأخرج الترمذي (5) قوله (ص) لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي . إلى غير ذلك من الأخبار . وإن أخص موارد انطباق مفهومي العترة وأهل البيت هم : بنت النبي (ص) الزهراء وزوجها وولداها ، وقد يشمل سلمان الفارسي رضوان الله عليه الذي ورد في شأنه قول النبي (ص) : سلمان منا أهل البيت(6) . فليكن الإمام المهدي (ع) على مذهبهم . وليس هو غامضاً ولا مجملاً في التاريخ . · _______________ (1) انظر السنن ج 2 ص 422. (2) انظر السنن ج2 ص 1368. (3) انظر السنن ج2 ص 422. (4) انظر السنن ج2 ص 1367. (5) انظر الجامع الصحيح ج 3 ص 343 . (6) انظر اسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الاثير 2 ص331 . ذكر من رواية ./* صفحة (71) المرجح الثاني : ما ورد من الأخبار في مصادر العامة من أن الأئمة اثنا عشر بعد النبي (ص)... أما بالنص على أن المهدي (ع) هو آخرهم أو بدون ذلك . فإنها تنطبق على الإتجاه الإمامي في فهم الإسلام بالتعيين ، دون غيره ، ومعه ، يتعين الإلتزام بأن مذهب المهدي (ع) موافق لهذا الإتجاه . أخرج البخاري(1) عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي (ص) يقول : يكون اثنا عشر أميراً . فقال كلمة لم أسمعها .فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش .وأخرج مسلم (2) نحوه .وذكر له أسناد عديدة إلى جابر بن سمرة. وأخرج الترمذي (3) عن جابر بن سمرة ، قال : قال رسول الله (ص) : يكون من بعدي اثنا عشر أميراً .قال : ثم تكلم بشيء لم أفهمه .فسألت الذي يليني ، فقال : كلهم من قريش . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وقد روى من غير وجه عن جابر بن سمرة . وأما ما رواه أحمد وغيره في خارج الصحاح .فكثير. وإذا تعين صحة الإتجاه الإمامي ، بهذه الأخبار ، ثبت كون المهدي هو الثاني عشر من هؤلاء الأمراء الذين يشير اليهم النبي (ص) .وهو المطلوب . كالذي أخرجه القندوزي في ينابيع المودة (4) نقلاً عن فرائد السمطين للحمويني بسنده عن مجاهد عن ابن عباس ، قال : قدم يهودي يقال له : نعثل فقال :يا محمد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين ... إلى أن يقول : فما من نبي إلا وله وصي ، وأن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون ، فقال : إن وصيي علي بن أبي طالب ، وبعده سبطاي الحسن والحسين ، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين . قال :يا محمد قسمهم لي : قال : إذا مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فإبنه جعفر . فإذا مضى جعفر فإبنه موسى ، فإذا مضى موسى فإبنه علي ، فإذا مضى علي فإبنه محمد ، فإذا مضى محمد فإبنه علي ، فإذا مضى علي فإبنه الحسن ، فإذا مضى الحسن فإبنه الحجة محمد المهدي . فهؤلاء اثنا عشر . _________________ (1) انظر الجامع الصحيح ج 9 ص 101. (2) انظر صحيح مسلم ج 6 ص 3-4 . (3) انظر الجامع الصحيح ج3 ص 240 . (4) انظر ص 529 ط النجف . وص 369 ط الهند عام 1311 هـ . صفحة (72) وهذه النتيجة ، وهي صحة الإتجاه الإمامي في فهم المهدي (ع) ،ومن ثم القول : بأن المهدي إمامي المذهب وأنه أحد الأئمة الإثنا عشر ....هذه النتيجة لازمة لكل من يقول من علماء العامة : بأن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري ، كإبن عربي في الفتوحات المكية على ما نقل عنه في إسعاف الراغبين (1) ، إذ نسمعه يقول: " وهو عترة رسول لله (ص) من ولد فاطمة رضي الله عنها . جده الحسين بن علي بن أبي طالب. ووالده الإمام حسن العسكري بن الإمام علي النقي بالنون ابن الإمام محمد (التقي بالتاء ابن الإمام علي)(2) الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد ( التقي بالتاء ابن الإمام علي ) الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم . يواطىء اسمه اسم رسول الله (ص) ..." وكذلك الشعراني في اليواقيت والجواهر(3)، إذ قال هناك : المهدي من ولد الإمام حسن العسكري . وذكر موافقة الشيخ حسن العراقي وسيدي علي الخواص على ذلك . وكذلك كمال الدين بن طلحة في مطالب السؤول(4) حيث قال : الباب الثاني عشر: في أبي القاسم بن محمد الحسن الخالص بن علي المتوكل بن القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين ابن أبي طالب . المهدي الحجة الخلف الصالح المنتظر (ع) ورحمة الله و بركاته . _________________ (1) انظر ص 142 (2) ما بين القوسين عبارة نقلت من محله إلى المحل الذي اثبتناه بين القوسين فيما يلي وهو خطأ مطبعي غريب . وهي في الاول صحيحة وفي الثاني خاطئة. (3) انظر ص 288 ط 1306 وانظر اسعاف الراغبين ص141. (4) انظر ص 79. صفحة (73) وكذلك الحافظ الكنجي في كتابه البيان(1) حيث قال : وأما بقاء المهدي (ع) : فقد جاء في الكتاب والسنة ...ثم شرح ذلك إلى أن قال :وأما ألإمام المهدي (ع) : مذ غيبته عن الأبصار إلى يومنا هذا لم يملا الأرض قسطاً وعدلاً ، كما تقدمت الأخبار في ذلك . فلا بد أن يكون ذلك مشروطاً بآخر الزمان .فقد صارت هذه الأسباب لإستيفاء الأجل المعلوم (2) .أقول : وهذا الكلام منه واضح في اختيار الإتجاه الإمامي في فهم المهدي . وكذلك ابن الصباغ في الفصول المهمة (3) إذ نجده يتحدث عن المهدي مفصلاً ، وقال- فيما قال - :وأما نسبه أماً وأباً ، فهو ابو القاسم محمد الحجة بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين ...وأما لقبه : فالحجة والمهدي والخلف الصالح والقائم النتظر وصاحب الزمان ... الخ . وذكر الحافظ القندوزي في ينابيع المودة ، عدداً من العلماء الذاهبين إلى ذلك : منهم : الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح الدائرة(4) وشيخ الإسلام أحمد الجامي النامقي والشيخ عطار النيشابوري وشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي والسيد نعمة الله الولي والسيد النسيمي(5) والشيخ عزيز بن محمد النسفي(6) مضافاً إلى من ذكرناهم قبل قليل . المرجح الثالث : اعتراف الأئمة المعصومين السابقين عليه به عليه وعليهم السلام .....بل تنويههم به والحث عى إطاعته وانتظاره في عدد من الأخبار تفوق حد التواتر . وقد نقل عنهم بعض هذه الأخبار عدد من مصادر العامة كالبيان للكنجي ، وينابيع المودة للقندوزي وغيرهما . ____________ (1) انظر ص 109. (2) انظر ص111 من البيان (3) انظر ص310 . (4) انظر ينابيع المودة ص 565 ط النجف وص 293 ط الهند. (5) المصدر ص 566 ط النجف وص 293 ط الهند . (6) المصدر ص 569 ط النجف وص 359 ط الهند . صفحة (74) أما علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) : فأخرج عنه الكنجي(1) وابن ماجة (2) وغيرهما ، قال : قال رسول الله (ص) : المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة . وأما فاطمة الزهراء بنت الرسول (ص) فقد قال لها أبوها . كما أخرجه عنه للكنجي في البيان (3) وابن الصباغ في الفصول المهمة (4) وغيرهما ، واللفظ للكنجي –: أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله ، وأنا أبوك ، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك ... ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين ، وهما سيدا شباب أهل الجنة . وأبوهما – والذي بعثن بالحق – خير منهما . يا فاطمة والذي بعثني بالحق وإن منهما مهدي هذه الأمة ، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن .... الحديث . والإمام الحسن الزكي بن علي (ع) نظر إليه النبي (ص) – فيما رواه السيوطي -(5) فقال: إن ابني هذا سيد ، كما سماه النبي (ص) ، سيخرج من صلبه رجل يسمى اسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبه في الخلق . واخرج السيوطي (6) عن ابن عساكر عن الحسين (ع) أن رسول الله (ص ) قال : أبشري يا فاطمة ، المهدي منك. وأخرج أيضاً (7) عن الدار قطني في سنته عن محمد بن علي (وهو الإمام الباقر عليه السلام) قال: إن لمهدينا آيتين لم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض : ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان ، وتنكسف الشمس في النصف منه ... الحديث . وأخرج عنه (ع) أيضاً بكنيته : أبي جعفر(8) بعض الأخبار . _____________- (1)انظر البيان ص 65 . (2) انظر السنن ج2 ص 1367 . (3) انظر ص 56 . (4) انظر ص 314 وما بعدها. (5) انظر الحاوي للفتاوي ص 125 ج 2 . (6) نفس المصدر ص 137 . (7) المصدر ص 136. (8)المصدر ص 141. صفحة (75) واما الإمام أبو عبد الله الصادق (ع) ، فقد كان له في ذكر الإمام المهدي (ع) موقف عاطفي عظيم ...أخرج القندوزي(1) عن المناقب عن سدير الصيرفي قال دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وإبان بن تغلب على مولانا ابي عبد الله جعفر الصادق(رضي الله عنه) فرأيناه جالساً على التراب وهو يبكي بكاءً شديداً ويقول : سيدي غيبتك نفت رقادي وسلبت مني راحة فؤادي .قال سدير : تصدعت قلوبنا جزعاً . فقلنا : لا ابكى الله يا ابن خير الورى عينيك . فزفر زفرة انتفخ منها جوفه . فقال : نظرت في كتاب الجعفر الجامع صبيحة هذا اليوم ...وتأملت فيه مولد قائمنا المهدي وطول غيبته وطول عمره وبلوى المؤمنين في زمان غيبته ... الخ الحديث وهو مطول . والإمام الرضا علي بن موسى (ع) بشر بالمهدي (ع) أيضاً : أخلرج القندوزي(2) عن الحمويني الشافعي في فرائد السمطين بإسناده عن دعبل بن علي الخزاعي قال :أنشدت قصيدة لمولاي الإمام علي الرضا ، رضي الله عنه . أولها: مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات إلى أن قال دعبل : ثم قرأت باقي القصيدة عنده فلما انتهيت إلى قولي : خروج الإمام لا محالة واقع يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات بكى الرضا بكاء شديداً . ثم قال : يا دعبل نطق روح القدس بلسانك .أتعرف هذا الإمام ؟ قلت : لا . الا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً . فقال : إن الإمام بعدي ابني محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم .وهو المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً . الحديث . ____________ (1) انظر ينابيع المودة ص 454 ط النجف وص 379 ط الهند. (2) المصدر ص 544 ط النجف وص 379 ط النجف صفحة (76) وروى القندوزي في الينابيع(1) حادثة ولادة المهدي (ع) . وفيها بشارة أبيه الإمام الحسن العسكري (ع) بولادته ... منها قوله عن أمه رضي الله عنها :أنه سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً . فهذا ما روته المصادر العامة عن الأئمة المعصومين (ع) ، وقد أخرجت عن كل منهم عدداً من الأحاديث ، ذكرنا قسماً منها كنموذج .واما المصادر الإمامية فقد روت عن جميع المعصومين عدداً وافراً من الأخبار في التبشير بالمهدي (ع) ، لا حاجة إلى نقلها . والأئمة المعصومين عليهم السلام ، بغض النظر عن المفهوم الإمامي عنهم ، أناس أتقياء علماء صالحون ، لا يوجد لهم في المصادر العامة إلا الذكر الجميل ومذهبهم الإسلامي أشهر من أن يذكر . فإنهم جميعاً إماميون اثنا عشريون يؤمن كل منهم بإمامة نفسه وإمامة الباقين من آبائه وأولاده . ومن هنا ينبثق عندنا تقريبان لتعيين مذهب الإمام المهدي على هذا الضوء : التقريب الأول : إنه من غير المحتمل أن يقوم الأئمة المعصومون بهذا التأييد للإمام المهدي (ع) وينوهوا به هذا التنويه المتواصل الشديد ، وهو شخص يختلف عنهم في المذهب ، ويغايرهم في الفهم والمعتقد الإسلامي إذاً فيتعين ان يكون الإمام المهدي على مذهبهم واتجاههم واعتقادهم ، وهو المطلوب . التقريب الثاني : إننا لو قلنا بأن المهدي (ع) يختلف عنهم في المذهب ، للزم الإلتزام ببطلان مذهبه أو مذهبهم ... باعتبار وضوح أن المذهب الحق واحد في الإسلام بالضرورة والإجماع ، وهذا مما لا يمكن التفوه به تجاه الأئمة المعصومين ولا تجاه المهدي .إذاً فهم جميعاً على مذهب واحد . ________________ (1) المصدر ص450 ط النجف وص376 ط الهند . وانظر ص464 ط النجف. صفحة (77) المرجح الرابع : ما اعترف به عدد من علماء العامة والجماعة ، من أن المهدي (ع) لا يفضل عليه أبو بكر وعمر . روى السيوطي في العرف الوردي(1) بسنده عن محمد بن سيرين أنه ذكر فتنة تكون. فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتى تسمعوا على الناس بخير من أبي بكر وعمر . قيل : أفيأتي خير من أبي بكر وعمر. قيل أفيأتي خير من أبي بكر وعمر ؟! قال : قد كان يفضل على بعض . قال السيوطي: قلت : في هذا ما فيه . وقال ابن أبي شيبة في المصنف في باب المهدي : حدثنا أبو أسامة عن عوف بن محمد – هو ابن سيرن - قال : يكون علي هذه الأمة خليفة لا يفضل عليه أبو بكر ولا عمر. قال السيوطي : قلت هذا اسناد صحيح ، وهذا اللفظ أخف من الأول ... إلى آخر كلامه. وظاهر اللفظ أنه خبر عن ابن سيرين نفسه لا عن النبي (ص) . إذاً فابن سيرين يرى عدم أفضلية الشيخين على المهدي .ووافقه البرزنجي في الإشاعة ، حيث قال بعد نقل مل ذكره السيوطي(2) :وتقدم عن الشيخ في الفتوحات أنه معصوم في حكمه مقتف أثر النبي(ص) لا يخطىء أبداً ، ولا شك أن هذا لم يكن في الشيخين وأن الأمور التسعة التي مرت لم تجتمع كلها في إمام من أئمة الدين قبله. فمن هذه الجهات يجوز تفضيله عليهما. وإن كان لهما فضل الصحبة ومشاهدة الوحي والسابقة ، وغير ذلك .والله اعلم . قال الشيخ علي القاري في المشرب الوردي في مذهب المهدي ومما يدل على أفضليته : أن النبي (ص) سماه خليفة الله ، وأبو بكر لا قال له إلا خليفة رسول الله .انتهى كلام البرزنجي . وإذا تم ذلك ، فمن البعيد جداً، إن لم يكن من القبيح عقلاً واتباع الأفضل للمفضول ومسايرته في فهمه واتجاهه ... مع أن سر فضله كامن في الأطلاع على الحقائق والإتساع في النظر والعمل بشكل غير موجود لدى المفضول . إذاً ، فكل واحد من هذه القرائن ، يبرهن على أن مذهب الإمام المهدي (ع) من حيث الأصول الرئيسية ، هو المذهب الإمامي الإثنا عشري ، بحسب الأدلة التي ينبغي أن يعترف بها سائر المسلمين . ______________ (1) أنظر الحاوي للفتاوي ج2 ص 153. (2) أنظر الإشاعة في اشراط الساعة ص 113. صفحة (78) وأما عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، فهذا من الضروريات القطعيات ، التي لا يمكن أن يرقى إليها الشك. وتدل عليه أعداد غفيرة من أخبارهم في المهدي ، مما لا حاجة إلى الإفاضة فيه . يكفي في ذلك أن نعرف أنهم يرون أن المهدي إمامهم الثاني عشر ، وأنهم يرون وجوب طاعته ولزوم انتظاره . وفي أخبار المصادر العامة ما يدل على ذلك ، وقد سمعنا قبل قليل بعضها وفيها تعبير الأئمة المعصومين عنه (ع) بقائمنا ومهدينا ونحو ذلك فليرجع القارىء إليها . الجهة الثالثة : موقف الإمام المهدي (ع) من العنصرية وأمثالها . وهي عدة مفاهيم ذات مدلول أناني ضيق يتضمن تفضيل عنصر على عنصر من البشر على أساس الدم أو اللغة أو اللون أو الوطن أو القبيلة أو نحو ذلك . ولنصطلح عليها جميعاً بالعنصرية ، من أجل تخفيف التعبير . والرأي الذي لا بد من الجزم به ، باعتبار الأدلة الآتية ، هو أن موقف الإمام المهدي (ع) من العنصرية دائماً موقف سلبي ومعارض ...بل دعوته ودولته عالمية تصل إلى كل البشر على حد سواء بدون تفضيل لجماعة على أخرى . ويمكن إقامة الدليل على ذلك على عدة مستويات : المستوى الأول: أن دعوة المهدي (ع) قائمة على ألإسلام ، كما برهنا فإنه إنما يطبق الإسلام على وجه الأرض ، ويرفض أي عنصرغريب عنه أو أجنبي . ونحن نعرف أن الإسلام نص بكل صراحة على إلغاء العنصرية ، بمثل قوله تعالى : " يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم .إن الله عليم خبير"(1) .وقول النبي (ص) المشهور عنه : " لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" والإسلام دين الناس أجمعين وليس خاصاً بأحد ، قال الله تعالى : " قل: يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً "(2) . _____________ (1) الحجرات : 49/ 13. (2) الأعراف : 7/ 158. صفحة (79) وقال عزوجل : " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن اكثر الناس لا يعلمون "(1). وقد أعطى الإسلام للتفاضل أسساً جديدة ، لا تمت إلى أي شكل من أشكال العنصرية بصلة . وهي ثلاثة : الأساس الأول : العلم . قال الله سبحانه :" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .إنما يتذكر أولوا الألباب "(2) . الأساس الثاني : التقوى : قال تعالى " إن أكرمكم عند الله اتقاكم "(3) ويدل عليه الحديث النبوي الشريف السابق أيضاً . الأساس الثالث : الجهاد : قال الله تعالى :" لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة ،وكان الله غفوراً رحيماً"(4) . هذا بعد التساوي بالإسلام وحسن العقيدة والتطبيق بطبيعة الحال. ولا يبقى ذلك في الإسلام أي تفاضل. وإنما الناس سواسية كأسنان المشط ، تجاه عدله الكامل ... يكون العظيم عنده صغيراً حتى يأخذ منه الحق ، والحقير عنده عظيماً حتى يؤخذ له الحق . فإذا كان هذا هو الرأي الصريح للإسلام ، وهو الأمر العادل بحكم العقل أيضاً وفطرة الفكر ، كما أشار إليه سبحانه حين قال :" إنما يتذكر أولوا الألباب ".إذاً ، فالمهدي (ع) سوف يسير على ذلك أيدولوجيته العامة ، وتفاصيل تشريعه وقضائه ، وكيف لا ، وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويطبق الأطروحة العادلة الكاملة. وقد يخطر في الذهن هذا السؤال :إن الإسلام مهما شجب العنصرية ، فإننا نعرف إلى جنب ذلك: أن الإمام المهدي (ع) سيأتي بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد. فلعل فيما يأتي به من الأمور انفاذ العنصرية والإعتراف ببعض حدودها ومعه لا يكون الدليل تاماً. _______________ (1) سبأ : 24/ 28 . (2) الزمر: 39 /9. (3) الحجرات :49/13 .(4) النساء :4/95-96 . صفحة (80) وجواب ذلك :انه سيأتي في مستقبل البحث –أيضاً – أن ما يعلنه المهدي في دولته ، مهما كان جديداً وعميقاً ومفصلاً ، إلا أنه يتعدى مستوى التطبيقات والتنظيمات للمجتمع الذي يحكمه ، بالشكل الذي لا يكون خارجاً بأي حال على التشريعات والمفاهيم الرئيسية في الإسلام ولا مضاداً لها .ومن الواضح أن شجب العنصرية بكل أشكالها من واضحات الأسلام ونص الكتاب والسنة .إذاً ، فمن غير المحتمل أن يقوم الإمام المهدي (ع) بتغيير ذلك . المستوى الثاني :إن دعوة المهدي (ع) ودولته عالمية ، كما هو ضروري الوضوح لكل معترف به من المسلمين ، وسيأتي التعرض للنصوص الدالة على ذلك بصراحة . والدعوة العالمية على طول الخط منافية مع العنصرية .ولذا نرى سائر المبادىء في التاريخ :ممن طمعت بالإستيلاء العقائدي على العالم ، تقف من العنصرية موقفاً ، سلبياً ، وتعتبرها نظرة ضيقة لا ترقى إلى اسلوبها الواسع وأفقها الرحب . وحيث كانت دعوة المهدي (ع) عالمية ، إذاً ، فهي تنافي العنصرية كأي دعوة عالمية أخرى .بمعنى أنه بمجرد أن يتخذ بعض شعارات العنصرية فإن دائرة دعوته ستكون ضيقة ، وسيتعذر عليه بأي حال ، أن تبقى دعوته عالمية ، وهذا خلاف الضرورة والتواتر عن دعوة المهدي (ع) .وسيخل بتأسيس الدولة العالمية ،وهو خلاف ما استهدفه هذا القائد العظيم في ظهوره والغرض الأساسي الذي وجد التخطيط الإلهي من أجله . وقد يخطر في الذهن : أن ما دل عليه الدليل القطعي . بالضرورة والتواتر هو استيلاء المهدي (ع) على العالم بأجمعه واتساع رقعته ،وهذا لا ينافي الإعتراف من قبله ببعض أشكال العنصرية . والجواب على ذلك :أن استيلاء الإمام المهدي (ع) على العالم ، إن كان غزواً عسكرياً مجرداً ، فهذا الذي قاله السائل صحيح .فإن الغزو العسكري المجرد لأجل الحصول على السلطة ، يناسب مع الإعتقاد بالعنصرية ومع رفضها فلا يكون مجرد الإستيلاء على العالم دليلاً على شجب العنصرية . إلا أن استيلاء الإمام المهدي (ع) على العالم ليس مجرد غزو عسكري بل هو دعوة عقائدية وأطروحة عادلة يريد نشرها وتطبيقها على البشرية أجمعين و تربية البشر على أساسها تربية صالحة . لتتحقق العبادة المحضة لله عز وجل على وجه الأرض ،كما هو الغرض الأساسي من الخلق ومن اليوم الموعود . صفحة (81) والدعوة إذا كانت عالمية هذا الشكل ، فإنها تكون منافية للعنصرية بالمرة وذلك بعد الإلتفات إلى مجموع أمرين : الأمرالأول : إن التطبيق الحقيقي للعدل والتربية العادلة ، لا يمكن إتمامه إلا بجو من الإنسجام والتقبل النفسي للفرد والجماعة ، لكي تترسخ القواعد الأساسية والسلوك الصالح في عالم الحياة .وأما مع جو الإنزجار والتأفف والتباعد ، فلا يمكن أن تنال البشرية مثل تلك النتائج الصالحة ، ومن ثم لا يمكن تطبيق العبادة الكاملة على تلك الجماعة فيكون مخلاً بالغرض الأساسي لخلق البشرية . الأمر الثاني :إن الإعتراف بالعنصرية بأي شكل من أشكالها ، يعني أن العنصر الآخر ، الذي لم يعترف به من البشر ، وقام النظام على الإلتزم بتسافله وخسته أمام العنصر المفضل، إن هذا العنصر سوف يشعر بالغربة في ذلك النظام وبالتعقيد النفسي والإنزجار والتأفف تجاهه. بطبيعة الحال. ونحن إذا لاحظنا العالم ككل لم نجد أي عنصر من العناصر التي يتبناها العنصريون يشكل أكرية في العالم ، وإنما يشكل الأقلية على طول الخط . وهذا يعني بكل وضوح ، أن الدولة العالمية لو تبنب أي عنصر من العناصر، وفضلته على غيره ، فإنها تتبنى مصالح الأقلية من شعبها وتعتبر أكثريتهم من الجنس الأخس الأدنى إذاً فستحس الأكثرية بالتعقد والإنزجار تجاه تلك الدولة بحكم كونهم محكومين بالخساسة والتسافل في نظامها. و بالتالي ستتعذر تربيتهم الالحة المطلوبة ، ويكون الغرض من أصل الخليقة متخلفاً وفاشلاً . وباستحالة تخلف هذا الغرض ، نعرف لزوم كون الدولة العالمية المهدوية سلبية تجاه العناصر البشرية ، وحيادية تجاه التفاضل بينها ، وملغية لها كأساس للتفاضل تماماً ...توصلاً إلى التربية العادلة للبشرية اجمعين وقد يخطر في الذهن كان الفكر الحديث قد طور مفهوم العنصرية ، فقد أصبحت لا تعني تفضيل عنصر على عنصر ،وإنما كل ما تعنيه هو الإهتمام بمصالح مجموعة معينة مشتركة في اللغة أو الوطن ـ وغير ذلك ، انطلاقاً من اشتراكها بالمصالح والتاريخ والآمال، وهذا لا يتضمن تفضيلاً لأحد . وجواب ذلك : إنه بغض النظر عن أن هذا التطوير لا يخرج بالفكرة عن التحديد والأنانية ، ومن ثم عن العناصر نفسها ... بغض النظر عن ذلك ، فإنها أوضح بعداً عن الفكرة العالمية المهدوية من العنصرية نفسها ، لأن المفروض فها أفهتمام بمجموعة معينة لا بمجموع البشر ..ومن الواضح إلى حد الضرورة أن الدولة العالمية تهتم بمصالح و تربية وآمال مجموع البشرلا بمجموعة معينة مهما كانت صفتها . صفحة (82) وقد يخطر في الذهن: أن هذا الإتجاه لا يصح في الدولة العالمية ، ولكنها قد تعطي للشعوب أو العناصر المختلفة الإهتمام بصفاتها تلك . من دون أن يكون للحكم المركزي نفسه تركيز على جهة دون جهة . وجواب ذلك إن هذا غير محتمل أيضاً ، لمخالفة هذا الإتجاه مع العدل الكامل من عدة جهات ، أوضحها ما يحدث بين العناصر المختلفة من التشاحن والتعاقد نتيجة لحرية التفاخر والتركيز العنصري ..الأمر الذي ينافي كل المنافات مع العدل الكامل . نعم . قد تبقى اتجاهات فردية متفرقة ، ناشئة من (لا شعور ما قبل الظهور) تتضمن الإحساس بأهمية العنصر أو الطبقة ... ولكنها تذوب تدريجياً تحت التربية المركزة والمستمرة التي تقوم بها الدولة العالمية طبقاً للأطروحة العادلة الكاملة . المستوى الثالث : الإستدلال بما وردنا من الأخبار الدالة على نفي العنصرية وعلى وجود الفكرة المنفتحة والمتعادلة من هذه الناحية في دولة المهدي (ع) . وهي على أنحاء : النحو الأول : ما دل على أن حكم المهدي (ع) يكون قاسياً وشديدا على العرب ...باعتبار فشل أكثرهم في التمحيص الإلهي حال الغيبة ، وتقصيرهم تجاه الشريعة الإسلامية . فلو كان الإمام المهدي (ع) عنصرياً لكان يميل إلى أبناء لغته ، على كل حال . والأخبار بذلك متظافرة لدى الفريقين : فمنها : ما أخرجه البخاري(1) عن زينب بنت جحش، أنها قالت: استيقظ النبي (ص) من النوم محمراً وجهه يقول كلا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ... الحديث . وتأسف النبي (ص) وتحذيره منصب على انحراف العرب وخروجهم على شريعته بقرينة الحديث الذي يليه ، والذي يقول فيه . ________________ (1) انظر صحيح البخاري ج9 ص60 صفحة (83) فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر(1). ورواه الترمذي(2) وقال :هذا حديث حسن صحيح .وأخرجه ابن ماجة في سنته (3). وأخرج ابن ماجة(4) عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله (ص) : تكون فتنة تستنظف العرب .قتلاها في النار .اللسان فيها أشد من وقع السيف . وفيه دلالة واضحة على فشل العرب في التمحيص في عصر الفتن والإنحراف خلال الغيبة الكبرى ، وهو ما حدث فعلاً ،وحيث نعلم موقف الإمام المهدي (ع) من كل فاشل في التمحيص .كما سيأتي مفصلاً ، نعرف موقفه من هؤلاء العرب الفاشلين ، ومنها : ما أخرجه النعماني في الغيبة (5) : عن أبي بصير ، قال ك قال أبو جعفر(ع) : يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد . على العرب شديد ، ليس شأنه إلا السيف ... ولا يأخذه في الله لومة لائم . وفي حديث آخر (6) عن أبي عبد الله (ع) ، انه قال : إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف ... الحديث . إلى غير ذلك من الأحاديث ، الدالة على أن الميزان الصحيح في نظر القائد المهدي (ع) هو الإيمان والنجاح في التمحيص ، وليس هو اللغة ولا القبلية .فهو لا يميل إلى أهل لغته : العرب ، ولا إلى قبيلته : قريش . بل يأخذهم أخذاً شديداً نحو طاعة الله تعالى ، ويعاقبهم على ما سلف منهم من الذنوب. ________________ (1) المصدر والصفحة . (2) انظر الجامع الصحيح للترمذي ج3 ص325 (3) انظر ج2 ص1305منه. (4) المصدر ص1312 (5) ص122 (6) المصدر والصفحة. صفحة (84) وفي هذه احاديث عديدة ، اقتصرنا منها على مقدار النموذج . النحو الثاني : ما دل من الأخبار على أن أصحابه الممحصين الخاصين الذين يجتمعون إليه ويحاربون بين يديه . ليسوا من عنصر واحد و بل هم من مختلف بلدان العالم . فمن ذلك : ما أخرجه الشيخ في الغيبة(1) عن أبي بصير عن عبد الله يقول فيه عن أبي عبد الله (ع) يقول فيه عن أصحاب القائم (ع ) : فيتوافون من الآفاق ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً وعدة أهل بدر . اقول : وفيه دلالة على ورودهم إليه من مختلف البلدان في العالم . وما أخرجه النعماني في غيته(2) بإسناده عن علي (ع) يقول فيه : ثم يجتمعون قزعاً كقزع الخريف من القبائل ،ما بين الواحد والإثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والستة والثمانية والتسعة والعشرة . أقول : وهو نص في عدم التمييز بين القبائل والأنساب في أصحابه ، وإنما الميزان هو عمق الإخلاص وقوة الإيمان والإرادة . وأخرج(3)في خبر آخر عن الإمام الباقر (ع) وقال : أصحاب القائم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً . من أولاد العجم بعضهم . أقول : والمراد بالعجم غير العرب لا خصوص الفرس ، كما هو معروف في اللغة . فليس الميزان هو اللغة أو الدم أو العنصر، وإلا لا يقبل المهدي (ع) القائم في أصحابه إلا العرب ، بل الميزان أمور أخرى اوسع واعمق . النحو الثالث : ما دل من الأخبار على مشاركة غير العرب في حكم العالم وهداية الناس تحت ظل دولة المهدي (ع) . ____________ (1) ص284 وما بعدها . (2) غيبة النعماني ص168. (3) المصدر ص170. صفحة (85) فمن ذلك : ما رواه النعماني في غيبته بسنده عن الإصبغ بن نباته قال: سمعت علياً (ع) يقول : كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن ، كما أنزل : اقول : وهذا إما يحدث في دولة المهدي (ع) لأنهم إنما يعلمون القرآن على أساس معانيه الواقعية ، مأخوذة من الإمام المهدي (ع ) نفسه . واما قبل ذلك فهو متعذر بطبيعة الحال . المستوى الرابع : في الإستدلال على موقف المهدي (ع) من العنصرية إننا نضم فكرتين اثنتين واضحتين ، تنتجان نتيجة واضحة . الفكرة الأولى :إن الإمام المهدي (ع) يسير بسيرة النبي (ص) ويطبق منهجه على المجتمع والحياة. وهو ما سبق أن أقمنا عليه الدليل . الفكرة الثانية : إن سيرة النبي (ص) في أصحابه ومجتمعه ، كانت بالضرورة على نفي العنصرية وشجبها بكل أشكالها ، وإعلان عقيدة الإسلام ونظامه عاماً عالمياً لكل الناس .وقد جمع في اصحابه بين عبيد المجتمع وأحراره وبين عربه وعجمه وبين مختلف القبائل، وراسل ملوك العالم في عصره دعوهم إلى الإسلام ، وكلهم لم يكونوا عرباً .وإن أشهر أصحابه من غير العرب سلمان الفارسي وبلال وصهيب الحبشيان ...وهناك الكثير وغيرهم . وأود بهذه المناسبة أن أروي ما أخرجه الترمذي (1) عن أبي هريرة ، قال : كنا عند رسول الله (ص) حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها .فلما بلغ (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم)(2) قال له رجل : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا .فلم يكلمه .قال : وسلمان الفارسي فينا . قال: فوضع رسول الله (ص) يده على سلمان ، فقال:والذي نفسي بيده ، لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجل من هؤلاء . قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقد روى من غير وجه عن النبي (ص) . _______________ (1) انظر الجامع الصحيح: ج5 ص383. (2) الجمعة : 62/ 3. صفحة (86) أقول: وهو يدل بوضوح على مشاركة غير العرب بالإيمان العميق، عقيدة وتطبيقاً ... إذا كان المراد جعل سلمان الفارسي (رض) ممثلاً لهم .مع احتمال أن يكون المراد جعله ممثلاً لمستوى معين في الإخلاص و التفكير ويكون قوله (ص): رجال من هولاء ... يعني من كان متصفاً بذلك المستوى . وعلى أي حال، فإن الملاحظ أن هذا الخبر غير دال بالمرة على أن سلمان الفارسي من الآخرين الذين لم يلحقوا بهم ، المذكورين في الآية الكريمة ، بل هو دال على العكس ،كما هو واضح لمن يفكر. وأما السؤال عن معنى الآية فقد أعرض النبي (ص) عن جوابه . وعلى أي حال :فما دامت دولة النبي (ص) خالية من العنصرية . إذاً فستكون دولة المهدي (ع) كذلك ، لأنه يستن بسنته ويسير بسيرته . الجهة الرابعة : نظام الدولة المهدوية، هل هو مشابه لبعض الأنظمة السابقة عليه ، كالرأسمالية أو الإشتراكية أو غيرهما ، أولا ؟ . والذي ينبغي الجزم به أساساً هو النفي المطلق ، وأن شيئاً من الأنظمة الاسبقة على الظهور، لا تصدق على نظام المهدي ولا تشمله . و الدليل الحسي التطبيقي ، سوف لن يظهر ، إلا بعد الظهور، حين يتم تطبيق نظام الإمام المهدي (ع) ودولته العالمية ،ويكون في الإمكان مقارنته بالأنظمة السابقة عليه مقارنة حسية . وهذا لا يتم في العصر الحاضر بطبيعة الحال . ولكننا نستطيع طبقاً للأدلة التالية ، الجزم بأن نظام المهدي (ع) مباين ومغاير تماماً مع أي نظام سابق عليه. وذلك : باعتبار الأدلة التالية : الدليل الأول: أننا عرفنا أن ألإمام المهدي (ع ) سوف يطبق الإسلام وبصفته الأطروحة العادلة الكاملة ....وقد تم البرهان في بحوث الفكر الإسلامي على مغايرة نظام الإسلام لسائر الإنظمة الأخرى .وأنه أطروحة مستقلة لحل مشاكل البشرية لا تمت إلى الحلول الأخرى بصلة . ولا مجال لسرد تلك الأدلة في هذا التاريخ ، بطبيعة الحال ، إلا أنها تنتج بعد التسليم بصحتها مغايرة نظام الإمام المهدي (ع) للأنظمة السابقة عليه ... لأن نظامه هو الإسلام المغاير لتلك الأنظمة . صفحة (87) الدليل الثاني: إننا ننطلق من فكرة الحديث النبوي المتواتر ، القائل :إن المهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ....ننطلق منه إلى النتيجة المطلوبة . فإننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى(1) أن البشرية عامة والأمة الإسلامية خاصة ، لا بد أن تمر بظروف صعبة وقاسية من الظلم والجور والإنحراف ... لكي تتمخض في نهاية المطاف عن عدد من المخلصين الممحصين يكفي للقيام بمسؤولية الدولة المهدوية ،ونتيجة لتلك الظروف (تمتلىء الأرض ظلماً وجوراً) وبجهود هؤلاء المخلصين تحت قيادة الإمام المهدي (ع) تمتلىء الأرض قسطاً وعدلاً) . وإذا تساءلنا عن أسباب هذه الظروف ، تكشفت لنا خلال التاريخ المعاصر والسابق ، عن سلسلة متصلة ومتواصلة من الأسباب الكبيرة ... التي من أهمها أساليب الحكم الفردي الدكتاتوري التي مورست خلال التاريخ، وجود الكيان الرأسمالي الأوروبي – الأمريكي وما تبعه من الاستعمار بشكليه القديم والحديث .وما لاقى منه العالم بشكل عام والأمة الإسلامية بشكل خاص من بلايا وأضرار وكذلك محاولة فرض الحلول المدعاة لمشاكل العالم على الشعوب عن طريق الغزو الفكري للعالم (2) كما قامت به الشيوعية ، وهي تعلن إيمانها بحق تقريرالمصير للشعوب ، فيبدو موقفها متهافتاً غريباً . ولئن كان الرأي العام العالمي ، قد أحيط علماً بحسب التجربة التاريخية القاسية التي عاشوها بالأضرار الناتجة عن الحكم الفردي والإستعمار الرأسمالي ،فإن الأعوام الآتية كفيلة بكشف ما في النظام الشيوعي من هنات ونقاط ضعف ومنطلقاً من ذلك نستطيع أن نعمم ونقول إن أي نظام وضعي بشري المولد ، موجود قبل الظهور ، يمثل في واقعه أهم أسباب الظلم والإنحراف في العالم ، إن كان بدوره ناتجاً عن ظلم وانحراف سابقيين .... ومعه فستكون المهمة الرئيسية للإمام المهدي (ع) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، أن يقوم بتغيير هذه الأنظمة والقضاء على جذورها وتفاصيلها . الدليل الثالث: إن سائر الأنظمة والقوانين الوضعية قائمة على المادية .وإسقاط العنصر الإلهي عن نظر الإعتبار، إما بالصراحة كالشيوعية والوجودية ، أو بالخفاء كالرأسمالية والفاشية والنازية والقوانين الرومانية والجرمانية ، ومتفرعاتها الحديثة ، فأنها قائمة على أساس دنيوي مادي صرف لا أثرللروح أو لله تعالى فيه . _______________ (1) انظر ص246 وما بعدها . (2) بل قامت الشيوعية بالغزو العسكري المباشر ، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا عام 1969 وفي انغولا هذا العام أعني 1976. صفحة (88) وقد علمنا أن نظام المهدي (ع) سيقوم على ربط الإنسان بربه وتربيته لجسمه وروحه . والربط بين هذه العناصر ربطاً عادلاً وعميقاً . وستكون كل القوانين المطبقة قوانين إلهية إسلامية . حتى إن المهدي (ع) نفسه إنما يكون واجب الإطاعة باعتباره أحد أئمة المسلمين المخولين من قبل الله تعالى للحكم والتقنين والتطبيق . إذا فسوف لن يكون في دولة المهدي مجال للمادية بشكليها الصريح والخفي وسوف يتم القضاء عليها قضاء تاما ً. الدليل الرابع: الإنطلاق من زاوية أخرى من القواعد التي فهمناها عن فكرة المهدي ... وقد أشرنا إليها في التاريخ السابق .(1) وهي : أن التخطيط الإلهي قائم على اكتساح التمحيص الدقيق للأفراد والمبادىء ، وبذلك ينكشف بشكل حسي مبرهن ومدعم بالتجارب الكثيرة والمريرة، عن فشل كل دعوة تدعي لنفسها حل مشاكل العالم وتذليل مصاعبه، حتى ما إذا انكشفت وبان زيفها ونقاط الضعف فيها وأيست البشرية من أن تضع حلها لنفسها ...انبثق الأمل في أنفسها من جديد إلى حل جديد ونظام جديد ينقذها من وهدتها و يخرجها من ورطتها ،وهذا الأمل إحساس نفسي مجمل لازال في طريق التربية في نفوس البشر، كما هو المحسوس الآن بالوجدان ولا زالت الحوادث وما ينكشف من مساوىء الأنظمة والفلسفات الوضعية تؤيده وتدعمه . وهو أمل مجمل ، لا يشيرعلى التعيين إلى الإسلام أو إلى نظام المهدي (ع) .ولكن الله تعالى يكون قد أعد لخلقه الإنقاذ الحقيقي والعدل الكامل على يد القائد المهدي (ع) ومخلصيه ،فإذا رأت البشرية نظامه وعدله ، فإنها ستؤمن بكل وضوح أفضليته على كل التجارب والمدعيات السابقة التي مرت بها ،وانه الحل الأساسي الذي ينقذها من ورطتها ، وبالتالي هو الصورة الحقيقية لذلك الأمل المجمل .وقد أشير إلى هذا التخطيط في المصادر الخاصة ، في بعض الأخبار ، كالخبر الذي رواه الشيخ المفيد في الإرشاد (2) والطبرسي في أعلام الورى (3) .و الذي يقول فيه : إن دولتنا آخر الدول ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا ، لئلا يقولوا إذا راوا سيرتنا : إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء .وهو قوله تعالى : والعاقبة للمتقين . ________________ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص249 وما بعدها . (2) انظر ص 344. (3) انظر ص 432. صفحة (89) وليس المراد بحكم (أهل بيت لهم دولة) حكم(الأسر) أو القبائل بل المراد بهم الجماعة الذين يتخذون أيدولوجية معينة في دولتهم. بقرينة قوله في الحديث : (إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء) فإن من يقول ذلك إنما هم مثل تلك الجماعة ، لا الحاكم القبلي وهو يخلو حكمه من أي هدف اجتماعي أو عادل ، بحيث لا يكون قابلاً للمقارنة أساساً . وإنما عبر الحديث الشريف بهذا التعبير بقانون (كلم الناس على قدر عقولهم ) . وفي رواية أخرى(1) عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (ع) وانه قال :ما يكون هذا الأمر " يعني دولة المهدي (ع) " حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولوا من الناس " يعني باشروا الحكم فيهم" حتى لا يقول قائل :إنا لو ولينا لعدلنا . ثم يقوم القائم بالحق والعدل .أقول: لأنهم لو قالوا ذلك بعد ظهور القائم المهدي (ع) فإن جوابهم يكون واضحاً ، وهو أنكم حكمتم وفضلتم في حل مشاكل العالم ، بل كان حكمكم وظلمكم من جملة مشاكله وويلاته . إذاً فالتخطيط قائم على كشف الحلول المدعاة للعالم أمام الرأي العام العالمي ، قبل تولي دولة العدل للحكم وممارستها إياه في الخارج ...وإعطاء روح اليأس من تلك الحلول عالمياً ، بشكل لا يؤمل معه وجود حل بشري جديد ..كما هو المفهوم من الحصر الموجود في هذه الأخبار " حتى لا يبقى صنف من الناس إلا قد ولوا من الناس" المستفاد من الإستثناء بعد النفي . وهذا معناه بكل بساطة وصراحة تنافي نظام دولة المهدي (ع) مع النظم السابقة وقيامها على انقاضها وبعد انكشاف زيفها وبطلانها .وهل من المحتمل أن يتبع القائد المهدي في دولة العدل المطلق ، إحدى النظم التي بان زيفها وفشلها . إذاً . فقد تبرهن عدم أخذ الإمام المهدي (ع) في دولته بشيء من النظم الاسبقة على ظهوره .واستغنائه . بالعدل الإلهي المعد لتطبيقه في دولته . __________________ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ً389 نقلاً عن غيبة النعماني . صفحة (90) وسوف يشعر الرأي العام العالمي ، بكل وضوح ، بهذا الإستغناء ، فإن من يتخذ أحد هذه المبادىء الحاضرة مذهباً له وطريقة في الحياة ، يستهدف لا محالة أما الهدف الشخصي في الحصول على المال والشهرة و السعادة ، أو الهدف العام في الدفاع عن الفقراء والمضطهدين باعتقاده .وكلا هذين الهدفين يتحقق بأجلى مظاهره في دولة المهدي (ع) ، على ما سمعناه مجملاً من كثرة المال لدى كل الأفراد في عصره ، وما سنسمعه من سائر التفاصل في مستقبل البحث .إذاً و يكون بإمكان الهادفين في العالم أن يحققوا النتائج الجيدة التي يعتقدونها لأهدافهم نظام المهدي (ع) ، ويتخلصوا- في نفس الوقت – من نقاط الضعف التي كانت فيها . وبالنتيجة ، فالعنوان العام لأيدولوجية دولة المهدي (ع) وهو الإسلام بصفته النظام العادل الكامل كما جاء به النبي الأعظم (ص) ولا يمت إلى النظم السابقة عليه ، بصلة . صفحة (91) الفصل الخامس التخطيط الإلهي لما بعد الظهور كما يوجد لعصر ما قبل الظهور تخطيطه العام ، وهو الذي شرحناه مفصلاً في التاريخ السابق ، يوجد لعصر ما بعد الظهور تخطيطه أيضاً . وهذا القسم هو محل الحديث الآن ، فأن التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية ، لا يكون منقطعاً بحصول نتيجة التخطيط السابق ، بل يكون مواكباً مع البشرية إلى نهايتها بمقدار استحقاقها في وضعها العادل الجديد .... وسيهدف عندئذ نتيجة أبعد تمت إلى عميق العدل والتربية البشرية بصلة . فهذا التخطيط وهو الإمتداد الطبيعي السابق ، والموافق – أيضاً – للموازين الثايتة في الفلسفة الإسلامية القائلة : بأن الله تعالى يفيض نعمة الكمال على كل موجود بقدر استحقاقه ،فإذا كانت درجته من الكمال دانية كان استحقاقه منحصراً في الرتبة الكمالية التي فوقها مباشرة .وإذا كانت درجة الموجود عالية في الكمال ، كان استحقاقه لدرجة أعلى من الكمال متحققاً ، والله تعالى كريم مطلق فيفيض عليه الكمال الجديد .فإنه سيستحق رتبة أخرى ، وهكذا يسير في طريق الكمال اللانهائي . وإذا طبقنا ذلك محل الكلام ، نقول : إن البشرية بعد اجتماع شرائط الظهور ، طبقاً للتخطيط السابق . تكون مستحقة لدرجة جديدة من الكمال وهو تطبيق العدل الكامل فيها ، بواسطة ظهور المهدي (ع) . وبتطبيق العدل تكون البشرية قد بلغت درجة أعلى من الكمال تستحق بعدها درجة أعلى وهو عمق هذا العدل وترسخه ، إلى أن تصل إلى استحقاق صفة " العصمة " حيث يوجد المجتمع المعصوم كما سوف نشير في مستقبل البحث . صفحة (93) وبهذا يتبرهن فلسفياً ما بعد الظهور .... إلا أن انتاج هذا التخطيط لنتائجه النهائية منوط ببقاء البشرية مدة كافية من الدهر لكي تتربى على عمق العدل ورسوخه ولكي نصل في نهاية المطاف إلى الكمال الإنساني الأعلى .وأما إذا انتهت حياة البشرية جميعها وقامت القيامة خلال زمن قصير ينسد باب الترقي و التكامل بطبيعة الحال . ومن هنا ينفتح احتمالان : الإحتمال الأول : قصرعمر البشرية بعد الظهور ، وتحقق اليوم الموعود . الإحتمال الثاني : بقاء البشرية لفترة طويلة من الدهر بعد ذلك . ولكل من الإحتمالين مرجحاته، على ما سنذكر – على حين لم يكن للإحتمال الأول وجود في التخطيط السابق. باعتبار ضرورة انتاجه لليوم الموعود . وذلك لأكثر من دليل : الدليل الأول : كونه وعداً إلهياً . والله لا يخلف الميعاد .وذلك في قوله عز وجل :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ،وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم..."(1) الدليل الثاني: كونه غرضاً أصلياً في خلق البشرية ، ومن المستحيل أن يزول الشيء من الكون قبل أن يستوفي غرضه . وقد سبق في التاريخ السابق(2) أن برهنا على كونه غرضاً .وسيأتي في الكتاب الآتي تركيزه بشكل أوسع وأعمق . وهذا هو الذي اشارت إليه الأخبار من الفريقين . فمنها : ما أخرجه النعماني في الغيبة(3) بسنده إلى أبي هاشم الجعفري ، قال : كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع) ، فجرى ذكر السفياني ، وما جاء في الرواية من أن أمره المحتوم . فقلت لأبي جعفر (ع) : هل يبدو لله في المحتوم . قال : نعم .قلنا له : فنخاف أن بدو في القائم . فقال : إن القائم من الميعاد ، والله لا يخالف الميعاد . ــــــــــــــــــ (1) النور: 24/55. (2) تأريخ الغيبة الكبرى ص225. (3) ص142. صفحة (94) ومنها : ما أخرجه أبو داود (1) عن زر عن عبد الله عن النبي (ص) قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني – أو من أهل بيتي - يواطىء اسمه اسمي ... الحديث . وأخرج أيضاً (2) عن علي (ع) عن النبي (ص) : قال: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي ... الحديث . وهذه التأكيدات في الأخبار كثيرة ومتضافرة ، وكلها دالة على ضرورة تمخض التخطيط الإلهي السابق عن وجود اليوم الموعود . وعدم فناء البشرية قبله. وأما بالنسبة إلى التخطيط الموجود بعد الظهور . حيث يكون الوعد قد تحقق والغرض الأساسي من خلق البشرية قد انجز ، فقد يبدو أنه لا حاجة لبقاء البشرية بعد ذلك ،ولا دليل عليه . وستأتي مناقشة ذلك مفصلة في القسم الثالث من هذا التاريخ ، غير أن الصحيح هو طول عمر البشرية ، لأجل دليلين رئيسين : الدليل الأول : أننا فهمنا في التاريخ السابق(3) من قوله تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "(4)، فهمنا : أن الغرض الأساسي من خلق البشرية هو إيجاد العبادة الكاملة في ربوعها .وفهمنا هناك (5) من العبادة الكاملة وجود المجتمع الصالح والدولة العالمية الصالحة . فلو أننا اقتصرنا على هذا المقدار من الفهم ، لكان الغرض من خلق البشرية متحققاً بمجرد تأسيس المهدي (ع) لدولته العالمية العادلة .ومعه فقد يخطر في الذهن :أن المقصود هو إيجاد هذا النوع العالي من العبادة ولو في فترة قصيرة من الزمن . فلا بقى أي دليل على استمرار البشرية بعد ذلك ردحاً طويلاً من الزمن ، إن لم يكن ذلك مستحيلاً ، لأن بقاء الشيء بعد استيفاء لأغراضه محال في الحكمة المطلقة . ــــــــــــــــــ (1) ج2 ص42. (2) المصدر والصفحة . (3) تاريخ الغيبة الكبرى ص235. (4) الذاريات : 51/56. (5) ص224. صفحة (95) لكننا نريد في هذا الدليل أن نخطو خطوة جديدة في فهم هذه الآية .وهي :إن المعنى الذي ذكرناه للعبادة وإن كان مهماً ورئيسيأ جداً ...إلا أنه ليس نهائياً بحال . بل هناك مراتب أعلى من العبادة تكون تلك المرتبة الأولى مقدمة لها وإعداداً لإيجادها ، وكلها ممكنة الحصول من البشرية واتصفاها بها في المدى الطويل ، كما سيتضح عند استعراضها . وبطبيعة الحال، كما تصورنا مرتبة من العبادة ممكنة للبشرية ، كانت مندرجة في مدلول الآية الكريمة ، لعدم وضع الآية أي تحديد على مفهوم العبادة فيكون إيرادها مطلقة ، دليلاً على إيراد العبادة المطلقة . إذاً ، فالغرض الأساسي من خلق البشرية أبعد بكثير من مجرد وجود الدولة العالمية ، وإنما وجدت هذه الدولة العظيمة .وخططلها في تاريخ البشرية الطويل من أجل هدف أعلى وأمامها . ويكفينا الآن أن نعبر عنه بـ(العبادة المطلقة) لخالق الكون ، حتى يأتي في مستقبل البحث ما يلقي الأضواء الكافية على هذا المفهوم . إذاً، فوجود الدولة العالمية ، لا يعني نجاز الغرض الأقصى من خلق البشرية وتحققه في عالم الوجود ، بل هو لم يوجد بتأسيس هذه الدولة ، ولازال أمام البشرية الكثير لكي تصل إليه . إذاً ، فلا معنى لقصر عمر البشرية بعد تأسيس هذه الدولة ، بل لا بد أن تبقى حتى تستوفي لغرضها الأعمق ، إذ يستحيل تخلف الأغراض في الحكمة الإلهية الأزلية . الدليل الثاني : أنه يستبعد ان يكون زمان النتيجة اقصر بكثير من زمان المقدمات . فإننا عرفنا كم من الزمان يستغرق إعداد البشرية لليوم الموعود ...وهو كل عمرها منذ أول وجودها إلى حين نجاز ذلك اليوم العظيم .وهو ما لا يقل عن عدة الآف من السنين ، إن لم يكن أكثرمن ذلك ، كما عليه أنصار الفكر الحديث .وقد استوعبت هذه المدة ملايين الحوادث من تضحيات البشرية وآلامها ومظالمها . ومن جهود الأنبياء والأولياء والمصلحين والشهداء ، ومن ظروف التمحيص الإلهي ، وما أدته البشرية من خيرات وما ارتكبته من جرائم ، فإن كل ذلك ، كان مقدمة لليوم الموعود ، وإعداداً لحصول شرائطه المطلوبة التي لا يمكن تحققه بدونه ، كما عرفنا من التخطيط الإلهي السابق على الظهور . وقد عرضنا ذلك في التاريخ السابق مفصلاً . ______________ (1) انظر الفصل الخاص بالتخطيط الإهي ص233. صفحة (96) فهل من المعقول أن تستمر المقدمات آلافاً من السنين ، ثم لا تكون النتيجة غير تسع سنوات أو أقل، كما تدعي الفكرة التقليدية .إن هذا في غاية البعد بحكم العقل .فإنه يعني بكل وضوح استخدام الأجيال البشرية المتطاولة في سبيل إسعاد جيل أونصف جيل !! إن هذا قبيح عقلاً ومستحيل في الحكمة المطلقة الأزلية . وتبقى هذه الإستحالة سارية المفعول ما لم تصل النتائج أعني أجيال ما بعد الظهور . إلى حد من الكثرة بحيث تكون التضحية بالأجيال السابقة في سبيلها من قبيل التضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة ، أو بالمصلحة القليلة في سبيل المصلحة الكبيرة فليكن القارىء متذكراً لذلك .حتى يأتي موضع الحاجة منه وإيضاحه . وإذا تم البرهان على طول عمر البشرية بعد الظهور ، وعدم وصولها إلى هدفها الأسمى بمجرد حصوله: إذاً، فمن اللازم التخطيط لهذا الهدف خلال هذا العمر إذ لا يوجد شيء مهمل في هذا الكون .ولا بد من إعداد البشرية بالشكل الذي يمكنها الوصول إلى ذلك الهدف ، كما كانت قد أعدت للتشرف بلقاء اليوم الموعود . ومعه يكون قد تبرهن هذا التخطيط وثبت ثبوتاً كاملاً . ولا بد لنا فيما يلي أن نعطي المؤدى العام لهذا التخطيط. فنتعرف على صياغته وخطواته ، كما تعرفنا على صياغة وخطوات التخطيط السابق عليه . ما بين التخطيطن : إذا كان المقصود من التخطيط الإلهي السابق ، هو التوصل إلى ظهور المهدي (ع) وحسب ، إذا ً، يكون هذا التخطيط منتهياً في لحظة الظهور. إلا أن التخطيط الجديد سوف لن يبدأ بلحظة الظهور بطبيعة الحال، لأن تخطيط للعالم الذ يتم فيه تطبيق العدل للسير باتجاه (العبادة المطلقة) . وهذا التطبيق لا يتم في اللحظة الأولى ...بل يحتاج إلى جهود عميقة وواسعة من قبل القائد المهدي (ع) وأصحابه المخلصين . في غزو العالم عسكرياً وثقافياً والسيطرة عليه تماماً .فإذا تمت وأثمرت هذه الجهود . يكون التخطيط قد بدأ . ومن ثم نواجه في فهم الموقف ثلاث اطروحات محتملة : الأطروحة الأولى :أن هناك ما بين التخطيطين ، فترة من الزمن محدودة ، ذات تخطيط خاص بها ، يستهدف سيطرة القائد المهدي (ع) على العالم واستتباب الدولة العالمية العادلة ... صفحة (97) حتى ما إذا أثمرت جهوده ، وتم تطبيق العدل الكامل على العالم ، كان اول يوم لذلك ، وأول يوم لتطبيق العام الجديد . الأطروحة الثانية :إن الأطروحة الاولى لا تخلو من تسامح في التصور .فإن ظهور الإمام المهدي (ع) لم يخطط لإيجاده بمجرده ، بل خطط له من أجل تأسيس الدولة العالمية العادلة ، وقد كانت شرائط الظهور التي عرفناها ، وبرهنا عليها في التاريخ السابق (1). شرائط لهذا الهدف ... وإنما كانت شرائط للظهور نفسه ، باعتبار كونه المقدمة الرئيسية الأخيرة له أيضاً . إذاً فإنتاج التخطيط الاسبق كاملاً لا يكون إلا بتأسيس الدولة العالمية ، ومعه تكون جهود الإمام المهدي (ع) وأصحابه للسيطرة على العالم داخلة في التخطيط السابق نفسه ، باعتبارها الحلقة الأخيرة لهذه النتيجة الكبيرة فإذا تم تطبيق العدل وتأسيس الدولة العادلة ، يكون التخطيط السابق قد انتهى . وبلحظة البدء بتطبيق العدل تكون بداية التخطيط الثاني ، ولا يكون التخطيطين فاصل زماني ملموس . الأطروحة الثالثة : إن فترة السيطرة على العالم بالعدل والجهود المبذولة في هذا السبيل ، داخلة في التخطيط الجديد ، لافي التخطيط السابق . وذلك: بأن نفترض ان الهدف من التخطيط السابق هو الظهور نفسه ، بصفته كاشفاً عن القائد العالمي المؤسس لدولة العدل الكبرى . بهذا ينتهي هذا التخطيط عند الظهور . ولا معنى لبقائه بعد تحقق نتيجته . ويبدأ التخطيط الجديد من حين الظهور فصاعداً ، وتكون فترة السيطرة على العالم بالعدل مندرجة فيه، باعتبارها مقدمة لهدفه ،فإنه يستهدف إيجاد (العبادة المطلقة) في ربوع البشرية ، وهذا الهدف يحتاج إلى مقدمته الرئيسية وهي إيجاد الدولة العالمية العادلة ، وهذه الدولة تحتاج إلى السيطرة على العالم بطبيعة الحال في أو لتأسيسها . ومن هنا تكون الجهود المبذولة في هذه السيطرة واقعة في هدف التخطيط الثاني ، فتكون مندرجة فيه . (1) تأريخ الغيبة الكبرى ص476 وما بعدها. صفحة (98) وبالرغم من أن ما عرضناه خلال الأطروحة الثانية كاف للقول بأنها هي الصحيحة وإلا أن نتيجة هذا البحث تبدو وكانها مجرد اصطلاح ، فإنه سواء كانت فترة السيطرة على العالم بالعدل مندرجة في التخطيط السابق أو في التخططي اللاحق ، فإنها واقعة في خط تكامل البشرية العام الذي لا بد منه باستمرار . وإنما عقدنا هذا البحث لأجل إيضاح جوانب الفكرة لا أكثر. صفحة (99) الأسس العامة لتخطيط ما بعد الظهور إذا أردنا التعرف على أسس وتفاصيل التخطيط العام لما بعد الظهور ، لا بد لنا من التفاتة إلى ما سبق أن قلناه في التمهيد ، من أنه يتعذرعلى الباحث الذي يعيش الفترة السابقة على الظهور أن يدرك العمق الحقيقي الإتجاهات القانونية والفكرية العميقة التي تكون سائدة بعد الظهور ، وعند تطبيق العدل الكامل على العالم . ومن هنا ينبغي أن تبقى التفاصيل والتفريعات مصونة في الغيب إلى حين تحققها ، وإنما غاية جهد الباحث أن يدرك الخطوط العريضة والقضايا العامة المهمة التي يمكن الإطلاع عليها في حدود الثقافة الإسلامية الموجودة في العصر الحاضر . وبذلك نعرف إحدى نقاط الإختلاف بين التخطيطين .فإن التخطيط الإلهي السابق متخذ للسير بالبشرية الماضية والحاضرة إلى نتائجها المطلوبة .... وبتعبير أوضح أننا بحسب وجودنا في هذا الزمن نعيش التخطيط الساري المفعول فيه . ومن هنا يكون اطلاعنا على تفاصيل هذا التخطيط ممكناً ومتيسراً إلى حد كبير ، عن طريق القواعد العامة المعروفة وعن طريق ما هو مشاهد بالوجدان مما قد تحقق من حلقاته وتفاصيله . كما سبق أن عرضنا ذلم مفصلاً في التاريخ السابق . وإما تخطيط ما بعد الظهور ، فيحتوي على عدة نقاط ضعف في التعرف عليه : أولاً : بعدنا الزماني عنه ، بحيث لا يمكن مشاهدته بالوجدان ،ولا أن يصل منه شاهد عيان . ثانياً : أننا نقتصر في الغالب - في التعرف عليه القواعد العامة ، وهي لا تعطي إلا العموميات ، ولا يمكنها الوصول إلى التفاصيل. ثالثاً : أننا نجهل القوانين الجديدة والنظم التي ستكون معلنة في ذلك العصر، الأمر الذي يوفر لنا طريقاً سهلاً، في معرف ة التخطيط لو كان متوفراً ، إلى غير ذلك ، مما يحدونا إلى الكفكفة من غلواء البحث ، والإقتصار في النتائج على مقدار الإمكان . صفحة (100) Website Page 5 مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره) كتاب تاريخ ما بعد الظهور للسيد الشهيد محمد صادق الصدر (قد) والكلام في ذلك يقع ضمن جهات ثلاث : الجهة الأولى : في الخصائص العامة للمجتمع الذي ينطلق منه التخطيط ، وهو المجتمع العالمي الذي يتم فيه حكم الإمام المهدي (ع) وتطبيق العدل الكامل لأول مرة . وإزالة العوائق التي يمكن أن تشكل خطراً عليه . وليس معناه صياغة كل نفوس الأفراد صياغة إسلامية عادلة كاملة لأول وهلة . إن المهدي (ع) سيقتل عدداً كبيراً من الأفراد ممن فشل في التمحيص الموجود في التخطيط الإلهي السابق ، وأصبح يشكل خطراً على العدل الكامل في المجتمع الجديد، على ما سيأتي تفصيله... ولكن سيبقى – مع ذلك– عدة فجوات ونقاط ضعف في العالم ، يكون على التخطيط الجديد بشكل عام ، وعلى المهدي (ع) بشكل خاص، ملؤها وتذليل مصاعبها مما لا يؤثر فيه الفتح العسكري عادة . النقطة الأولى : وجود أهل الذمة ، وهم الشعوب التي تؤمن بالأنبياء السابقين على الإسلام .وسيسمح لها – بمقتضى القواعد الإسلامية المعروفة الآن – البقاء على دينها مع دفع الجزية ... ويكون لها أن تدخل في دين الإسلام طواعية . النقطة الثانية : وجود المذاهب المتعددة من معتنقي الإسلام ، ممن لا يظهرون معارضة للنظام الجديد . النقطة الثالثة : نقص الثقافة الإسلامية العامة ، بالنسبة إلى العالم الذي يواجه قوانين الإسلام لأول مرة ، وهي الشعوب التي كانت كافرة قبل الظهور ، ورضيت بالإسلام ديناً بعده . النقطة الرابعة : نقص الثقافة الإسلامية العامة ، في الأمة الإسلامية نفسها ، نتيجة لبعدها عن الإسلام في عصور الفتن والإنحراف . النقطة الخامسة : نقص الثقافة الإسلامية في الأمة خاصة وفي البشرية عامة ، بالنسبة إلى القوانين الجديدة التي يصدرها القائد المهدي (ع) والأفكار العميقة التي يعلنها ، ريثما يتم إعلانها وتوضيحها للناس . صفحة (101) النقطة السادسة : نقص الإخلاص وقوة الإرادة لدى الأعم الأغلب من المسلمن فإن غاية ما تمخض عنه التخطيط الإلهي الأول ، هو وجود الإخلاص العميق لدى جماعة من المسلمين ، ولم يؤثر – بطبيعة الحال- نفس الأثر في مجموعهم كيف وإن الأرض امتلأت ظلماً وجوراً . فهذه أهم نقاط الضعف من الناحية الدينية ، التي يزخر بها المجتمع الدي يواجهه المهدي (ع ) لأول وهلة . وهي النقاط الأهم تأثيراً في بناء الدولة العالمية ، باعتبار ما عرفناه ، من أن الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة التي يقوم الإمام المهدي (ع) بتطبيقها ، والأمة الإسلامية هي الأمة الرائدة في خضم تلك الجهود البانية للدولة . فأي صعوبة في هذه الأمة تعني الصعوبة في نيل الهدف أيضاً . وأما الصعوبات (الدنيوية) لو صح هذا التعبير ، وأعني بها الصعوبات ونقاط الضعف الموجودة في الإتجاهات غير الدينية ، وما انتجته النادية والعلمانية من ويلات في العالم فهي أكثر من أن تذكر او تحصر. وإذ يواجه نظام الإمام المهدي (ع) كل هذه المصاعب ، سيكون مسؤولاً عن اتخاذ الخطوات الحاسمة اللازمة لحل كل مشكلة وتذليل كل عقبة ، وسيكون على مستوى المسؤولية بعد أن كان متدرعاً بالسلاح ومتذرعاً بالإخلاص ، ومنطلقاً من الأطروحة العادلة الكاملة ، ومتصفاً بصفات شخصية عليا ، حاولنا أن نحمل عنها فكرة في التاريخ السابق (1) الأمر الذي قلنا أنه ييسر له القيادة والتطبيق العادل في اليوم الموعود . الجهة الثانية : يستهدف هذا التخطيط الثاني ، الكمال الإنساني الأعلى للبشر، في الحدود الممكنة له على هذه الأرض ، فهو يوفر الأرضية الكافية لتكامل الإنسان إلى غاية ما يمكن أن يحصل عليه من الكمال ... حتى يكون بالتدريج البطيء في إمكان الفرد أن يكون معصوماً ، وأن يتكامل في عصمته(2). ــــــــــــــــــ (1) انظر : من صفحة 504 إلى ص520. صفحة (102) (2) أعني من العصمة ما يسمى ب(العصمة غير الواجبة) وهي التي ينعدم فيها احتمال الظلم والعصيان دون الخطأ والنسيان . وسيأتي إيضاحه في الكتاب الآتي ،وأما التكامل فيما بعد العصمة فقد برهنا ممن التاريخ السابق على إمكانه . وليس معنى ذلك أن البشر جميعاً يكونون لأول وهلة ، على هذا المستوى العالي .بل معناه توفير الطريق لأن ينال كل فرد من هذا الهدف بمقدار قابلياته الشخصية ، وبمقدار ما يؤدي من إطاعة وتضحيات في سبيل الحق والعدل . وهو من هذه الناحية يشبه ما رايناه في التخطيط السابق على الظهور .فإنه كان يستهدف – فيما يستهدف إليه - تعميق الثقافة الإسلامية في الأمة(1) وتقوية الإرادة الإيمانية تجاه المشاكل .وقد راينا كيف يأخذ الناس من هذه الأهداف بمقدار قابلياتهم ومقدار ما يؤدونه من تضحيات ، وكيف ينتج هذا التخطيط تكاملهم التدريجي البطيء. غير أن هذا التخطيط الجديد يختلف عن سابقه في نتيجته ، فإنه بينما رأينا في التخطيط السابق أنه لم يتصف بالنجاح الحقيقي خلاله إلا عدد قليل نسبياً . فإن هذا التخطيط الجديد سيشمل بالنجاح أكثر الأفراد ، وسيصل في المدى البعيد كل الأفراد إلى المستوى المطلوب ، بالتدريج البطيء. وسيأتي في مستقبل هذا البحث أن المجتمع البشري ، نتيجة للتدابير الآتية التي تضعها الدولة العالمية ، سيمر بمرحلتين من العصمة : المرحلة الأولى : أن يكون الأفراد غير معصومين ولكن الرأي العام المتفق عليه بينهم معصوماً .وقد أشرنا في التاريخ السابق(2) إلى ذلك مختصراً . وسيأتي في مستقبل البحث ما يزيده أيضاحاً . المرحلة الثانية :أن يكون كل الأفراد معصومين ... بتلك العصمة القائمة على أساس العدل الكامل مفاهيمياً وتشريعياً ، الذي كان ولا زال - في تلك الفترة - مطبقاً منذ عهد بعيد . وسيأتي ما يوضح ذلك أيضاً . الجهة الثالثة : في التعرف على تفاصيل التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور وأسسه العامة بمقدار الإمكان. تلك التفاصيل والأسس التي يمكنها أن تحول المجتمع الذي عرفنا نقاط ضعفه في الجهة الأولى ، إلى الصفات الكبرى التي حملنا عنها فكرة كافية في الجهة الثانية . _________ (1) يسير هذا العمق إلى جنب الشعور الديني ..ومن هنا لم يكن وجود هذا العمق في الثقافة الإسلامية لدى عدد كبيرفي الأمة ، منافياً مع وجود الضحالة من هذه الجهة لدى عدد كبير أيضاً ، كما أشرنا غير بعيد ، في النقطة الثالثة من نقاط الضعف . (2) تاريخ الغيبة الكبرى ص481. صفحة (103) ونحن إذ نتحدث عن هذه الأسس ، إنما نتحدث عما يمكن أن يكون كذلك في الفترة الأولى للدولة العالمية ، وهي التي تسبق المجتكع المعصوم بكلا قسميه ، فإن هذا أقرب إلى إمكان التعرف عليه من تلك المجتمعات العليا المتأخرة . فإننا سبق أن أكدنا عجز الباحث عن إدراك العمق الحقيقي للفكر والتشريع لما بعد الظهور، وهذا ثابت منذ تأسيس الدولة العالمية ، فضلاً عن المجتمعات المعصومة .إذاً فليس لنا أن نعرف عن المجتمعات المعصومة شيئاً مفصلاً. وما يمكن لنا الآن تصوره ولإثباته بالقواعد العامة ، من الأسس لتلك الفترة . ما يلي : الأساس الأول : تربية العالم ثقافياً من جهة الإسلام الواقعي أو العدل الكامل الذي يقوم عليه نظام المهدي (ع) في دولته العالمية . ويعطي من ذلك لكل فرد ولكل شعب ما يحتاجه من اساليب التثقيف ومقداره ، بشكل تدريجي وعلى مراحل . وكلما طويت مرحلة ، استحق الفرد أو الجماعة مرحلة جديدة من القافة . فالشعوب غير المسلمة ، سوف تدعى إلى الإسلام . وسوف يعتنقونه باقتناع وسهولة ، نتيجة لأسباب التي سوف نذكرها بعد ذلك . وكل من اسلم من جديد أو هو مسلم سلفاً سوف يربى على الثقافى الإسلامية العامة الضروية لوجود الطاعة والإبتعاد عن المعصية . إن لم يكن قد نال ذلك نتيجة للتخطيط الإلهي السابق . وكل من تربى إلى هذه الدرجة ، فإنه يعطي الثقافة التي تؤهله إستيعاب الأفكار والمفاهيم والقوانين الجديدة التي تعلن في ذلك العهد . طبقاً للمصالح الموجودة يومئذ. ثم يبدأ التصاعد والتكامل الثقافي من هذه الدرجة أيضاً ، ويأخذ كل فرد من البشر من ذلك بقدر قابلياته وجهوده أيضاً. ولئن كانت المراحل الأولى والاسس الرئيسية من هذا التثقيف ، سينجزها الإمام المهدي (ع) بسهولة وسرعة، على ما سوف نسمع في هذا التاريخ إلا أن المراحل المتأخرة التي تعتبر تفريعاً وتطبيقاً للأسس وسوف تكون تدريجية وبطيئة ، طبقاً تربية كل أمة . الأساس الثاني : تربية البشرية من حيث الإخلاص وقوة الإرادة تجاه المسؤوليات الجديدة في دولة العدل. ويكون الأسلوب العام في ذلك مشابهاً في الفكرة للأسلوب الذي كان متخذاً في التخطيط الأول .وهو مرور الفرد بمصاعب وعقبات تجاه العدل ، ليرى موقفه منها ورد فعله تجاهها ، فإن وقف موقفاً إسلامياً عادلاً كان ناجحاً في هذا التمحيص وإلا كان فاشلاً . صفحة (104) لكن يختلف سبب التمحيص في التخطيط السابق عنه في هذا التخطيط الجديد ، فإننا قلنا في التخطيط الأول أن ظروف الظلم والإنحراف كافية في التمحيص ، من حيث رد الفعل الإسلامي الصحيح من الفرد تجاهها .واما التخطيط الثاني . فسوف لن يكون لعصور الظلم وظروف الفساد اي أثر وإنما ينبثق التمحيص في العهد الجديد من المسؤوليات التي يفرضها التمسك بالعدل الكامل وتطبيقه ، والمحافظة على بقائه في علاقة الفرد مع نفسه ومع ربه ومع الآخرين ومع النظام القائم ... تلك العلاقات التي يتوقع من الفرد خلالها رد فعل إسلامي عادل كامل . وسوف يكون التمحيص شاملاً لكل فرد بمقدار قابلياته وثقافته ، لأنه يتناسب دائماً مع ارتفاع القافة تناسباً طردياً مطرداً ... إذ يقبح على الله عز وجل أن يوفر للفرد امتحاناً وتمحيصاً يكون الفرد فيه فاشلاً باليقين، فإن ذلك خلاف العدل الإلهي ، وإنما يكون التمحيص على مقدار الثقافة والقابلية دائماً ، حتى ما إذا وصلت الثقافة قمة عالية . كان التمحيص في غاية الدقة والصعوبة ، وكان النجاح المتوقع منها نجاحاً مناسباً لتلك المرتبة ، والفشل الصادر فيها مسجلاً بأدق الموازين وبأهون العثرات . وقد وردت في أخبار المصادر الخاصة ، نماذج التمحيصات التي يقوم بها المهدي (ع) في الفترة الأولى من عهده ، تجاه الأمة عامة وتجاه وتجاه أصحابه الخاصين ممن نجحوا في تمحيص التخطيط الأول – خاصة . على ما سوف نعرف تفصيله في ما يأتي . وقد يخطر في الذهن :انه ما الحاجة إلى التمحيص في التخطيط الإلهي الجديد ، وإنما كانت الحاجة في التخطيط الابق إلى التمحيص ، لإيجاد العدد الكافي من أفراد الجيس الفاتح للعالم بين يدي المهدي (ع) .وقد أنجز هذا الجيش عمله وانتفت الحاجة إلى مثله ،فلماذا يستمر التمحيص ساري المفعول في البشر .وجواب ذلك : أن ناموس الله في خلقه هو تربيتهم عن طريق التمحيص .كما دل عليه الكتاب الكريم في عدد من آياته ،والسنة الشريفة ، منها ، قوله تعالى :"ما كان الله ليذر المؤمين على ما أنت عليه ،حتى يميز الخبيث من الطيب"(1) _________ (1) آل عمران : 3/179. صفحة (105) فإنه قانون عام لإختبار طاعة الأفراد في عصر ما قبل التمحيص ... وهو كل عصر يواجه فيه الناس دعوة جديدة وتربية جديدة لم تختبر مواقفهم تجاهها ، ولم تعرف ردود فعلهم حيال المشاكل التي تعترضها فلا بد أن تمر الأمة المسلمة خلال هذا القانون ، ليكون له الأثر الفعال في تربية الأفراد وتعميق إخلاصهم وتقوية إرادتهم تجاه المشاكل .وبذلك يتميز الخبيث من الطيب ، ويعرف من يكون له موقف إسلامي صحيح تجاه المصاعب والعقبات . ومن يكون ذا موقف منحرف باطل .وهذا ميز واقعي بين الأفراد يمت إلى اختلاف قابلياتهم ومسبقاتهم الفكرية والعقلية والنفسية بصلة ... قبل أن يكون مجرد انكشاف لدى الآخرين . وقد سمعنا كيف أن هذا القانون ، كان شاملاً لدعوات الأنبياء السابقين على الإسلام ، ومشاركاً في تربيتهم مشاركة فعالة ، وقد شرحناه في التاريخ السابق(1) وقلنا(2) أن الحاجة – مع ذلك – تعن إلى سريان قانون التمحيص إلى ما بعد الإسلام لتتربى البشرية طبقاً لمفاهيم وتشريع الأطروحة العادلة الكاملة . وكما واجه المجتمع المؤمن دعوة جديدة في صدر الإسلام ، فكان مقتضى هذا القانون تمحيص الأفراد على أساسه خلال تربية الأجيال تربية بطيئة وطويلة وهذا هو التمحيص الساري في تخطيط ما قبل الظهور .كذلك سوف يواجه المجتمع المؤمن والبشرية جمعاء دعوة إسلامية جديدة بعد اندراس الإسلام وعوده غريباً أو نسيان وعصيان الكثير من أحكامه .وسيواجه في هذه الدعوة الجديدة نظاماً وقوانين ومفاهيم ، لم يكن له بها ساق عهد إلى القواعد الإسلامية السابقة . ومن هنا يكون المجتمع بالنسبة إلى هذه الدعوة الجديدة ، مجتمع ما قبل التمحيص. ويحتاج بمقتضى هذا القانون الشامل إلى أن يمر بعصر التمحيص خلال تربية طويلة وبطيئة ، لتتميز مواقف الناس تجاه النظام الجديد والدعوات الجديدة .ويأخذ كل فرد على قدر قابلياته وجهوده من النجاح والتكامل خلال التمحيص ،ما يستطيع . وبينما كان التمحيص السابق ، ينتج فشل الأعم الأغلب من البشر ، كما عرفنا فإن هذا التمحيص وبصفته مدعماً بالأسس ، التي سنعرفها ، ينتج نجاح الأعم الأغلب من البشر ، وسيكون النجاح مطرداً ، حتى تصل البشرية في النتيجة إلى المجتمع المعصوم . _________ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص255 وما بعدها . (2) المصدر السابق ص266 صفحة (106) الأساس الثالث للتخطيط الجديد: توفير جو من السعادة والرفاه المادي المتزايد ، تحت جو من الأخوة والتضامن والعدل الكامل . بأساليب معينة ستأتي في القسم الثاني الآتي من الكتاب . والأساس النظري لإيجاد هذا الرفاه ، ليس هو مجرد نيل اللذة لأنها مهما كانت مهمة ، فإنها لا تكفي وحدها للسير بالبشرية نحو هدفها المقصود النهائي ... وإنما يلاحظ الرفاه المادي بمقدار مايستطيع أن يؤثر في ذلك الهدف البعيد ويربي البشرية باتجاهه. وذلك : من زاوية أن الرفاه المادي متناسباً مطرداً ، مع توفير الجو الكافي لذلك، ولايمكن أن يكون عائقاً عنه ، بعد أن يتشرب الناس ذلك الأساس النظري ، وهو ملاحظة الرفاه بصفته طريقاً نحو الهدف ، لا أنه بنفسه الهدف .ومن ثم ستكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية وترسيخ العدل ، ومن ثم المشاركة في بناء ذلك الهدف . وهذا هو المؤدي الحقيقي لما سمعناه من الأخبار في فصل سابق من كثرة المال فيعهد الإمام المهدي (ع) وأنه يقسم المال ولا يعده ... تلك الأخبار المروية من قبل الفريقين ، وقد سمعنا ما ورد منها في الصحيحين . وقد يخطر في الذهن : أن توفيرالمال والرفاه ، إنما يكون من زيادة العمل . فيكون متناسباً عكسياً مع الهدف، لأن زيادة العمل في سبيل الرفاه سوف يمتص الجهد الذي يمكن أن يبذل في الجانب الأخلاقي والعبادي. ولاتكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية ، كما قلنا . والجواب على ذلك واضح جداً ، لمن استطاع استيعاب المفهوم الصحيح للعبادة مع المفهوم الصحيح للعمل ، فإنه سيستغرب كيف تكون العبادة عائقاً عن العمل مع أنه الأسلوب المهم في حصول الرفاه الأفتصادي المطلوب من أجل العبادة نفسها .وكيف يكون العمل عائقاً عن العبادة ، وهي الهدف الرئيسي للحياة . وبالنتيجة هم معاً واقعين في طريق الهدف البشري الأعلى . صفحة (107) ومن هنا يمكن أن ننطلق إلى الجواب على مستويين : المستوى الأول: أننا إذا فهمنا من العبادة معنى لا ينطبق على العمل ، واصبح العمل المتزايد عائقاً عن العبادة ،فإن ذلك لايمكن أن يحدث تحت ظل النظام العالمي العادل ، إذ يمكن التوفيق بين العبادة والعمل ، وتنظمها تنظيماً عادلاً يكفل إيفاء كل منهما للحاجة التربوية ، وتحصيله لنتيجته المطلوبة ، تحت إشراف القانون والدولة . المستوى الثاني: أننا نفهم من العبادة معنى ينطبق على العمل ، ولا يتنافى معه .فإن العمل نفسه يمكن أن يصبح عبادة .إذا كان واقعاً في طريق العبادة ومطابقاً للنظام العادل الكامل ، فإنه يصبح آنئذ من أفضل العبادات في علاقة الفرد مع الآخرين ،ولانريد بالعبادة خصوص الطقوس الفردية التي تربط الفرد بربه .وقد أعطينا في هذا الكتاب والكتاب السابق فكرة كافية عن ذلك. ... لكن بشرط أن يشعر الفرد العامل بهذا الترابط ، وهذا الإستهداف فإن شعوره بذلك يجعله متصفاً من خلال عمله بالعبادة ، وهو في معمله او متجره أو منجمه . وهذا الشعور متوفر بطبيعة الحال تحت الإشراف التربوي للدولة العادلة . لكن العمل إذا انطلق من المفهوم ، فلن يكون مستهدفاً لذاته ، أو لمجرد الحصول على المال ،فإن العمل ما دام في سبيل المصالح العامة وتحقيق العبادة التامة ...إذاً ، قلته .ولا معنى لأن يكون العمل معيقاً عن تحقيق المصالح والأهداف . الأساس الرابع للتخطيط الثاني: الإشراف العام لدولة على تفاصيل التطبق من الناحيتيتن القانونية والإجتماعية . حيث تشرف الدولة العادلة على نشر الثقافة العامة ، وتقوم ببعض التمحيصات على ما سنسمع ،ونراقب الأفراد من حيث رقيهم في الدرجات المطلوبة من الكمال ، وتساعدهم على النجاح والتكامل بالمقدار اللازم ، وتسجل فيسجل ضميرها من نجح من الأفراد ومن فشل منهم في التمحيص ، ومن له قابلية الرقي ممن ليس له ذلك. وسنرى كيف يكون للدولة من أثر مباشر في تربية الأفراد في العالم . والتدخل في حياتهم الروحية والعاطفية والعقلية والإجتماعية .وهذا مما يؤكد نجاح الدعوة المهدوية والتطبيق الكامل للعدل ، كما يؤكد اجتياز الأفراد للمراحل الأولى من الكمال بنجاح وسرعة وسهولة وهذا الأساس مما يفترق به هذا التخطيط عن سابقه ، نتيجة لإختلافهما في الأهداف ، فقد كان الهدف من التخطيط السابق . تمييز الخبيث من الطيب وتكريس جهود الطيبين و تعميق اخلاصهم ليكونوا الطليعة الأولى لدولة العدل العالمية في اليوم الموعود .ولم يكن هناك أي تاكيد على إنجاح الراسبين أو توفير فرص النجاح .بل إن الفرد إذا رسب في التمحيص وعصى الأحكام الإلهة الإسلامية ، فقد جنى بنفسه عل نفسه وسعى بظلفه إلى حتفه ، فليس وراءه إلا استحقاق العقاب . صفحة (108) ولذلك لم يكن هناك حاجة للإشراف المركزي عل التثقيف أو التمحيص وإن كان هذا راجحاً ، إلا أنه في إمكان التخطيط العام أن يصل إلى نتيجته وصولاً تلقائاً وفي كل الظروف. ولكن التخطيط الثاني يختلف عن الأول ، في هذه النقطة .وذلك لأنه لا يستهدف مجرد التمحيص ، بل الوصول إلى الهدف الأعلى للإنسانية على الصعيد العالمي كله .وهذا يستدعي القيام بأمرين مقترنين : الأمرالأول : تعميق التمحيصات تبعاً لتعميق الثقافة الإسلامية المعلنة في العالم يومئذ ، وتشديد النكيرعل الراسبين في هذا التمحيص ، إلى حد قد يؤدي بهم إلى القتل ، لعدم انسجام الفرد الراسب في التمحيص مع مجتمع العدل المطلق . الأمر الثاني : توفير الفرص الكافية للأفراد ، ممن لا يتصف بالقابلية العليا والثقافة العميقة ، إلى النجاح ، تحت إشراف الدولة العادلة ، ليكون الوصول إلى نتيجة التخطيط أسرع وأسهل وأوسع . وليس بين هذين الأمرين تناف ، بل هما متفقان في الإيصال المطلوب إلى النتائج المتوخاة ، وسوف يكون الأمر الأول أشد وضوحاً وأهمية مع وجود الأمر الثاني ، فإن من يرسب في التمحيص ، بالرغم من وجود الفرص الكافية للنجاح ، يكون أشد إجراماً وابعد عن الحق والعدل ، ممن يرسب بدون هذه الفرص ،كما هو واضح . وهذا يشكل إحدى الفروق في النتائج بين هذا التخطيط وسابقه ، فبينما نجد أن التخطيط السابق يتمخض عن ضعف المسؤولية ، كما سبق أن برهنا في التاريخ السابق(1) نرى هذا التخطيط مساوقاً مع عمق المسؤواية ودقتها . ويرجع ذلك لعدة أسباب، لعل من أوسعها وأوضحها ، كون تطبيق العدل في التخطيط السابق مخالفاً للإتجاه العام المملوء بالظلم والجور ، حتى يكون القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار ، كما ورد في بعض الأخبار .ومن الواضح أن القبض على الجمر يحتاج إل قوة إرادة عليا ، وإن عدم القبض عليه لا يتضمن المسؤولية العليا والإجرام الكبير .بخلاف الحال في التخطيط الجديد ، فإن تطبيق العدل موافق للإتجاه العام المملوء قسطاً وعدلاً ، ومن هذه الجهة يكون موافقاً للهوى ، ويكون الإنحراف مخالفاً للإتجاه العام فتكون مسؤوليته ذات درجة عليا من الأهمية ومناستحقاق العقاب . فهذه هي الأسس الرئيسية التي يمكن التوصل إليها الآن ، وبها وأشباهها يستطيع القائد المهدي(ع ) تربية الأمة ألإسلامية بسرعة وبسهولة .وأما بالنسبة إلى سائرأجزاء العالم فهذه الأسس سوفتشارك في تربيته بعد استتباب اسيطرة عليه ، وأما حصول هذه السيطرة فلا وكيفيتها ، فهو ما سنذكره مفصلاً في فصل قادم. _________ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص 451 وما بعدها إلى عدة صفحات . صفحة (109) الباب الثاني حوادث ما قبل الظهور ونعني بها الحوادث التي تقع قبل الظهور بزمن قليل ، حسب ما نعرف من أدلتها ،وهو ما سبق أن أجلنا الحديث عن ألأعم الأغلب من "تاريخ الغيبة الكبرى" إلى هذا التاريخ ، باعتبار ما ألصق به . وإن كانت هذه الحوادث في واقعها ، تحصل في عصر الغيبة الكبرى ، إلا أن قصر الزمان نسبياً ، بينها وبين الظهور يجعلها أشد ، ارتباطاً به مما قبله ، كما سيتضح فيما يلي من البحث . صفحة (111) تمهيد لا بد لنا – في هذا الصدد – أن ناخذ بنظر الإعتبار ، عدة أمور : الأمر الأول :أننا سرنا في التاريخ السابق (1) على اسلوب معين في فهم غالب الحوادث الواردة في الأخبار، وهو أسلوب الحمل على الرمزية ، لوجود الإطمئنان في كثير من الأحيان ، بأن المداليل اللفظية للأخبار الناقلة لهذه الحوادث غير مقصودة .وإنما المقصود من ورائها الإشارة إلى حوادث اجتماعية مما قد يتمخض عنها التخطيط السابق على الظهور .وإنما صيغت بأسلوب الرمز لمصالح معينة ... لعل من أهمها : أولاً : عدم الموافقة بهذه الحوادث مع المستوى الفكري للعصر الذي صدرت فيه هذه الأخبار . ثانياً : أنه لو صرح بهذه الحوادث وشرحت بوضوح ، لأمكن استغلالها واتخاذ مواقف سيئة منها ، بنحو يخل بالتخطيط الإلهي العام . ثالثاً :إن مؤدى جملة كبيرة من الأخبار الناقلة للحوادث ، ظاهر بأنها تحصل عن طريق إعجازي غير طبيعي، بشكل يكون منافياً مع قانون المعجزات الذي برهنا على صحته . فيدور الأمر بين طرح الحديث أساساً وبين حملة الرمز، وقلنا هناك(2) بأن الحمل على الرمز أولى من الطرح ، وخاصة فيما إذا كانت الحادثة منقولة بأخبار كثيرة ، صالحة للإثبات التاريخي ، ولا يمكن طرحها . وهنا نواجه هذه النقاط مرة أخرى ، وبشكل وآخر ، في الأخبار الناقلة لحوادث ما بعد الظهور، مع وجود اختلافين أحدهما نقطة قوة والأخرى نقطة ضعف . _________ (1) انظر – مثلاً- ص212 منه. (2) ص217 وما بعدها. صفحة (113) الإختلاف الأول : الذي يمثل نقطة القوة وهو أننا هنا لن نواجه العقبة التي قلناها في تمهيد هذا التاريخ ، وهي أننا لا نستطيع التعرف على العمق الحقيقي للحادثة أو لمجموع الحوادث ، وذلك :لأن ذلك إنما يصدق على حوادث ما بعد الظهور .وأما ما يكون موجوداً قبل الظهور ، كما هو شأن العلامات التي نتحدث عنها في هذا الفصل ، فاستيعاب فهمه متير إلى حد كبير . الإخنلاف الثاني : الذي يمثل نقطة الضعف ، ينطلق من صعوبة اختيار المعنى المرموز إليه ، في الموارد التي نحتاج فيها إلى ذلك ، فإنه بعد أن يتبرهن الحمل على الرمزية ، قد لا يتعين المعنى المشار إليه بالرمز . ولعله من الممكن انطباقه على أكثر من مفهوم أو عدة وقائع . ومع وجود هذه المصاعب ، قد لا يتعذر الإطلاع على المعنى المرموز إليه .إذ وجدت من القرائن والمثبتات حوله ما يكفي .ولكن مع تعذر ذلك لا بد أن نبني البحث على أسلوب الأطروحات بمعنى عرض أقرب المعاني المحتملة إلى الواقع وإلى القواعد العامة ، وقد لا يكون المعنى المحتمل بلحاظ ذلك أكثر من معنى واحد ، فيتعين ، وإن كان لايعدو كونه (اطروحة) باعتباره معنى محتملاً. وتوجد هناك صعوبة أخرى ، قد نواجهها في فهم بعض الأخبار وهي أننا نجهل ما هو الرمزي من ألفاظ الروايات مما هو صريح ، فهل كل ألفاظها رمزية أو يوجد بعضها ما يمكن حمله على معناه الصريح .وهل يمكن التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد؟ وهل نحن محتاجون إلى هذه الرواية ، للحمل على الرمز أو لا ؟ أما من حيث أسس ذلك ، وهي إمكان التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد فالصحيح المطابق للفهم العام في الكلام ، أن ذلك ممكن إذا لم يكن مجموع الفهم من ألفاظ الحديث متنافراً ، بمعنى ضرورة الإنسجام بين المعاني التي فهمناها سواء الصريح منها والرمزي . وأما الحاجة إلى الرمزية وعدمه ، فهو ما سبق أن بحثناه في التاريخ السابق(2) وخلاصته عدم إمكان الحمل على الرمز مع إمكان فهم المعنى اللفظي المطابقي نفسه . مع إمكان الحمل على المجاز والكناية ، إذ مع إمكانه لا حاجة إلى الرمز. _________ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص218 وما بعدها . صفحة (114) إنطلاقاً من هذه الأسس سنقوم بتذليل هذه الصعوبة : أعني تعيين الرمز من الصريح من الألفاظ ، عن طريق (القواعد العامة) ودلالة الأخبار الأخرى أولاً ، فإن تعذر ذلك ، كان أسلوب (الأطروحات) كفيلاً بتذليل هذه المشكلة ، لأننا حين نعرض الأطروحة المعينة القريبة إلى الذهن ، سنعرف بطبيعة الحال ما يدل عليها من الأخبار بنحو الرمز ، وما يدل عليها بنحو الصراحة . الأمر الثاني :- من التمهيد - : في تمحيص ما ورد من الحوادث . يمكن تقسيم هذه الحوادث من حيث إعرابها عن المعجزات إلى قسمين : القسم الأول : ما كان بدلالته اللفظية ، أو بعد حمله على الرمزية ، دالاً على حوادث غير إعجازية ، اجتماعية أو طبيعية . القسم الثاني : ما كان دالاً على حوادث إعجازية ، بشكل واضح ، لا يمكن صرفه عنها . ويختص القسم الثاني بتحفظين لا حاجة إليهما في القسم الأول : التحفظ الأول : إن هذا القسم مربوط بقانون المعجزات ، فما كان منه منسجماً معه أمكن الأخذ به لو تم فيه التحفظ الثاني الآتي ... وما لم يكن منسجماً معه ، فلا بد من رفضه على كل حال . التحفظ الثاني : إن القسم الأول يمكن قبول حدوثه مع الإنسجام مع المنهج العام الذي قلناه في هذا التمهيد العام لهذا التاريخ ... في حين أن القسم الثاني يحتاج إلى درجة أعلى من التشدد في القبول ، كما عملنا عليه في التاريخ السابق(1) . ففي الوقت الذي قبلنا فيه الخبر الموثوق الواحد المجرد عن القرائن المثبتة في التمهيد... لم نكن قد قبلناه في التاريخ السابق ، ولا نستطيع قبوله في اخبار القسم الثاني المتكفل لنقل أخبار المعجزات ، باعتبار ما فينقلها من مظنة الخطأ والدس ، كما سبق أن عرضناه في التاريخ السابق(2)، فنقتصر فيه على قبول الخبر المستفيض أو المحفوف بالقرائن الموافقة . الأمر الثالث : سبق منا في التاريخ السابق(3) أن ذكرنا حوادث ما قبل الظهور، مفصلة وعرفنا ما حدث منها وما لم يحدث .وما هو محمول على الرمزية وما ليس كذلك ، وعرفنا هناك خصائص كثيرة لا حاجة إلى تكرارها في هذا التاريخ . _________ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص208 . (2) المصدر ص204. (3) المصدر فصل الأخبار الدالة على التنبؤ بالمستقبل ص280 وفصل علامات الظهور ص521. صفحة (115) إلا أن هذا التركيز فيما سبق ، كان على حوادث ما قبل الظهور ،ككل سواء منها البعيد عنه والقريب ..بل كان التركيزعلى البعيد عنه أشد ، الحديث عنه أوسع ... باعتباره بعضاً من حلقات تاريخ الغيبة الكبرى . ومع تجنب التكرار في هذا التاريخ ، والإستغناء عن ذكر الحوادث البعيدة أو المحتملة البعد عن يوم الظهور ، يبقى عل هذا الفصل أربعة مهام : المهمة الأولى: التعرض إلى بعض العلامات التي لم تكن قد ذكرت في التاريخ السابق ، مع محاولة تمحيصها، وإعطائها الفهم اللازم . المهمة الثانية : محاولة إثبات بعض العلامات التي سبق ذكرها ، طبقاً لتغيير المنهج في الإثبات التاريخي ، كما سبق أن أوضحنا في التمهيد. المهمة الثالثة : محاولة إعطاء فهم جديد لبعض العلامات القريبة التي لم تكن قد أخذت حظها الكافي من البحث في التاريخ السابق ... أو عرض جوانب جديدة منها ، لم تكن قد عرضت هناك . المهمة الرابعة : محاولة ضبط التسلسل التاريخي للحوادث مهما أمكن ، وهذا ما لم نتوفر عليه في التاريخ السابق ، في حين يكون استنتاجه مهماً في هذا التاريخ . وإذا تمت هذه المهام ، فسيكون هناك فرق أساسي كبير بين بحث التاريخ السابق ، وبين هذا الباب ، كما سوف يظهر عند الدخول في التفاصيل . وعلى أي حال ، فتنقسم هذه الحوادث ، أعني القريبة إلى الظهور ، إلى قسمين رئيسين : الأول : الظواهر الطبيعية أو السماوية التي لا تمت إلى اختيار الناس بصلة . الثاني: الظواهر الإجتماعية التي تعود إلى تصرفات الناس ، وما يعود إلى الحوادث التي تحصل للأمة الإسلامية بين آونة وأخرى . وينبغي أن يقع الحديث عن القسم الأول سابقاً على الحديث عن القسم الثاني لأجل أن تتصل حوادث القسم الثاني بما بعدها من التاريخ ، حفظاً للتسلسل الزماني لها ، وسنتحدث عن كل قسم في فصل مستقل . صفحة (116) الفصل الأول الظواهر الطبيعية والسماوية ونريد بها الحوادث المنقول حدوثها في الطبيعة ، و إن كانت صفتها إعجازية . والمنقول منها أمور عديدة .ونحن نقتصر – اختصاراً للكلام وتمحيصاً للروايات – على ما كان متصفاً بشرائط ثلاث : الشرط الأول: عقدنا من أجله هذا الباب ، وهو خصوص الحوادث القريبة من الظهور .بحسب أدلتها دون البعيد منها . الشرط الثاني: أن تكون الحادثة مما يمكن إثباته ، بحسب المنهج الذي اتخذناه مع محاولة تجنب ما لا يمكن اثباته . الشرط الثالث: أن يكون مما ورد ارتباطه في الأخبار نفسها بظهور المهدي (ع) وبهذا نختصر هذه الحوادث بالمصادر الخاصة الإمامية ،وليس في المصادر العامة منها إلا النادر . وما يبقى مندرجاً تحت هذه الشروط ، من الحوادث ، عدة أمور ، نذكر كلا منها في جهة : الجهة الأولى : الخسوف والكسوف : ويراد به حدوثهما بشكل يختلف عن الشكل الإعتيادي له . فبدلاً عن أن يحدث الكسوف في أول الشهر و الخسوف في وسطه . كما هو المعتاد ، فإن حدوثهما . سوف يكون بالعكس . فيحدث الكسوف في وسط الشهر والخسوف في أوله ... بشكل لم يسبق له نظير منذ أول البشرية إلى حين حدوثه.وهذا ما تعرب عنه عدد من الروايات ، ذكرنا ثلاث منها في التاريخ السابق (1) عن الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والشيخ النعماني . _________ (1) انظر ص574 صفحة (117) وأخرج الشيخ الطوسي في ( الغيبة ) (1) أيضاً بسنده عن بدر الأزدي ، قال : قال أبو جعفر الباقر (ع) آيتان تكونان قبل القائم لم تكونا منذ هبط آدم (ع) إلى الأرض . تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره .فقال رجل : يا بن رسول الله ، تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف .فقال ابو جعفر : إني لأعلم بما تقول ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (ع) . وأخرج السيوطي في العرف الوردي(2) عن الدار قطني في سننه عن محمد بن علي الإمام الباقر (ع) ، قال: إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض : ينخسف القمر لأول ليلة من رمضان ، وتنكسف الشمس في النصف منه ، ولم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض . وفيما روينا هناك ما يدل على أن انخساف القمر يكون في الخامس والعشرين من رمضان ،واما أنكساف الشمس فهو في ثلاث عشرة أو أربع أو خمس عشرة منه .ويدل سياق هذه الرواية وأكثر من رواية أخرى على قرب هذه العلامة من قيام القائم أعني ظهور المهدي (ع) . وهذا العدد من الروايات يكفي للإثبات التاريخي حتى مع (التشدد السندي) الذي سرنا عليه في التاريخ السابق، وطبقناه هنا على الروايات الناقلة للمعجزات . وقد أشرنا هناك إلى المبرر الذي دعا إلى إيجاد هاتين الواقعتين في التخطيط الإلهي لما قبل الظهور .وهو –باختصار – ترسيخ فكرة المهدي (ع) عند حدوث هذه العلامة ، أولا ، والإيعاز إلى المخلصين من الخاصة إلى قرب الظهور ثانياً . سيقى علينا الآن أن نتكلم عن المبرر الكوني لوجودها .وهل هو بطريق إعجازي أو طبيعي ... وإذا كان طبيعياً فكيف يحصل ... وهذا ما لم نفض فيه الحديث في التاريخ السابق . _________ (1) ص270 (2) الحاوي للفتاوي ج2 ص136 صفحة (118) إن لحدوث هذه الوقائع عدة اطروحات لا بد من استعراضها ونقدها : الأطروحة الأولى: حصول الكسوف والخسوف بسببه (العلمي) الإعتيادي لكن مع اختلاف بسيط هو الإختلاف في الزمان .فإن ثبت في العلم الحديث أن الكسوف يحصل بتوسط الأرض بين الشمس والقمر ، أمكن حصول ذلك في زمان آخر جديد . وهذه الأطروحة هي الأوفق بالظاهر الأولي من الروايات ، لو فرض الإلتزام بكون هذه الحوادث طبيعية غير إعجازية . الإ أنها واضحة المناقشة طبقاً للنظرية العلمية الحديثة ، ومن ثم لا بد من التنازل عن هذا الظهور الأولي في الروايات . فإن القمر – وهو يستمد نوره من الشمس ، والنور يسير بخطوط مستقيمة لا يمكن أن تنعطف انعطافاً كبيراً – أن القمر لا يمكن أن يكسف الشمس حال كونه بدراً في وسط الشهر ، لأن انكساف الشمس به ، يلازم بالضرورة كون الوجه المظلم من القمر متوجهاً إلى الأرض ، وهذا ينافي بالضرورة كونه بدراً . كما أن خسوف القمر لا يكون إلا بوقوع ظل الأرض على القمر ، بعد توسطها بينه وبين الشمس .وهذا معناه :أن الأرض أقرب إلى الشمس من القمر . وهذا لا يحدث إلا في وسط الشهر حين يكون القمر بدراً . ولا يمكن دفع هذه المناقشة ، إلا بالطعن بالنظرية العلمية ، انطلاقاً من زاوية أن النظريات العلمية مهما تأكدت . فإنها قائمة على الحساب الظني ، وإن كان راجحاً ولا تنتج يقيناً تاماً بأي حال .وهذا موكول إلى وجدان القارىء . الأطروحة الثانية : أن تكون رؤية الكسوف والخسوف في غير الأرض بل في مناطق أو كواكب أخرى من المجموعة الشمسية . أما بالنسبة إلى كسوف الشمس ، فقد حدث فعلاً عام (1391 هـ – 1971م) حين كان بعض رواد الفضاء على القمر ، فشاهدوا الشمس مكسوفة كلياً بتوسط الأرض بينهم وبينها .وهذا التوسط لا يحدث عادة إلا في وسط الشهر . واما الخسوف فلم يحدث إلى حد الآن ، لكن في الإمكان تصور حدوثه فيما إذا انتقل بعض أفراد الإنسان إلى كوكب آخر من المجموعة الشمسية كالمريخ او الزهرة ، فإنه قد تصبح الأرض ما بين القمر وذلك الكوكب . فيحدث الخسوف في نظرهم. صفحة (119) ومن الواضح :أن هذا غير مشروط بحدوثه في وسط الشهر القمري ، بل قد يحدث في أوله أو آخره أيضاً . ويمكن المناقشة في هذه الأطروحة من أكثر من جهة : أولاً : أن الظهور الأولي للروايات يقتضي حدوث الكسوف بالنسبة إلى ساكني الأرض ، لا بالنسبة إلى من في القمر او المريخ . غير أنه يمكن الإستغناء عن هذا الظهور ، من زاوية أن ظهورها في أن الإنسان هو الذي يرى هاتين الواقعتين ، وهو أمر لا يختلف فيه الحال بين الأرض والمريخ ، ما دام الإنسان هو المشاهد . ثانياً : إن الظهور الأولي للروايات يقتضي حدوث هاتين العلامتين في شهر واحد ،هو شهر رمضان ، وهذا مما لم يتحقق في الخارج . ثالثاً: إن الظهور الواضح لهذه الروايات – كما قلنا – يقتضي قرب هذه الوقائع إلى اليوم الموعود ، فإذا كان قد حدث أحدالأمرين، إذن فهو لم يحدث قريباً من اليوم الموعود . الأطروحة الثالثة : إن يحدث الكسوف والخسوف بتوسط جرم آخر طارىء في الفضاء صدفة ، من الأجرام التي تعتبر علمياً تائهة في الفضاء ، أو ذات مدار ضخم جداً وغير محدد . فيحجب القمر عن الشمس ، فيحدث الخسوف ، أو يحجب الشمس عن الأرض في وسط الشهر ، فيحدث الكسوف .ومن الواضح أن مرور الجرم الطارىء غير محدد بزمان معين في الشهر . وقد يؤيد ذلك بقوله في أكثر من رواية :أنهما آيتان لم تحدثا منذ هبط آدم (ع) . فلعل جرماً ما قد اوجد هذه الظاهرة فبل وجود البشرية . ثم يكون وقت مروره بالمجموعة الشمسية منوطاً بتاريخ معين يصادف قبل ظهور المهدي بقليل. وهذه الأطروحة لا ترد عليها المناقشة الأولى للأطروحة السابقة ، لفرض أنها ترى من الأرض . وأما المناقشة الثانية : فمن حيث حصول الواقعتين في شهر واحد ، أمر لا غبار عليه ، إذا التفتنا إلى أن جرماً واحداً هو الذي يعمل كلا العملين .فإن المذنب وأمثاله إذا ظهر قريباً من الأرض لا يختفي عادة لليلة واحدة ، بل يبقى مدة من الزمن حتى ينتهي عبوره فضاء المجموعة الشمسية ، فيمكن أن يحدث خلال وجوده كلا هذين الأمرين . صفحة (120) وأما حدوث ذلك في شهر رمضان دون غيره ،فهذا على تقدير ثبوته ، لا بد من إيكال علمه إلى أهله .وسيأتي ما يوحه فيما يلي : الأطروحة الرابعة : أن يحدث الكسوف و الخسوف بتوسط جرم آخر طارىء ، ولكنه من الأجرام المنطلقة من الأرض لبعض الغراض العلمية أو الحربية .إذ لعل البشرية تتطور حتى تصل إلى المستوى الذي يؤهلها لإطلاق الأجرام الضخمة المنتجة لمثل هذه النتائج الكبيرة . وقد يرد في الذهن : أنه كان ذلك بفعل البشر ،فكيف يكون ذلك علامة على اليوم الموعود . وجوابه من عدة وجوه : أولاً : لعل البشر يطلقون الجرم لا لأجل إحداث الكسوف والخسوف ، بالغرض آخر ، فيترتب عليه من حيث لا يعلمون . فإذا كان من الضروري أن تكون العلامة قهرية الوقوع ، فهذه بمنزلة العامة القهرية. ثانياً : أن البشر لو كانوا ملتفتين إلى إمكان حدوث الخسوف والكسوف من إطلاق الجرم ، إلا أن الذين يطلقونها لا يحملون عن المهدي (ع) وعلامات ظهوره أية فكرة ، فتكون هذه العملية بالنسة إلى فكرة علاميتها كالقهرية . ثالثاً : أن البشر الذين يطلقون الجرم حتى او التفتوا إلى فكرة العلامية ، إلا أنهم لا يمكن أن يطلقونه إلا بعد بلوغهم مستوى (مدنياً) معيناً ، فمن الممكن أن تكون العلامة في الواقع هو هذا المستوى المدني العلمي وإنما ذكرت الروايات وجود الكسوف والخسوف للإشارة إليه . بشكل لا ينافي المستوى الفكري العام لعصر صدور الأخبار . وأما ورود المناقشات التي أوردناها عن الأطروحة الثانية ، فهو غير مهم ،كما هو واضح لمن يفكر ، سوى حصول ذلك في شهر رمضان وهو ما سيأتي إيضاحه . وقد يخطر في الذهن: أن الروايات دالة على حدوث هاتين الواقعتين قبل وجود البشرية ، فكيف ينسجم ذلك مع هذه الأطروحة . وجوابه واضح من زاوية ان الروايات لم تدل على أكثر من عدم حصوله خلال عمر البشرية (منذ هبط آدم (ع)) واما حصوله قبل ذلك ، فليس لها ظهور تام في ذلك . وإن كانت مشعرة به قليلاً ، ويمكن الإستغناء عن هذا الإشعار مع تأكد هذه الأطروحة . صفحة (121) فهذه جملة من الأطروحات الطبيعية أعني حدوث هاتين العلامتين بشكل غير خارق لنظام الطبيعة ، وهناك بعض الأطروحات الأخرى منها ما هو مبتنٍ على النظرية النسبية ، لا حاجة إلى التطويل بذكرها . ويرد على هذه الأطروحة إشكال مشترك هو ما أشرنا إليه من التوقيت سواء منه التوقيت بشهر رمضان أو بقرب الظهور . فإنهما معاً قد يستشكل بعدم انسجامهما مع الحدوث الطبيعي لهاتين الواقعتين بأي أطروحة كان . ويمكن الجواب على هذا الإيراد من اكثرمن وجه واحد نذكر منها ما يلي : الوجه الأول : الطعن بصحة هذا التوقيت .والإلتزام بأن اقصى ما يثبت هو وجود هاتين الواقعتين قي غير أوانهما الطبيعي من الشهر ، فإن هذا المعنى تسالمت عليه الروايات ، وأما غير ذلك من الصفات فهم مما استقلت به البعض دون البعض . فلا يكون له الإثبات التاريخي الكافي . فلا يكون هذا الإشكال المشترك وارداً. إلا أن هذا الوجه لا يتم في بعض الصفات الأساسية كحدوث الواقعتين قرب الظهور .. وإن صح الإستغناء عن بعض الصفات الأخرى . الوجه الثاني : أننا إذا سلمنا بثبوت التوقيت ، لا يبق من إشكال إلا في اصل جعلها علامة على الظهور ، مع أنها حوادث مستقبلة ، وهي مما لا يمكن الإطلاع عليها من قبل أحد .وهذا ما سبق أن ناقشناه في الكتاب السابق(1) . ومع ارتفاعه وتسليم إمكان التنبؤ بالمستقبل من قبل قادة الإسلام المعصومين (ع) ، وتسليم ثبوت هذه الصفات – كما قلنا - ... لايبقى لهذا الإشكال مجال . الأطروحة الخامسة : أن يحدث هذا الخسوف و الكسوف على نحو الإعجاز ، بخرق نواميس الطبيعة . وقد تؤيد هذه الأطروحة ببعض القرائن المؤيدة : القرينة الأولى : قوله في اكثر من رواية :أنهما آيتان لم تحدثا منذ أن هبط آدم (ع) إلى الأرض ....إذ لو كانت هذه الحوادث طبيعية لحدثت خلال وجود البشرية أكثر من مرة . _________ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص532. صفحة (122) إلا أن هذه القرينة لا تتم مع ثبوت إحدى الأطروحتين الأخيرتين بل مع مجرد احتمالهما ، فإنهما يعطيان التبرير (الطبيعي) لعدم حدوث هذه الوقائع خلال عمر البشرية ، فلا ينحصر أن يكون هذا إعجازياً . القرينة الثانية : إن إعجازية هذه الوقائع هي المناسبة مع جعلها علامة للظهور ومنبهة للمخلصين الممحصين .وأما مع وجودها وجوداً طبيعياً ، فتضعف فكرة جعلاها علامة إلى حد كبير . وهذه القرينة أيضاً قاصرة ، لأنها تتضمن غفلة عن معنى جعل العلامة ، الذ يسبق أن ذكرناه في التاريخ السابق(1) وعرفنا هناك أن السر الأساسي فيه ليس منطلقاً من الاعجاز ، بل من الإخبار نفسه ، حيث يختار قادة الإسلام (ع) شيئاً مهما ً ملفتاً للنظر فيخبرون به مرتبطاً بالظهور .حتى ما إذا وقعت الحادثة ثبت عند الجيل المعاصر لها صدق الإخبار عنها بالوجدان فيثبت بالوجدان أيضاً صدق ما ارتبط بها في الرواية ، وهو أصل الظهور إن كانت علامة مطلقة ، او قربه إن كانت علامة قريبة . وأضفنا هناك : ومن هنا لا معنى لكون بعض هذه الحوادث علامة ، إلا إذا ورد في الروايات ذكره ، وجعل منها علامة على الظهور . أقول فالأساس في ذلك هو الإخبار لا الإعجاز ، وما دام الإخبار موجوداً وكافياً للإثبات التاريخي ، لا يكون حدوثها (الطبيعي) ، مخلاً بفكرة جعلها علامة . هذا وينبغي الإلماع إلى أن في هذه الأطروحة الأعجازية ، نقطة ضعف ونقطة قوة ، بالنسبة إلى (قانون المعجزات) . فهي موافقة له من زاوية كون هذه الوقائع واقعة في طريق الهداية ، كما أسلفنا في التاريخ السابق(2) .وهذه نقطة قوته .ولكنها مخالفة له باعتبار عدم انحصار طريق الهداية بها ، ولا أقل من الشك في ذلك ، ومعه لا تكون موافقة مع هذا القانون من جميع جهاته فلا تكون صحيحة فإذا انحصر الأمر بالأطروحة الإعجازية ، كان اللازم رفض الأخبار الدالة عليها ، لإننا عرفنا عدم الإنحصار بها ، ومعه يتبين رفض هذه الأطروحة والحفاظ على الأخبار مع حملها على إحدى الأطروحات الطبيعية . _________ (1) انظر ص529 وما بعدها . (2) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص575. صفحة (123) الجهة الثانية : الفزعة والصيحة وهما أيضاً من الحوادث المنقولة في الأخبار ، وإنما دمجناهما في عنوان واحد ، لإحتمال أن يكون المراد بهما شيء واحد ، على ما سوف نشير . أخرج الصدوق (1) بإسناده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) في حديث ، قال فيه : ومن علامات خروجه (ع) ... وصيحة من السماء في شهر رمضان . وأخرج ايضاً عن الحرث بن المغيرة ، عن أبي عبد الله (ع) : الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان . وأخرج عن عمر بن حنظلة ، قال :سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : قبل القائم خمس علامات محتومات ...وعد منها : الصيحة . ونحوه أخرج النعماني في (الغيبة)(2) إلا أنه قال : والصيحة في السماء . واخرج النعماني أيضاً (3) عن داود الدجاجي عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) قال : سئل أمير المؤمنين (ع) عن قوله تعالى :فاختلف الأحزاب من بينهم . فقال: انتظروا الفرج من ثلاث ! فقيل: يا أمير المؤمنين ، وما هن ؟! ... فقال :... والفزعة في شهر رمضان .فقيل : وما الفزعة في شهر رمضان. فقال : أو ما سمعتم قول الله عز وجل في القرآن : " إن نشأ ننزل عليهم آية من السماء ، فظلت أعناقهم لها خاضعين " هي آية تخرج الفتاة من خدرها توقظ النائم ويفزع اليقظان . وأخرج أيضاً عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال : وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان ، وتخرج الفتاة من خدرها . _________ (1) أنظر اكمال الدين للصدوق (نسخة مخطوطة). (2) ص 133. (3) نفس الصفحة . (4) انظر غيبة النعماتي ص 134 وكذلك الحديث الذي يليه. صفحة (124) وفي حديث آخر : عن أبي بصير عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) ، في حديث أنه قال : الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان شهر الله – وهي صيحة – جبرئيل إلى هذا الخلق . ثم يقول – بعد حديث طويل – إذا اختلف بنو فلان فيما بينهم . فعند ذلك فانتظروا الفرج ، وليس فرجكم إلا في اختلاف بني فلان ، فإذا اختلفوا فتوقعوا الصيحة في شهر رمضان وخروج القائم ، إن الله يفعل ما يشاء .. الخبر . ولعل من أهم ما دل عل وقوع الصيحة من الأخبار ، ما ورد في الخطاب الذي أخرجه السفير الرابع عن الإمام المهدي (ع) ، والذي أعلن فيه المهدي (ع) انتهاء السفارة بموت هذا السفير . يقول فيه : إلا فمن أدعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة ، فهو كذاب مفتر .(1) وأخرج القندوزي في ينابيع المودة بعض هذه الأخبار . ونستطيع أن نعطي لفهم هذه الصيحة ، عدة اطروحات ، لنرى ما يصح منها وما لا يصح : الأطروحة الأولى: إن الصيحة والفزعة بمعنى واحد ، ويراد بها صوت عظيم يكون في السماء ، يوقظ النائم ويفزع اليقظان ، ويخرج الفتاة من خدرها خوفاً وفزعاً . ومن هنا سميت بالفزعة . ويكون الصوت حادثاً بالمعجزة ، ولايكون له مدلول كمداليل الكلام ، وإنما هو صوت كالرعد أو الهدة العظيمة . إلا أن هذا مما لا يكاد يصح ، فإن أهم ما ينافيه في الروايات ، قوله :وهي صيحة جبرئيل إلى هذا الخلق .فإن صحته تكون - لا محالة – ذات معنى كمعاني الكلام ، لا أنها مجرد صيحة صامتة .وسيأتي ما يدل على ذلك في أخبار (النداء) . الأطروحة الثانية : إن المراد بالصيحة هو النداء الآتي ذكره .وهو نداء جبرئيل على ما سنسمعه من الأخبار. وفي التعبير بأنها صيحة جبرئيل ، ما يؤيد ذلك . _________ (1) انظر الإحتجاج للطبرسي ط النجف ص297وانظر تاريخ الغيبة الصغرى ص633 وما بعدها . صفحة (125) ويكون السبب في هذا الصوت شيء من قبيل المعجزة ، فإن سببه صادر من فوق الطبيعة المادية ، لأنه صوت أحد الملائكة الكرام كما سمعنا في الأخبار . وعلى أي من هاتين الأطروحتين ويكون الصوت إعجازياً حادثاً من اجل مصالح معينة ، أهمها ما أشرنا إليه من التنبيه على قرب الظهور ، من اجل إيجاد الإستعداد النفسي لدى المخلصين والمسلمين لإستقباله . الأطروحة الثالثة : أن يكون المراد بالصيحة والفزعة معان طبيعية غير إعجازية فالفزعة تعبير عن وجود رعب عام لسبب من الأسباب كتوقع حرب أو وباء مثلاً .ويكون المراد بالصيحة صوت عظيم صادر من بعض القنابل أو الصواريخ ، أو من اختراق إحدى الطائرات حاجز الصوت ، أو انفجار بعض المستودعات ...ونحو ذلك غير أن الأطروحة بعيدة للغاية عن مداليل هذه الأخبار وسياقها العام .وخاصة مع الإستدلال بقوله تعالى :" إن نشأ ننزل عليهم آية من السماء فظلت أعناقهم لها خاضعين " (1) . وقد استدل بهذه الآية عل الفزعة ، كما سبق أن سمعنا ،وعلى الصيحة ، فيما رواه الصافي في منتخب الأثر(2) والقندوزي في الينابيع (3) عن أبي عبد الله (ع) ، وقال في آخره : فتلوت هذه الآية أي قوله تعالى :إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ..الآية ،وفقلت : أهي الصيحة ؟ قال: نعم .لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله عز وجل . وإنما تخضع أعناق أعداء الله نتيجة لحادث كوني كبير غير معهود ، فيه عنصر أعجازي ، لا لحادث بسيط كصوت صاروخ أو طائرة . ولعل في تفسير الآية تارة بالصيحة وأخرى بالفزعة .ما يوحي بالأطروحة الأولى . أو أن تكون الفزعة بمعنى الصيحة ،فإنهما آية واحدة تخضع لها أعناق أعداء الله سبحانه . ويكون ذلك مطابقاً للأطروحة الثانية .ويكون الفزع ناشئاً من صوت جبريل الأمين. في قلوب أعداء الله .. وأما المؤمنين فيكون الصوت بشارة كبرى لهم عن قرب الفرج وتوقع الظهور . ومن أجل هذا يحصل الاهتمام الكبير بهذا الصوت و يستيقظ منه النائم ويفزع اليقظان ، وتخرج الفتاة الحيية المخدرة من خدرها وولا تتحدث عن الفتيات غير المتصفات بالحياء . _________ (1) الشعراء : 26/4. (2) ص404. (3) ص 426. صفحة (126) هذا ، والظاهر من سياق هذه الأخبار ، وخاصة مثل قوله : فتوقعوا الصيحة وخروج القائم ...أن تكون الصيحة قبل الظهور بزمن قليل نسبياً ...وهو المقصود . الجهة الثالثة: النداء . والأخبار عن ذلك على ثلاثة أشكال : الشكل الأول : ما كان دالاً على وجود النداء إجمالاً .وإنه من المحتوم . اخرج الصدوق (1) بسنده إلى ميمون البان عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: خمس قبل قيام القائم ...وعد منها: المنادي ينادي من السماء . وروى المفيد بسنده (2) عن أبي حمزة الثمالي ، قال : قلت لأبي جعفر (ع) : خروج السفياني من المحتوم ؟ قال : نعم ، والنداء من المحتوم . الحديث . وأخرج النعماني (3) بسنده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : النداء من المحتوم .. الحديث . الشكل الثاني : النداء بالحق وبالباطل .ويكون النداء بالحق أولاً . ثم النداء بالباطل . أخرج الصدوق (4) بسنده إلى ميمون البان في حديث عن أبي جعفر (ع) قال : ثم قال : ينادي مناد من السماء :إن فلان بن فلان هو الإمام أسمه ،وينادي ابليس لعنه الله من الأرض ، كما نادى برسول الله (ص) ليلة العقبة . وأخرج النعماني في الغيبة(5) عن أبي بصيرعن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل ،قال فيه: ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب .لا يبقى راقد إلا استيقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت ،فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب ، فإن الصوت صوت جبرئيل الروح الأمين . _________ (1) إكمال الدين ( المخطوط ). (2) الإرشاد ص338 (3) الغيبة ص134. (4) انظر إكمال الدين المخطوط .ص134. (5) ص134. صفحة (127) وقال (ع) : الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ، ليلة ثلاث وعشرين ، فلا تشكوا في ذلك ، واسمعوا وأطيعوا . وفي آخر النهار صوت إبليس اللعين ينادي :ألا إن فلاناً قتل مظلوماً ، ليشكك الناس ويفتنهم ، فكم ذلك اليوم من شاك متحير .قد هوى في النار . فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان ، فلا تشكوا فيه أنه صوت جبرئيل وعلامة ذلك أنه ينادي باسم القائم واسم أبيه (ع) وحتى تسمعه العذراء في خدرها ، فتحرض أباها وأخاها على الخروج . إلى أن قال : فاتبعوا الصوت الأول وإياكم والأخير ان تفتنوا به . .. الحديث . وأخرج السيوطي في العرف الوردي (1) قال : أخرج نعيم عن علي . قال : إذا نادى مناد من السماء :إن الحق فيآل محمد .فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس ، ويشربون حبة ، ولايكون لهم ذكر غيره . وأخرج أيضاً (2) عن نعيم بن حماد أيضاً و عن أبي جعفر، قال: ينادي مناد من السماء : إن الحق في آل محمد ، ينادي مناد من الأرض :إن الحق في آل عيسى – أو قال : العباس شك فيه – وإنما الصوت الأسفل كلمة الشيطان ، والصوت الأعلى كلمة الله العليا . وأخرج القندوزي في الينابيع شيئاً من ذلك . صفحة (128) (1) انظر الحاوي للسيوطي ج2 ص140 (2) المصدر ص151. القسم الثالث : النداء باسم القائم (ع ) بدون أن يكون في الأخبار تعرض إلى نداء آخر : أخرج الصدوق(1) بسنده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (ع) ، في حديث ، قال : ومن علاماته خروج السفياني ، ومناد نادي باسمه واسم أبيه . وأخرج النعماني(2) بسنده عن أبي بصير عن ابي عبد الله (ع) ، قال : قلت له :جعلت فداك ، متى خروج القائم . فقال : يا ابا محمد ، إنا أهل بيت لا نوقت ...إلى أن قال : ولا يخرج القائم حتى ينادي بإسمه في جوف السماء ، في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ، ليلة جمعة . قلت : بم ينادى؟ قال: باسمه واسم أبيه .إلا أن فلان بن فلان قائم آل محمد . فاسمعوا له واطيعوه. وأخرج الشيخ في الغيبة(3) بسنده عن محمد بن مسلم ، قال : ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فيسمع ما بين الشرق إلى الغرب .فلا يبقى راقد ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه من ذلك الصوت .هو صوت جبرئيل الروح الأمين . وأخرج أيضاً(4) عن أبي بصير (ع) قال : قال أبو عبد الله (ع) : إن القائم صلوات الله عليه ، ينادي اسمه لله ثلاث وعشرين ...الجديث . إلى غير ذلك من الأخبار. _________ (1) انظر إكمال الدين المخطوط . (2) أنظرغيبة النعماني ص134. (3) انظر ص274. (4) الغيبة للطوسي ص274. صفحة (129) والمعنى المفهوم من مجموع هذه الأخبار واخبار الجهة السابقة : أن أخبار الصيحة والفزعة واخبارالنداء بأقسامها تشير إلى معنى مشترك وحادثة واحدة، لا اختلاف فيها . وإن تعددت أساليب الأخبار .ولا تعارض بينها في الحقيقة .كما أنها لا تدل على كثرة النداءات الأخبار . ولا تعارض بينها في الحقيقة .كما أنها لا تدل على كثرة النداءات أكثر من صوتين .لو تم القسم الثاني من الأخبار. وعلى ذلك عدة قرائن ، من هذه الأخبار نفسها : منها : أن الصيحة و النداء معاً نسباً إلى جبرئيل (ع) بشكل مستفيض . ومنها أن وقتهما معاً في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان . ومنها :أنها جميعاً تورث الإهتمام الكبير. يستيقظ النائم ويقوم القاعد وتخرج العذراء من خدرها . ومنها :أن الصيحة والنداء من المحتوم . إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع . وبعد حمل المطلق على المقيد والمجمل على المفصل، ما يلي: 1-إن المراد من النداء الذي هو من المحتوم هو نداء جبرائيل باسم القائم . 2- أن المراد من النداء الحق ليس إلا ذلك . 3- إن صيحة جبرئيل هي هذا النداء أيضاً . 4- إن الآية التي تخضع لها أعناق اعداء الله هو ذلك أيضاً . 5- إن الفزعة التي تخرج الفتاة من خدرها هو ذلك أيضاً . 6- إن التوقيت في الثالث عشر من شهر رمضان ، توقيته أيضاً . فإن القسم الثالث من أخبار النداء ، أعني النداء باسم القائم واسم (أبيه) هي أخص هذه الأخبار جميعاً ، بما فيها أخبار الصيحة والفزعة ... فتصلح أن تكون مفسرة لها وشارحة لمدلولها .. كما ستكون الصفات الخرى المعطاة في تلك الأخبار ، صفة للنداء أيضاً ، كالتوقيت والحتمية وغيرهما . وإذا تم هذا الفهم العام ، كانت الأخبار الدالة ، على هذا المعنى المشترك متواترة بل تزيد على التواتر .فإن أخبار النداء وحدها مستفيضة ، فإذا أضفنا إليها أخبار الفزعة والصيحة كانت متواترة . كما أن بعض الخصائص المذكورة لها مستفيضة ، كحصول الإهتمام المتزايد والتوقيت الذي عرفناه ،وكونها من المحتوم ،وكونها صوت جبرئيل الأمين ، وانها تكون بالحق وضد أنصار الباطل . صفحة (130) ولا يبقى بعد ذلك مجال للنقد إلا في مستويين . المستوى الأول : ما هو محتوى النداء؟ هذا ما بينته الروايات التي سمعناها على شكلين : الشكل الأول : النداء باسم المهدي واسم أبيه . الشكل الثاني : النداء بأن الحق في آل محمد . فقد تحصل المعارضة بين هذه الروايات ، ويبقى محتوى النداء ، خالياً من الدليل الصالح للإثبات . والصحيح هو عدم التعارض ، باعتبار إحدى النقاط : النقطة الأولى : أن افترضنا أن كلا ً من الندائين ذو دليل كاف لإثباته ، إذاً ، فينبغي أن نلتزم بوجود نداء واحد يحتوي على كلا المدلولين ، فهو يقول إن الحق في آل محمد وإن أمامكم فلان بن فلان ، ولا تنافي بين الأمرين . النقطة الثانية : أن نفهم الشكل الثاني للنداء راجع إلى الشكل الأول منه .وإن ما يحصل في الخارج هو الشكل الأول فقط . وإنما ذكر الشكل الثاني نتيجة لظروف تاريخية معينة . وخاصة إذا التفتنا ان الأخبار الناقلة للندائين :بالحق أولاً ثم بالباطل ، نقلت النداء الأول على شكلين ، هما نفس الشكلين اللذين أشرنا إليهما ، فيكون ما دل على النداء هو من الشكل الأول قرينة عل فهم معين لما دل على أن النداء هو من الشكل الثاني ، وانه صدر في ظروف معينة . النقطة الثالثة : أننا لو تنزلنا عن كلا النقطتين السابقتين ، وافترضنا حصول التنافي بين الندائين ، للعلم بأن أحدهما غير حاصل . إذاً ، يتعين الأخذ بالشكل الأول من النداء ،ورفض الشكل الثاني ، لوفرة الأخبار الدالة على أنه ينادي باسمه واسم أبيه ، لأن منها ما ورد مستقلاً وهو القسم الثالث من الأخبار، ومنها ما ورد مع عطف النداء الباطل عليه ،وهو أغلب القسم الثاني .فلا يكون ما دل من الأخبار على الشكل الثاني للنداء معارضاً ، لقلة عدد الأخبار فيه ... فيكون مرفوضاً . المستوى الثاني : هل الأخبار الدالة على وجود النداء بالباطل كافية للإثبات اولاً ؟... صفحة (131) هناك بعض المقدمات الفكرية الني يمكن أن تنتج رفضها : المقدمة الأولى :إن عدد الأخبار الدالة على النداء بالباطل أقل بكثير من الأخبار الدالة على النداء بالحق . فبينما نرى الأخبار الدالة على النداء بالحق أو باسم المهدي (ع) عديدة فإذا ألحقنا بها أخبار الفزعة والصيحة، كما سبق – اصبحت متواترة .. نرى أن الأخبار الدالة على النداء بالباطل ذات عدد قليل ، تمثل قسماً من أخبار النداء فقط . المقدمة الثانية : إننا إذا سرنا على الفهم التقليدي لهذه الأخبار المطابق مع ظهورها الأولي ،وهو صدور النداء بالباطل بشكل إعجازي أو ميتافيزيقي ، فيكون هذا معجزة صادرة في جانب الباطل ، وقد برهنا على استحالة ذلك في التاريخ السابق(1) لما فيه من التغرير بالجهل والدفع إلى الفتنة والإنحراف وهو مستحيل على الحكيم المطلق جل وعلا . فإذا تمت هاتان المقدمتان لزمنا رفض هذه الأخبار ،لأنها أخبار قليلة نسبياً ودالة على أمر مستحيل ، فيكون الأخذ بمضمونها مستحيلاً. وهذا لا يعني إسقاط القسم الثاني من أخبار النداء كله ، بل الساقط هو الجزء الدال على وجود النداء بالباطل فقط .وأما الجزء الدال منها على النداء بالحق فيبقى ساري المفعول ،معتضداً بالأخبار الدالة على ذلك .وقد سبق أن برهنا على إمكان التبعيض في الأخذ بمدلول الخبر . نعم لو ناقشنا بالقدمة الثانية ، وأمكننا حمل النداء عموماً أو النداء بالباطل خصوصاً ، على معنى (طبيعي) غير إعجازي ، أمكن الأخذ بالأخبار الدالة عليه غير أن هذا سوف يكون قابلاً للمناقشة على ما سيأتي . وإذا نحاول تكوين فهم متكامل عن هذين الندائين ، نواجه عدة أطروحات منها الطبيعي ومنها الإعجازي. الأطروحة الأولى :أن نفهم من (جبرئيل) المنادي بالحق و(إبليس) المنادي بالباطل، أن نفهم منهما – ولو بنحو الرمز أو المجاز – التعبير عن انصار الحق وأنصار الباطل . فجبرئيل كناية عن المهدي نفسه ، ونداؤه نداء الحق ،وإبليس عبارة عن أعداء المهدي والمنحرفين من البشر عموماً . _________ (1) انظر ص577. صفحة (132) ويكون المراد بسعة الصوت وانتشاره إلى الشرق والغرب أو إلى كل إنسان ،كونه مبثوثاً عن طريق وسائل الإعلام الحديثة، كالإذاعة والتلفزيون وما ورد من أن الصوت من السماء ، فباعتبار أن البث الإذاعي و التلفزيزني لا يكون التقاطه ، إلا من الفضاء ،وخاصة مع وجود الكواكب الصناعية للبث الإذاعي والتلفزيوني. ومعه يكون من السهل بل من الطبيعي أن نتصور أن جبهة الإمام المهدي (ع) تنادي باسمه بطريق الوسائل الحديثة .... و(جبهة) أعدائه تنادي بنداء مضاد سوف نعرف مدلوله ، تريد به الفتنة وصرف الناس من الحق إلى الباطل. ويكون السبب في التأثير النفسي البالغ، والإهتمام الذي يحدثه الصوت الحق في العالم ، ليس هو ارتفاع الصوت ، بل هو أهمية المضمون . فإن الإعلان العام عن ظهور المهدي (ع) لأول مرة ، وإعطاء المفهوم الواضح لثورته العالمية ، مع كون المسلمين عامة ، بل أكثر البشر ممن يتوقع حدوث دولة الحق ، سوف يحدث ردود فعل عنيفة مختلفة في الناس بلا شك . وهذه الأطروحة وإن كانت واضحة منطقياً ، غير أنه يرد عليها بعض الإشكالات التي من اهمها : أن ما يستفاد من سياق هذه الأخبار من أن النداء وصوت الحق وصوت الباطل وإنما يكون قبل ظهور المهدي (ع) وليس بعده ... وهذا يكون منافياً مع مضمون هذه الأطروحة ، لأنها تنظر إلى دعوات الحق والباطل بعد الظهور . الأطروحة الثانية : أن نلتزم – طبقاً لظاهر الأخبار – بأن هذين الصوتين يوجدان قبل ظهور المهدي (ع) لكن بطريق طبيعي أيضاً وعن طريق وسائل الإعلام الحديثة ،ويكون السبب في هذين الصوتين ، وجود حركتين متناحرتين في العالم الإسلامي .إحداهما محقّة ، تهدي الناس إلى الإسلام الصحيح ، والإخرى حركة مبطلة ، تغوي الناس وتخدعهم وتثير فيهم الشبهات . ويكون التأييد لحركة الحق ، في اول قيامها تأثيراً كبيراً في الناس ، حتى أن المرأة تحث أباها وأخاها على نصرة هذه الحركة وتأييدها ، ولكن هذه الحركة لن تدوم طويلاً ، بل تكون ضدها حركة مبطلة تعلن عن رأيها وتصرح بمقاصدها فتوقع الناس في بلبلة وشبهات في العقيدة الإسلامية أو مايمت لها بصلة . ويكون من نداءاتها وشعاراتها المهمة : أن فلان قتل مظلوماً ، والمراد به – والله العالم – ذلك الشخص الذي قتلته وقضت على حكمه الحركة الأولى المحقة .ومن هنا تصرح الحركة الثانية ، بمظلوميته وانتهاج سبيله ،والإحتجاج على قتله . صفحة (134) ولعل التعبير يكون نداء الحركة الأولى صادراً من السماء ونداء الحركة الثانية صادراً من الأرض .باعتبار احترام النداء الأول ، وكونه محقاً وانتقاص النداء الثاني باعتباره باطلاً وزخرفاً . إلا أن هذه الأطروحة لا تصح ، لوضوح أن نداء الحركة المحقة سوف يكون هو الدعوة إلى مبادئها وتأييدها، لا النداء باسم القائم المهدي (ع) واسم ابيه كما صرحت به الأخبار العديدة .ومعه يبقى هذا النداء بلا تفسير من زاوية هذه الأطروحة . وأما احتمال أن يكون المراد من لفظ القائم : قائد الحركة المحقة باعتبار أنه قائم بالسيف وناصر للحق بالسلاح . في الجملة ،وإن لم تكن حركته عالمية فهذا الأحتمال غير صحيح ،فإن الأخبار صرحت بكونه قائم آل محمد وانه المهدي ، وفي بعضها وجود الصلاة والسلام عليه ،وهو مما لا ينطبق إلا على المهدي الموعود الأطروحة الثالثة : وهي المطابقة مع ظاهر الأخبار وسياقها العام ...وهو أن نفهم الأسلوب الإعجازي للنداء بالحق ، باسم القائم واسم أبيه ، ويكون ذلك من المنبهات للإستعداد النفسي للظهور ، كما قلنا . وهو في عين الوقت يضفي اهمية عظمى مسبقة على يوم الظهور ،ويعين اسم القائد العظيم فيه .ويكفي أن يقال بعد الظهور ، الذي يبدو أنه سوف لن يتأخر كثيراً بعد النداء : أن هذا القائد العظيم هو الذي هتف الهاتف باسمه وحدثت المعجزة الضخمة آمرة بإطاعته والتسليم بأمره ، وسوف يكون لذلك أعظم الأثر في نصره وانتشار دعوته .وقد عرفنا أن يوم الظهور هو نتيجة جهود الأنبياء والأوصياء والصالحين والشهداء ،وهو الغرض الأسمى من خلق البشرية ، فلا عجب أن يمهد الله تعالى بمثل هذه المعجزات . وهو ما دلت عليه الأخبار المتوترة عليه ، كما عرفنا ، وهو غير مناف مع قانون المعجزات ، لوقوعه في طريق الهداية ، إذاً فلا بد من التسليم به والإعتراف بوقوعه . ويكون هذا الصوت في شهر رمضان في ليلة ثلاث وعشرين ، التي هي – الأرجح – ليلة القدر ، وهي افضل ليالي السنة .ويكون التوجه الدني في ذلك الحين لدى المسلمين وتقبل المفاهيم الدينية والأمور الروحية قد بلغ ذروته . فإنه يزداد في مناسبات العبادة وخاصة في شهر رمضان ، بالأخص في ليلة القدر . وسيكون رد الفعل بالأهتمام والفزع لهذا النداء ، ناشئاً من عوامل ثلاثة مقترنة . صفحة (134) العامل الأول : ارتفاع الصوت وانتشاره بحيث يسمع الآفاق كلها . العامل الثاني : جانبه الإعجازي ، الذي لا يكاد يمكن تفسيره مادياً. العامل الثالث : مضمونه ، من حيث كونه مشيراً إلى القائد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً . واود أن الاحظ على النداء بعض الملاحظات . الملاحظة الأولى : هناك فهم تقليدي للنداء ، بأنه يقع في لحظة الظهور إعلاناً عنه وإيذاناً بوقوعه ، وهذا ما لم نجد من الروايات شيئاً دالاً عليه .ومن هنا لا يمكن الإلتزام بصحته . ولكن لا يمكن مع ذلك . رفع اليد عن فكرة الإيذان والإعلان عن الظهور إلا أن هذا كما يمكن أن يحصل عند إيجاد النداء مع الظهور ، كذلك يمكن أن يحصل مع إيجاد النداء قبله بقليل .ويبدو كأن الظهور قائم على أساس النداء ومنطلق منه . وإن كان الأمر – في الواقع – بالعكس . ولا يبعد القول بإمكان البرهنة على تقديم النداء قبل الظهور، بفترة زمنية . وذلك، أن النداء إذا حصل مع الظهور ، كان المتعين عالمياً انطباقه على المهدي (ع) الذي لا زال في أول ظهوره غير راسخ الملك والقوة، ومن هنا ينفتح إحتمال توجه الأسلحة العالمية ضده .وهو خلاف بعض الضمانات التي سنذكرها لإنتصاره . بخلاف ما لو حصل النداء قبله ، فإن حركة المهدي (ع) في اول عهدها سوف لن تكون ضرورية الإنطباق على ذلك النداء ، عالمياً .وسوف لن يلتفت إلى ذلك إلا المؤمنين به والمنطقة التي تعاصر حركته الأولى. وهذا هو الأنسب مع بعض الضمانات التي سنذكرها . وحيث أن النداء باسم المهدي (ع) مع ظهوره مخلاً بانتصاره ، إذاً فيتعين عدم حصوله ساعتئذ ، وحيث ثبت وجود النداء إجمالاً ،إذاً فهو يحصل قبل الظهور ، بزمن قليل لايضر مع وجود فكرة الإعلام والتنبيه . الملاحظة الثانية : إن حصول النداء قبل الظهور ، معناه حصوله في عصر الغيبة طبقاً للمفهوم الإمامي عن المهدي . صفحة (135) وهذا النداء عندئذ ، لا ينافي الغيبة الحاصلة في الفترة المتخللة بين النداء والظهور. لأن المعنى الأساسي للغيبة كما عرفناه في التاريخ السابق(1) ، هو الجهل المطلق بحقيقة شخص المهدي (ع) ، فبالرغم من أن الناس يرون الإمام ويعاشرونه . إلا أنهم يعرفونه باسم آخر غير صفته الواقعية ،وما الواضح أن هذا المعنى لا يتغير بوجود النداء ما لم يطبقه المهدي نفسه على نفسه عند ظهوره . وكذلك الحال مع ألأطروحة الأخرى التي رفضناها هناك ، وسميناها بـ (أطروحة خفاء الشخص) حتى مع وجود النداء ولا يرتفع إلا مع الظهور . الملاحظة الثالثة : كم هي الفترة المتخللة بين النداء والظهور؟ دلت الروايات السابقة على وقوع النداء في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان(2) .ولعله هو الشهر الذي قع فيه الكسوف و الخسوف على غير المألوف ، أو رمضان آخر قريب منه نسبياً . والملاحظ أن هذا التوقيت في روايات النداء مستفيض صالح للإثبات التاريخي ، إلا أن هذا التوقيت لم يبلغ إلى هذه الدرجة من الكثرة في روايات الخسوف والكسوف . وسوف يأتي أن الروايات تدل على حصول الظهور في مساء اليوم العاشر من محرم الحرام ... فإذا استطعنا أن نبرهن – كما سبق – على قصر المدة بين النداء والظهور ، تعين القول : أن المحرم الذي يتم فيه الظهور هو المحرم الذي يأتي بعد ذلك الرمضان الذي يوجد فيه النداء ، ويفصل بينها - في كل عام - ثلاثة من الأشهر القمرية .فتكون المدة المتخللة ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً وإن كان شهر رمضان تاماً . وستكون هذه المدة المتخللة كافية لتنيبه المؤمنين ، واجتماعهم لإستقبال إمامهم وقائدهم عند ظهوره، كما سيأتي . فهذه الملاحظات ، عن النداء بالحق ،هو الصالح للإثبات كما عرفنا .وأما النداء بالباطل فهو غير صالح للإثبات كما عرفنا ، وأما النداء بالباطل فهو غيرصالح للإثبات ، فلا يهم التعرض إلى تفاصيله . الجهة الرابعة : المطر. أخرج الطبرسي في أعلام الورى(3) عن عبد الكريم الخثعمي عن أبي عبد الله الصادق (ع) ، في حديث عن القائم يقول فيه : وإذا آن قيامه ، مطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير مثله ... الحديث . ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص34 وما بعدها . (2) المصدر ص31ومابعدها . (3) ص432. صفحة (136) وذكر المفيد في الإرشاد (1): قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع) ، وحوادث تكون أمام قيامه ، وآيات ودلالات ثم أنه (عليه الرحمة) ذكر العديد منها إلى أن قال : ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتحيي بها الأرض بعد موتها وتعرف بركاتها . وأخرج الشيخ في (الغيبة)(2) بإسناده عن سعيد بن جبير قال : السنة التي يقوم فيها المهدي تمطر أربعاً وعشرين مطراً يرى أثرها و بركاتها . ولا تخفى الحكمة من هذا المطر ، وهو الإستعداد للظهور ، بإنعاش الأرض إنعاشاً كافياً لتوفير الزراعة ، ذلك التوفير العظيم الذي سنسمع عنه فيما يلي من الفصول : وهذا التقديم خير من نزول المطر بعد الظهور بغزارة ، بحيث قد يعيق عن جملة من الأعمال التي يريد القائد المهدي (ع) انجازها .ففي تقدمة على الظهور جني لفوائد المطر مع تفادي مضاعفاته . ونزول المطر ليس إعجازياً ، بطبيعة الحال ، إلا أن توقيته وكميته ، يبدو من سياق الروايات أنها بقصد إعجازي خاص من قبل البارىء الحكيم ، توصلاً للنتائج المطلوبة من ورائها . غير أن عدة نقاط ضعف تبرز في هذا الصدد . النقطة الأولى : ضعف الروايات من حيث السند . فإن روايتي الطبرسي والمفيد مرسلتان ، ورواية الشيخ منقولة عن سعيد بن جبير لا عن أحد الأئمة المعصومين ، فلا تكون صالحة للإثبات التاريخي . النقطة الثانية : قلة عدد الروايات الدالة على ذلك . فإن منهجنا في هذا الكتاب وإن كان قائماً على أساس قبول الخبر الواحد ، غير أننا أشرنا إلى لزوم تطبيق (التشدد السندي) في روايات المعجزات. وهذه منها بلحاظ ما قلناه نت التوقيت الاعجازي. فلا تكون هذه الرويات كافةي للأثبات حتى ولو لم تكن مرسلة. _________ (1) انظر ص337. (2) انظر ص269. صفحة (137) النقطة الثالثة: ان هذه الرويات لا تدل على امطار ضخمة جداً ، فان أربعاً وعشرين مطرة موزعة على شهر أو شهرين مما يحدث في البلاد المتوسطة المطر فضلاً عن الغزيرة الباردة. ومعه لا يمكن أن يكون هذا المطر علامة على الظهور، لأن فكرة العلامة منطلقة من الإخبار عن شيء مهم وملفت للنظر في التأريخ. وليس هذا المطر كذلك. النقطة الرابعة: ان هذه الروايات لا تدل على مكان حدوث هذه الأمطار. فقد تكون بلاداً باردة ممطرة وقد تكون بلاداً جافة ... كل ما يمكن قوله : ان المطر سوف يحدث في بلاد الشرق الأوسط الاسلامية. الإ أن هذه البلاد نفسها تحتوي على كلا القسمين من المناخ. فهناك الباردة الممطرة كأيران ولبنان. وهناك الجافة الممحلة كالحجاز ونجد على العموم. نعم ، يمكن أن يقال كـ(أطروحة)من أجل اكتساب هذا المطر الاهمية ومن ثم تصدق عليه فكرة العلامية: ان مكان هذ المطر يمكن أن يكون على شكلبن: الشكل الأول: انه ينزل في الاماكن المقدسة : مكة والمدينة المشرفتين وهي من البلاد الجافة الممحلة. فيكون وجود هذه الكمية من المطر فيه مهماً جداً. الشكل الثاني: ان ينزل في كل منطقة الشرق الاوسط جميعاً. وبشكل مشترك ... بالعدد والزمان المحددين السابقين. فيكتسب أهمية كبيرة أيضاً. غير أن هذين الشكلين إنما يكتسبان الأهمية، لو تم إثباتهما التأريخي، وقد عرفنا في النقطتين الأوليتين عدم صلاحية الروايات للأثبات التأريخي. وإذا لم يثبت ذلك، كان العديد مما ذكر في المصادر من الحوادث والعلامات القريبة، للظهور، غير قابل للأثبات التأريخي أيضاً، لأنه ليس أحسن حالاً في النقل من هذه الحادثة على أي حال.ومن ثم يكون الأحجى أن نعرض عنها،وندع العلم بها الى أهله. فهذا هو الكلام عن العلامات (الطبيعية) أعني الكونية الخارجة عن المجتمع البشري. وعرفنا أن أهمها وأوضحها أثنان فقط هما النداء باسم القائم واسم أبيه، ويليه الكسوف الخسوف. وليس هناك ما يمكن اثباته من الحوادث والعلامات ( الطبيعية) غير ذلك، إذا مشينا على منهجنا في التمحيص التأريخي. صفحة (138) الفصل الثاني الظواهر الإجتماعية أعني الظواهر التي تنطلق من المجتمع وتصرفات الناس وهي عدة علامات ، نذكر كلاً منها بعنوان الدجال وقد سبق أن عرضناه مفصلاً في التاريخ السابق ،وقدمنا هناك الفهم المتكامل عنه ، والمناسب مع كل ما ورد وثبت عنه من الخصائص والصفات . وإنما كررنا العنوان في التاريخ ، باعتبار ما دلت عليه بعض الأخبار ، مما سيأتي من قرب ظهور الدجال إلى ظهور المهدي (ع) ، فيكون من العلامات القريبة للظهور ، التي نحن بصددها .وهذا ممكن الصدق على كلا الفهمين اللذين قدمناهما للدجال في التاريخ السابق . وسوف لن نكرر ما ذكرناه هناك ، بطبيعة الحال ،وإنما المهم هنا أن نسير خطوات أخرى إلى الأمام في فهم الدجال ، ونؤكد على مدى علاقة الدجال بالمهدي والمسيح (ع) ، وإيراد ما ورد في ذلك من الأخبار ونحوها من الخصائص التي لم نتوفر على عرضها في التاريخ السابق . الناحية الأولى : موقف الدجال من الأمة الإسلامية ، ومدى تأثيره فيها ، ذلك التأثير الذي نستطيع أن نفهم استمراره إلى حين الظهور . ويواجهنا بهذا الصدد عدد من الاخبار ، نذكر ما أورده الشيخان من العامة وبعض الإمامية . صفحة (139) أخرج مسلم(1) بسنده عن حذيفة ، قال : قال رسول الله (ص ) لأنا أعلم بما مع الدجال منه . معه نهران يجريان وأحدهما : رأي العين ماء أبيض ، والآخر رأ ي العين نار تأجج . فأما أدركن أحد، فليأت النهر الذي يراه ناراً ، وليغمض ، ثم ليطأطىء رأسه فيشرب منه ، فإنه ماء بارد .وإن الدجال ممسوح العين ، عليها ظفرة غليظة ومكتوب . بين عينيه :كافر . يقرأه كاتب وغير كاتب . وفي حديث آخر أخرجه(2) أيضاً عن النواس بن سمعان ، قال : ذكر رسول الله الدجال ، إلى أن قال : إنه خارج خلة بين الشام والعراق .فعاث يميناً وعاث شمالاً ، يا عبد الله فانبثوا . إلى أن قال : فيدعوهم فيؤمنون ويستجيبون له ، فيأمر السماء فتمطر ، والأرض فتنبت . فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر . ثم يأتي القوم فيردون عليه قوله . فينصرف عنهم . فيصبحون ممحلين ، ليس بأيديهم شيء من اموالهم ....الخ . وأخرج البخاري (3)عن أنس بن مالك ، قال : قال النبي (ص ): يجيء الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة ، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل كافر ومنافق . وأخرج الصدوق * بإسناده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يتحدث عن الدجال ويقول عنه : ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين ... يقول : إليّ أوليائي . أنا الذي خلق فسوى وقدر فهدى أنا ربكم الأعلى ،وكذب عدو الله ، إنه أعور يطعم الطعام ويمشي في الأسواق .وإن ربكم ليس بأعور ولايطعم ولا يمشي في الأسواق ،ولا يزول تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . ـــــــــــــــــ (1) انظر صحيح مسلم ج8 ص195 ونحوه في البخاري ج9 ص75 . (2) صحيح مسلم نفس الجزء والصفحة . (3) انظر الصحيح ج9 ص71 (4) أنظر كمال الدين المخطوط. صفحة (140) ألا وإن أكثر أتباعه يومئذ اولاد الزنا ، وأهل الطيالسة الخضر ... الخ الحديث ، وغير ذلك من الأخبار . قد أعطينا في التاريخ السابق أطروحتان لفهم الدجال "إحداهما : تقليدية تقول أن الدجال شخص معين طويل العمر ، سيظهر في آخر الزمان من أجل ضلال الناس وفتنتهم عن دينهم .ويدل عليه قليل من الأخبار(1) . والأحرى : إن الدجال عبارة عن مستوى حضاري أيدولوجي معين معاد للإسلام والإخلاص الإيماني ككل .وقد سبق هناك أن ناقشنا الأطروحة الأولى ورفضناها بالبرهان ، ولا بد من طرح ما دل عليها من الأخبار ، ودعمنا الأطروحة الثانية وهي ، التي ستكون منطلق كلامنا الآن . ونحن نعلم ، فيما يخص الحضارة المادية المعاصرة ، كيف استطاعت غزو المجتمع المسلم فكرياً وعسكرياً ونادت بأعلى صوتها فأسمعت ما بين الخافقين ، عن طريق وسائل الإعلام الحديثة . فجمعت إليها أولياءها، وهم كل من يؤمن بعظمتها وصدقها وأغراه العيش بين أكنافها . ونرى كيف أنها أمدت هؤلاء بالخير الوفير والقوة والسيطرة (فتروح سارحتهم) أي أغنامهم ، وهو كناية أو رمز عن كل مصدر للمال والقوة (أطول ما كانت ذراً وأسبغه وامده خواصر) يكنى بذلك عما ينال المنحرفون من خير الحضارة المادية وما تستطيع هذه الحضارة أن تضمنه لهم من مستقبل عريض . على حين نرى الخاصة المخلصين ، الذين شجبوا هذه الحضارة ،وأنكروا عليها ماديتها ولا أخلاقيتها وظلمها، يعيشون في الضيق والضرر ( يصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ) كما يقو الخبر . (يجيء الدجال ) ممثل هذه الحضارة (حتى ينزل في ناحية المدينة) أي مدينة ، ليس له فيها إلا مركز واحد غير ملفت للنظر ، قد يكون هو سفارة وقد يكون مركز تبشير وقد يكون مدرسة أو مستشفى .ولكن بمضي الأيام والليالي (ترجف المدينة ثلاث رجفات ) خلالها ،وهو كناية أو رمز عن المصاعب والمحن التي تمر بها المجتمعات ، وهي محن التمحيص دائماً ( فيخرج إليه كل كافر ومنافق) فاشل في التمحيص . ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص578 وما بعدها وص617. صفحة (141) وقد ذكرنا في التاريخ السابق(1) معنى ادعاء الدجال للربوبية، وإن له نهران .. .طبقاً لهذه الأطروحة ...فلا نعيد. (أكثر اتباعه أهل الطيالسة الخضر) وهم – حسب ما يبدو – أهل الأموال والسمعة والسيطرة الإجتماعية في المجتمع المسلم المنحرف .و(أولاد الزنا) يمكن أن يراد بذلك أحد معنيين : المعنى الأول : أؤلئك الذين انقطعوا عن آبائهم عقائدياً ومفاهيمياً ...واصبحوا أولاداً للناس الآخرين الذين آمنوا بربوبيتهم وولايتهم ومبادئهم . المعنى الثاني : إن الإيمان بالإتجاه المادي الحديث ، ينتج إنكار عقد الزواج وتكوين الأسرة بدونه ، كما عليه عدد من الناس في البلاد إلاسلامية الآن ، فينتجون ذرية تكون لقمة سائغة في شدق السبع المادي الهائل . وليس هذا موقف الحضارة المادية المعاصرة فقط، بل موقف كل حضارة مادية على مدى التاريخ ،وخاصة فيما إذا استمرت في المستقبل عدداً مهماً من ألأجيال .ومفهوم (الدجال) شامل لمجموع الحضارة المادية على مدى التاريخ ، لا خصوص حضارتنا المعاصرة المحترمة !!! ... وإذا كان للدجال أن يعاصر ظهور المهدي ونزول المسيح ، أو أن يوجد قبل ذلك بقليل، ليكون من علاماته القريبة ...فمعنى ذلك استمرار الحضارة المادية إلى ذلك الزمان ، مهما كان بعيداً ، لكي يستمر التمحيص ويتعمق بالتدريح ، حتى ينتج نتيجته المطلوبة المنتظرة . والدجال يقتله المسيح والمهدي (ع) ، كما سنسمع ، لأن نظامهما تماماً سيقضي على الحضارة المادية وما ملأت به الأرض من الظلم والجور والإنحراف ، ويتبدل إلى القسط والعدل والإنصاف والرفاه . الناحية الثانية : علاقة الدجال بالمسيح (ع) عند نزوله. أخرج مسلم(2) من حديث عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله (ص) الدجال إلى أن يقول : فبينما هو كذلك ، إذ بعث الله المسيح ابن مريم ، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهر ودتين ،واضعاً كفيه على أجنحة ملكين .فيطلبه حتى يدركه بباب لد ، فيقتله .ثم ياتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ... الحديث. ـــــــــــــــــ (1) انظر ص642 و ص745. (2) صحيح مسلم ص197- 198 ج8. صفحة (142) وفي حديث آخر لمسلم(1) قال : قال رسول الله (ص) : يخرج الدجال في امتي فيمكث أربعين ... فيبعث الله عيسى بن مريم ، كأنه عروة بن مسعود ، فيطلبه فيهلكه ، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ... الحديث . وهناك في المصادر العامة الأخرى أخبار بهذا لمضمون، ولكننا نقتصرعلى ما أخرجه مسلم . والمصادر العامة اقتصرت على ذكر العلاقة بين الدجال ،بأي معنى فهمناه ، وبين المسيح (ع) على حادثة قتله .كما اقتصرت في قاتل الدجال على المسيح (ع) ولم تتعرض للمهدي (ع) على ما سنسمع ذلك ونناقشه . وسنتعرض إلى حادثة نزول المسيح في القسم الثاني من هذا التاريخ ، وسنوافق عليها إجمالاً . فإذا تم ذلك ، وهو لايتم إلا بعد طغيان الدجال واستفحال أمره ،بأي معنى فهمناه كان من أهم الأعمال الي يستهدفها هو القضاء على الدجال والإجهاز على نظامه ومفاهيمه . ومنطق الأشياء أن يسبق مقتل الدجال حرب سجال بينه وبين المسيح ، يكتب فيها النصر للمسيح فيقتله .وأما فوزه عن طريق المعجزة ،كما يظهر من البرزنجي في (الإشاعة )(2) ، فهو مخالف لما قلناه من أن اسلوب الدعوة الإلهية غير قائم على المعجزات ، مالم ينحصر بها الأمر . وإلا كان نبي الإسلام (ص) في نصره على قريش أولى بالمعجزات. ولاستطاع السيطرة على كل العالم بين عشية وضحاها. ومن هنا لا نقول بوجود المعجزات في طريق نصر المهدي (ع) إلا بمقدار الضرورة التي لا بديل عنها . ـــــــــــــــــ (1) صحيح مسلم ج8 ص201. (2) انظر ص135. صفحة (143) وقد سمعنا في هذه الأخبار عدة خصائص من حيث أن قتل الدجال سيكون في دمشق، وهو أمر يصعب إثباته تاريخياً ،ولكنه لو تم فهو يدل على أن هذه البلدة ستصبح مسرحاً مهماً ومركزاً رئيسياً للدجال ،لا يكون لقتل الدجال هناك أكثر من هذا المعنى .أعني تحويل دمشق من الإنحراف إلى الإيمان . وهذا مما يفسر لنا ما سيأتي من وجود عدد من المخلصين الممحصين الراسخين في الإيمان في دمشق، على ما دلت عليه الأخبار، وسيأتي في محله من هذا الكتاب . فإن انحراف المجتمع كلما تزايد والظلم كلما تضاعف، أوجب ذلك عمق التمحيص ودقته ، الأمر الذي يوجب زيادة عدد المؤمنين وزيادة إخلاص الموجود منهم ...حتى وصفوا في هذه الأخبار بالأولياء والأبدال . وهؤلاء وأمثالهم هم الذين إليهم عيسى بن مريم ( فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة) ، كما سمعنا في الحديث . غير أن ظاهر الحديث أنه يأتي إليهم بعد أن يتم قتل الدجال على يديه ، لا أنه يرتكز عليهم في قتاله .والصحيح أن الحديث دال على أنه (ع) يأتي إليهم ويبشرهم بالجنة بعد قتل الدجال ،ولكنه لا يدل على عدم مشاركة هؤلاء في قتله أو قتاله .بل لعل الدرجات التي استحقوها في الجنة ناشئة إلى حد كبير من هذه الأعمال الكبرى. الناحية الثالثة : في علاقة الدجال بالمهدي (ع) . وهذا ما وجدناه في المصادر الخاصة ، دون العامة . أخرج الشيخ الصدوق(1) بإسناده عن النزال بن سبرة قال خطبنا علي بن أبي طالب (ع) ، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على محمد وآله .ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني ثلاثاً .فقام إليه صعصعة بن صوحان . فقال: يا أمير المؤمنين متى يخرج الدجال ؟ فقال له : اقعد فقد سمع الله كلامك وعلم ماأردت ..إلى أن يقول بعد حديث طويل : يقتله الله عز وجل بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق ، لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من (2) يصلي عيسى بن مريم خلفه .... الحديث . ـــــــــــــــــ (1)انظر كمال الدين (المخطوط) باب الحديث الدجال وما يتصل به من أمر القائم صلوات الله وسلامه عليه . (2) في المخطوط: على من يد من .... وهو تحريف . صفحة (144) أقول : والذي يصلي عيسى بن مريم خلفه هو المهدي (ع) كما وردت بذلك الآثار المستفيضة .ومنها ما في الصحيحين(1) : كيف بكم إذا نزل عيسى بن مريم فيكم وإمامكم منكم . وأخرج الصدوق(2) أيضاً بإسناده عن المفضل بن عمر ، قال: قال الصادق جعفر بن محمد (ع) : إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام .في أرواحنا .فقيل له : يا بن رسول الله ، ومن الأربعة عشر ؟ فقال : محمد وعلي وفاطمة و الحسن والحسين ، والأئمة من ولد الحسين ، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبة فيقتل الدجال(3) ويطهر الأرض من كل جور وظلم . وفي منتخب الأثر(4) في حديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) يقول فيه : ومنا رسول الله ووصيه وسيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة ، وسبطا هذه الأمة ، والمهدي الذي يقتل الدجال . ومن الغريب ان الصحاح تذكر أحاديث في علاقة الدجال بالمسيح ،وأحاديث في علاقة المسيح بالمهدي(ع) ، ولا تورد أي خبر في علاقة المهدي بالدجال، مع أنه تفهم من تينك العلاقتين معاصرته له .ومن المعلوم كون المهدي (ع) هو رائد الحق في العالم فكيف لا يكون له اليد الطولى في قتله و قتاله . لو نظرنا من زاوية أخرى ، رأينا أن تأخر نزول المسيح (ع) عن ظهور المهدي (ع) بفترة من الزمن ، على ما سنسمعه عن المصادر العامة ، ينتج لنا :أن السبب الرئيسي الوحيد في زوال الدجال هو عمل القائد المهدي (ع) ضده وتخطيطه للقضاء عليه .ومن المقطوع بزيفه وبطلانه باليقين أن يظهر الإمام المهدي (ع) فلا يحارب الدجال – بأي معنى فهمناه - ، ويرجىء قتاله إلى حين نزول المسيح من السماء ، فإن ذلك خالف تكليفه الإسلامي ووظيفته الإلهية في قمع الكفر والإنحراف ونشر الهداية في العالم . ـــــــــــــــــ (1) انظر صحيح البخاري ج4ص205 ، وصحيح مسلم ج1 ص94 (2) انظر إكمال الدين المخطوط . (3) كذا نقله في منتخب الأثر (ص480) و لكنه في المخطوط : الرجال بالراء . (4) انظر ص172 وما بعدها . صفحة (145) كما أن المقطوع ببطلانه :أن يفترض أن المهدي (ع) يحارب الدجال فيندحر أمامه ، وينتصر الدجال ويحاصر المهدي (ع) ورجاله ، كما يظهر من البرزنجي في الإشاعة(1) وكيف يمكن أن يتحقق ذلك ، وقد ثبت بضرورة الدين وتواتر الاخبار وعن طريق البرهان على التخطيط العام الذي عرفناه ، كون الإمام المهدي (ع) منصوراً مؤيداً حتى يفتح العالم بأجمعه ، ويجمع البشرعلى الحق والعدل . إذاً ، فاليد الطولى في الإجهاز على الدجال ونظامه ، للمهدي (ع) نفسه .نعم ، يمكن أن نفترض مشاركة المسيح (ع) من قتل الدجال ضمن إحدى اطروحتين : الأطروحة الأولى : إن المسيح (ع) يقتل الدجال بالمباشرة ، والمهدي (ع) يقتل الدجال بالتسبب أعني بصفته قائداً أعلى لا تصدر التعليمات الأساسية إلا منه .فيكون إسناد القتل إلى المهدي (ع) من قبيل قولنا : فتح الأمير المدينة ، يعني بأمر منه ، والفاتح المباشر هو الجيش بطبيعة الحال . وهذه الأطروحة ، كما تناسب الفهم الكلاسيكي للدجال ،وهو كونه شخصاً يعينه كذلك تناسب مع الفهم الرمزي الذي دعمناه . ويكون الإجهاز على الدجال من قبل المسيح (ع) بصفته أحد القادة الرئيسين في دولة المهدي العالمية . الأطروحة الثانية :إن المسيح (ع) إذا كان يتأخر نزوله عن ظهور المهدي (ع) ، فقد نتصور أن المهدي (ع) عند ظهوره يقاتل الدجال ، بأي فهم فهمناه وبعد نزول المسيح يوكل هذه المهمة إلى المسيح (ع) . ولا تنافي بين هاتين الأطروحتين ،كما هو واضح لمن يفكر .وبها نجمع بين الأخبار الدالة على أن المسيح قتل الدجال والأخبار الدالة على أن المهدي يقتله فإن كلا هذين القسمين من الأخبار صادقاً ، ولا تنافي بينهما. يأجوج وماجوج وهذا ما ورد عنه في القرآن الكريم ، في أكثر من موضع ... وتطاحنت التفاسير فيه ، حتى لم تكد ترسو على أمر مشترك .وذكر لهم بعضها صفات غريبة .وليس المهم الآن الدخول في تفاصيل ذلك ،وإنما المقصود ، هو معرفة مدى ارتباطه بالظهور ومدى ما يمكن أن يكون مدى تأثيره لو كان ارتباطاً . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص135. صفحة (146) وقد ذكر في التاريخ السابق(1) شيئاً من الأخبار عن يأجوج ومأجوج ، وتكلمنا عما إذا كان القرآن بضمه إلى الإخبار دالاً على تقدم خروج يأجوج ومأجوج على الظهور ،ولم نستطع أن نتميز ظهور القرآن في ذلك ، بل بات الأمر محتملاً غير قابل للإثبات التاريخي ، وإن كان محتملاً جداً. وقد روينا هناك(2) ما أخرجه مسلم عن هؤلاء ، نكرر منه هذه الفقرة : " ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر ،وهو جبل بيت المقدس . فيقولون: لقد قتلنا أهل الأرض ، هلم فلنقتل من في السماء .فيرمون بنشابهم إلى السناء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة بالدم" . وأخرج ابن ماجة (3) عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله (ص) ، قال : "تفتح يأجوج ومأجوج ، فيخرجون . كما قال الله تعالى ، وهم من كل حدب ينسلون . فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون ، حتى تصير بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم .ويضمون إليهم مواشيهم ، حتى إنهم ليمرون بالنهر فيشربونه ، حتى ما يذرون فيه شيئاً ، فيمر آخرهم على أثرهم ، فيقول قائلهم : لقد كان بهذا المكان مرة ماء." فبينما هم كذلك إذ بعث الله دواب كنعف الجراد ، فتأخذ بأعناقهم ، فيموتون موت الجراد ، يركب بعضهم بعضا. فيصبح المسلمون لا يسمع لهم حساً .فيقولون :من رجل يشري نفسه ، وينظر ما فعلوا ؟فينزل منهم رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه . فيجدهم موتى .فيناديهم :ألا أبشروا . فقد هلك عدوكم .فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم .فما يكون لهم رعي إلا لحومهم ، فتشكر عليها ، كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص633 وما بعدها . (2) المصدر والصفحة . (3) انظر السنن ج2 ص1363 صفحة (147) واخرج الصحيحان (1) وغيرهما بالإسناد عن زينب بنت جحش قالت : أن النبي (ص) استيقظ من نومه وهو يقول :لاإله إلا ألله ، ويل للعرب من شر قد اقترب .فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه . وعقد سفيان بيده عشرة .قلت : يا رسول الله ، أفنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم . إ ذا كثر الخبث. وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، جودّ سفيان هذا الحديث . واخرج أبو داوود(2) بإسناده عن حذيفة الغفاري في حديث قال فيه : فقال رسول الله (ص) : لن تكون أو لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات : ... وعد منها : خروج ياجوج ومأجوج . وينبغي أن نتكلم حول هذه الأخبار في عدة نواحي : الناحية الأولى : أنه لا يمكن الأخذ بالدلالة (الصريحة) لهذه الأخبار الأمر الذي يعين علينا الإلتزام بالفهم (الرمزي) لها ، وذلك لوجود عدة موانع عن الأخذ بصراحتها ، نذكر منها ما يلي : المانع الأول : وجود التهافت بين بعض مدلولاتها ، الأمر الذي يسقطها عن قابلية الإثبات التاريخي . فإن الخبر الذي اخرجه مسلم ورويناه في التاريخ السابق ، يدل على وجود نبي الله عيسى بن مريم (ع) بين المسلمين عند انتشار يأجوج ومأجوج .وقد أعرضت عنه سائر الأخبار الأخرى ،فتكون دالة على عدم وجوده، لأن وجوده ليس بالواقعة البسيطة التي يمكن إهمالها . كما أن ذاك الخبر دال على لأن زوال يأجوج ومأجوج كان بدعاء المسيح وأصحابه ، وإن إزالة جثثهم كان بدعائه أيضاً .والأخبار الأخرى خالية عن ذلك .ويدل خبر ابن ماجة على أنهم يهلكون بإرادة مباشرة من الله عز وجل . كما أن خبر مسلم يتضمن لوجود المطر الذي يغسل الأرض من نتنهم بعد زوال جثثهم ….وهذا ما سكتت عنه الأخبارالأخرى ، واعتبرته كأنه لا حاجة إليه . ـــــــــــــــــ (1) انظر صحيح البخاري ج8ص 76 (2) وصحيح مسلم ج8 ص 265 واللفظ لمسلم . (3) انظر السنن ج2ص429 . صفحة (148) كما أن خبر مسلم دال على أن الطير تنقل الجثث إلى حيث يشاء الله ،ولكن خبر ابن ماجة دال على أن الأغنام تأكل لحومها فنشكر عليها أي تسمن أحسن من أكلها للنبات . المانع الثاني: قيام عدد من الحوادث في نقل هذه الأخبار على المعجزات ، بشكل يتنافى مع (قانون المعجزات) الذي تم البرهان عليه في محله . منها : موت ياجوج ومأجوج . فجأة بطريق إعجازي .وهذا غير ممكن في قانون المعجزات ،فإن اسلوب الدعوة الإلهية – كما قلنا – قائم على مقابلة السلاح بالسلاح ، وتحصيل النصر بالكفاح ، لا عن طريق المعجزات .وبتعبير آخر :إن كل ما يمكن حصوله بالطريق الطبيعي ، مهما يكن صعباً وبعيداً ، لا تقوم المعجزة بتحصيله ، ومن الواضح أن تربية وتأديب يأجوج ومأجوج . أو استئصالهم إذا لم يتأدبوا ، أمر ممكن بالطريق الطبيعي . ومنها : أن افتراض أكل الماشية للحم .وهو أمر غريب ولا مبرر له في قانون المعجزات ، ويزيد غرابة استفادتهم الصحية من أكل اللحم أكثر من أكل النبات . ومنها : ما ذكر من تصرفات يأجوج ومأجوج أنفسهم ، كشربهم بحيرة طبرية حتى تجف ، كما في خبر مسلم، أو شربهم النهر حتى يجف ، كما في خبر أبن ماجة ،فإن هذا مما لم يتضح فهمه ، مهما تزايد عددهم وطال بقاؤهم ، ومهما طالت اجسامهم ، كما تقول الأساطير . ومنها : إرسالهم السهام إلى السماء لأجل غزوها ... وليس في هذا غرابة إذا كانوا أغبياء إلى هذه الدرجة …وإنما الغرابة في أن تعود السهام مكسوة بالدم من أجل إيهامهم بأنهم قد قتلوا الناس الموجودين في السماء ... فإنه من الأساطير التي لا يمكن أن يكون لها أي مبرر ، فضلاً عن موافقته لقانون المعجزات . هذا ولكن أغلب هذه الأشياء ستصبح حقائق ، عند دمجها في تكوين متكامل من الفهم الرمزي ، على ما سنذكر بعد قليل ،ومعه تصبح هذه الإعتراضات ، واردة على الفهم التقليدي لمثل هذه الأخبار ، لا للمقاصد الحقيقية منها . صفحة (149) الناحية الثانية : في عرض اطروحة متكاملة لفهم يأجوج ومأجوج . منطلقة من الفهم الرمزي للأخبار. مرت البشرية ، بحسب ما هو المقدر لها في التخطيط الإلهي العام ، بشكلين منفصلين من الأيدولوجية : الشكل الأول : الإتجاه الذي ينفي ارتباط العالم بخالقه بالكلية ، ونستطيع أن نسميه بالمادية المحضة أو الإلحاد التام . الشكل الثاني :الإتجاه الذي يربط العالم بوجود لخالقه ، بشكل أو آخر . ولكل من هذين الإتجاهين فروعه وانقساماته التي تختلف باختلاف المستوى العقلي والحضاري للمجتمع البشري . ويمكن القول بأن تاريخ البشرية على طوله عاش في الأعم الأغلب الإتجاه الثاني ، بمختلف مستوياته ونتيجة لجهود الأنبياء وتربية الصالحين ،ومهما فسد المنحرفون والمصلحيون ، فإنهم لم يخرجوا عن الإعتراف الغامض بالخالق الحكيم .ويكفينا مثالاً على ذلك قوله تعالى على لسان مشركي قريش :" ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"(1) فهم بالرغم من تطرفهم بالكفر ، مؤمنون بالخالق ، ومن ثم مندرجون في الإتجاه الثاني .وعلى هذا الغرار . يقابل ذلك ، الإتجاه الأول الرافض لوجود الخالق تماماً .. والمعطي زمام قيادة الإنسان بيد نفسه ، بالرغم من قصوره وتقصيره . ولم يوجد على مر التاريخ لهذا الإتجاه وجود مهم ، فيما عدا الأفكار الشخصية المتفرقة في التاريخ…. ما عدا مرتين – فيما نعرف – : المرة الأولى : إتجاه المادية البدائية ، المتمثلة بشكل رئيسي في قبائل يأجوج ومأجوج .والمرة الثانية : إتجاه المادية الحديثة المعاصرة ، بمختلف أشكالها وألوانها . وقد كان المد المادي الأول خطراً وبالغ الضرر ، على ذوي الإتجاه الثاني عموماً ، وبخاصة تلك الشعوب الصالحة المتبعة لدعوات الأنبياء .ولعل القسط الأهم من الضرر لم يكن هو الإفساد العقيدي ، وإن كان هذا موجوداً من اؤلئك الملحدين البدائيين …. وإنما الأهم من أشكال الضرر هم الضرر الإجتماعي والإقتصادي وأشكال القتل والنهب الذي كانت توقعه القبائل البدائية الملحدة على المجتمع المؤمن . ومن هنا ، خطط الله تعالى للقضاء الحاسم على هذا المد الواسع ، بإيجاد قائد كبير ذو حركة عالمية وقدرة واسعة ، وممثل لأفضل أشكال الإتجاه المؤمن، هو الإسكندر ذو القرنين . ـــــــــــــــــ (1) الزمر : 29/3 صفحة (150) Website Page 6 مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره) كتاب تاريخ ما بعد الظهور للسيد الشهيد محمد صادق الصدر (قد) وقد شكى المجتمع المتضرر لهذا القائد من حملات اؤلئك البدائيين : " قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ، فهل نجعل لك خرجاً "(1) اي أجرة ، لكي تكفينا شرهم وتكسر سوكتهم . وقد استطاع هذا القائد الكبير أن يعلن دعوة الله في الأرض ، ويحصر نشاط ذلك المد المادي في أضيق نطاق، وأن يعيد المجتمع البشري إلى سابق عهده ، من كون الإتجاه المسيطر هو الشكل الثاني للأيدولوجية ، ويبقى الإتجاه الأول إتجاهاً شخصياً متفرقاً . وقد اتخذت تدابير ذي القرنين في هذا الصدد ، شكلين أساسين : الشكل الأول : بناء السد الموصوف في القرآن الكريم المتكون من الحديد والصفر ،وهو يحتوي على الحماية (العسكرية) من هجمات القبائل البدائية الملحدة . الشكل الثاني : بناء السد المعنوي في المجتمع المؤمن، وزرع المفاهيم وقوة الإرادة الكافية ضد الإنحراف والفساد. ولعل في الإمكان مع بعض التوسع في فهم القرآن الكريم ، أن نحمل السد الموصوف فيه على السد المعنوي الذي يفصل بين الحق والباطل .وأن الحديد والصفر عبارة عن مكوناته المفاهيمية . إلا أننا نعرض ذلك كأطروحة محتملة ، على غير اليقين … وإن كان ذلك ممكناً في لغة العرب .ولكننا سنسير بهذا الإتجاه ريثما تتم هذه الأطروحة . " قال: ما مكني فيه ربي خير" مما لديكم من المال والحطام ، بعد ان مكنه الله تعالى من الملك والهداية معاً. وكان السد الذي بناه ذو القرنين ، ضخماً ومهماً إلى حد يكفي لكبح جماح البدائيين الملحدين ورد عاديتهم ، "فما استطاعواأن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " . فإن الإتجاهات الملحدة تكون دائبة في نشرعقيدتها واختراق السد الإيماني وقهر قوة الإرادة والإخلاص عند المؤمنين وإلا أن سد ذي القرنين ، كان منيعاً لا يمكن لهذه الاتجاهات أن تؤثر فيه . ولكنه على أي حال ، لم يستطع القضاء عليه نهائياً ، بل بقي بوجوده الضعيف مؤثراً في المجتمع الإنساني بمقدار ما يستطيع "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" . ولم يكن مقدراً في التخطيط الإلهي استئصاله عن الوجود . لإمكان مشاركته في التمحيص العام الذي حملنا عنه فكرة كافية ، ولذا كان لا بد من الإقتصار على كبح جماحه وكسر شوكته فقط ، ببناء السد ضده ، على وجه الأرض أو في نفوس المؤمنين . ـــــــــــــــــ (1) الكهف : 18 / 49 صفحة (151) ومن هنا بقي هذا الإتجاه في التاريخ ، لكي يتمحض بعد حوالي ثلاثة آلاف عام من السيطرة الجديدة للمادية على البشر للمرة الثانية ، ولكنها في هذه المرة لست بدائية ، ولكنها مادية (تقدمية) ومعقدة ومفلسفة وذات شعارات براقة .وذات قوة ومنعة بحيث يصعب مجرد التفكير في منازلتها فضلا ًعن القضاء عليها .وهو معنى قوله في احد الاخبار السابقة : لا يدان لأحد في قتالهم . لقد خرقت السد القديم ، ولم يعد كافياً للسيطرة عليهم وكبح جماحهم ، إن ذلك السد كان مناسباً مع مستوى عصره العقلي والثقافي والعسكري ، ولم يعد الآن كافياً " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون " (1) أي من كل جهة ينتشرون .كذلك انتشرت المادية الحديثة . وتسيطر الحضارة المادية على خيرات البلاد الإسلامية ، في ضمن سيطرتها على العالم كله. وتستولي مصادرها الطبيعية ، فتشرب البحيرات ،والأنهار – كما أشارت الأخبار – بمعنى أنها تستغلها تماماً لصالحها ،وتمنع أهلها من الإستفادة منها . فيحصل الفقر والقحط في البلاد المحكومةا لمستعمرة " حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مئة دينار لإحدكم اليوم ". وتأتي الأجيال المتأخرة من أتباع الحضارة المادية ، فيقولون :" لقد كان بهذا المكان ماء " فإنهم عرفوا من التاريخ أن هذه المنطقة كانت تغل لأهلها وتفيدهم ،وأما الآن – بعد سيطرة الحضارة الكافرة – فقد أصبحت الغلات لها . وأصبح وجود الماء كالعدم بالنسبة إلى أهل البلاد . وأما المسلمون المخلصون ، فينحازون عنهم ويبتعدون عن ممالأتهم والسير في طريقهم ، خوفاً على إيمانهم من الإنهيار ، وعلى سلوكهم من التفسخ والإنحلال . وحين تتم للحضارة المادية الملحدة ، بسط السيطرة على الأرض ، تتجه أطماعها إلى السماء ،ومن هنا نجدهم " يقولون :هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ، ولننازلن أهل السماء " . ـــــــــــــــــ (1)الأنبياء : 21/ 96 صفحة (152) وهذا بمعناه – الرمزي – مما حدث فعلاً ،فإن الحضارات المادية بعد أن أحكمت قبضتها على الأرض ، طمعت بغزو السماء ، بدئة بالأقرب من الكواكب .ومنهنا انبثقت فكرة غزو الفضاء الخارجي والسير بين الكواكب . " فيرمون نشابهم إلى السماء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة بالدم " . وهذا – بمعناه الرمزي – مما حدث فعلاً ، متمثلاً بإطلاق الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية والصواريخ الكونية .فأعجب لمثل هذه التنبؤ الصادق الذي لم يكن للنبي (ص) أن يصرح به في عصره إلا بمثل هذا الرمز ، طبقاً لقانون " كلم الناس على قدر عقولهم ". ومعنى كونها تعود مخضبة بالدم ، هو أنها محاولات ناجحة ، تنتج الأثر المطلوب المتوقع ... فكما أن المتقع من القتل بالحربة أو السهم أن تتخضب بالدم ، كذلك من المتوقع للمركبات أن تنتج الخبرات العلمية المطلوبة ،وأن تجلب التراب من القمر – مثلاً – ولعل في التعبير بان السهام " ترجع ، عليها الدم الذي اجفظ " أي فاض وغزر.... فيه إشارة واضحة على ذلك ...بعد العلم أن السهم الإعتيادي لايفيض منه الدم ، وإنما يراد بذلك التأكيد على مدى نجاح الرحلات الفضائية ،وسعة ما تنتجه من تنتائج ومن حيث العمق والإنتشار في العالم . وحين يتم لهم ذلك ، ينالهم الغرور بعلومهم ومدنيتهم " فقولون : قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ". وكل حضارة ينالها الغرور ، وتفشل في التمحيص الإلهي العام للبشرية ، لا بد أن يحكم عليها بالزوال ،ويكون غرورها نذير فنائها واندثارها ... طبقاً للقانون الذي يعرب عنه قوله تعالى :" حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنها قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً ، فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون" (1) . وكما كان للإسكندر ذي القرنين الدور الأهم في منازلة المادية الأولى ... سيكون للقائد المهدي (ع) الدور الأهم في منازلة المادية الحديثة .ولذا قورن الإمام المهدي (ع) بذي القرنين بعدد من الرزايات ، كما سنسمع بعد ذلك وسيكون للمسيح (ع) مشاركة فعالة في هذا الصدد، تحت قيادة القائد المهدي (ع) ... إلى حد يمكن أن نعبر عنه بأنه السبب المباشر لذلك ، مع شيء من التجوز والتعميم .ومن هنا تسبب موت ياجوج ومأجوج إلى عمله وجهوده ، كما سمعنا من بعض الأخبار . ـــــــــــــــــ (1) يونس 10/24 صفحة (153) واما اسلوب موت هؤلاء ، فيمكن أن نطرح له أطروحتان : الأطروحة الأولى : موتهم عن طريق تفشي الأمراض والأوبئة فيهم ...كما هو الموافق مع ظاهر الأخبار ، على المستوى (الصريح) دون الرمزي ففي خبر مسلم :فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم .وفي خبر ابن ماجة : فبينما هم كذلك ، إذ بعث الله دواب كنغف الجراد ،فتأخذ بأعناقهم فيموتون كموت الجراد ، يركب بعضهم بعضاً . والنغف دود صغار يكون في الإبل ، وكل ما هو حقيرعند العرب فهو نغفة(1)، ومن هنا يكون الأرجح كونه تعبيراً عن مكنونات الأمراض (الميكروبات) .ومن هنا يكون الخبر نبوءة عن هلاك الماديين الجدد عن طريق الأوبئة الفتاكة أو الحرب الجرثومية ونحوها . الأطروحة الثانية :أن نفهم من الموت موت الكفرة الإنحراف ، لا موت الأبدان . وهي المهمة الكبرى التي يقوم بها المهدي والمسيح(ع) في العالم .ولئن كان الكفر قاتلاً للإيمان ،وهو أشد من موت الأبدان " والفتنة أكبر من القتل "(2) .فإن الإيمان قاتل للكفر ، وهو أفضل شكلي الحياة . وهذا هو الذي يفسر لنا ما يظهر من الأخبار السابقة ، من أن موتهم جميعاً يكون سريعاً وفي زمان متقارب جداً ، فإنه طبقاً – للأطروحة الثانية – نتيجة للجهود الكبيرة المركزة في السيطرة على العالم بالعدل وتربية البشرية بإتجاه الكمال . وهو – ايضاً – دليل على النجاح الفوري لتلك الجهود في اليوم الموعود . وستكون مخلفات الحضارة المادية كبيرة جداً من الناحية الصناعية والعلمية .وسيكون لذلك الأثر الكبير في دعم الدولة العاليمة العادلة ، وترسيخ جذور التربية في المجتمع البشري ." فما يكون لهم(3) رعي إلا لحومهم ، فتشكر عليها كأحسن ما شكرت على نبات قط " ـــــــــــــــــ (1) راجع أقرب الموارد، مادة نغف . (2) البقرة : 2/217 وانظر ايضاً : 2/191 . (3) الضمير في العبارة راجع إلى المواشي ، والملحوظ أنه ضمير لمن يعقل ، ولو اراد الماشي على التعيين لقال : لها .ومن هنا يمكن أن نفهم التعميم صفحة (154) فلحومهم – طبقاً لهذه الطروحة – ومخلفاتهم (1)، ومن المعلوم أن المستوى التكتيكي الرفيع إذا اقترن بمستوى اجتماعي عادل وأنتج أضعافاً مضاعفة من النتائج ، مما إذا لم يقترن بالمستوى الإجتماعي العادل . ولم تنج البشرية ، ما بين الماديتين : البدائية والتقدمية !!!! من جذور وبذور وإرهاصات للتجدد والإشتعال، ومن هنا تأسف نبي الإسلام (ص) أسفاً شديداً ، لأنه قد " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وعقد عشراً " . من حيث أن هذا الردم الإيماني قد بدأ بالتصدع مقدمة لوجود المادية التقدمية !!!... غير أن موقف المهدي والمسيح (ع) ، سيختلف عن موقف ذي القرنين ، فلئن اكتفى ذو القرنين ببناء السد ،مع الحفاظ على وجودهم إجمالاً ، طبقاً للتخطيط العام . فإن المهدي (ع) سيتخذ موقف الإستئصال التام لكل العقائد المنحرفة والكفر والضلال ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، " فيموتون موت الجراد ، يركب بعضهم بعضاً " . الناحية الثالثة : في الفرق بين يأجوج ومأجوج ، والدجال . فإنه قد يرد إلى الذهن :أننا بعد أن فسرنا الدجال بالحضارة المادية ، كيف صح لنا أن نفسر يأجوج ومأجوج بنفس التفسير ،وهل يمكن أن نعترف أنهما تعبيران عن حقيقة واحدة ، مع العلم أن تعدد الأسماء والعناويين دليل على تعدد الحقائق . ويمكن أن يجاب ذلك بعدة أجوبة ’ يصلح كل منها تفسيراً كاملاً للموقف : الجواب الأول :إن مفهوم (الدجال) ناظرا إلى الحضارة المادية ككل ، ومستوعب لها على نحو المجموع .وأما مفهوم ( يأجوج ومأجوج) فيقسم تلك الحضارة إلى قسمين متميزين . فإنه بالرغم من أن للحضارة المادية ككل مميزاتها وخصائصها التي تفصلها عن الإتجاه الآخر بميزاته وخصائصه ،ولها فروقها عن الحضارة الإسلامية والمفاهيم الدينية الإلهية . وهذه الحضارة المادية المنظر إليها بهذا الشكل ، هي التي تمثل مفهوم الدجال . ـــــــــــــــــ (1) وأوضح في الإستفادة من المخلفات ما أخرجه ابن ماجة (ج2ص1359 ) : قال رسول الله (ص) : سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين .أقول : ذلك النشاب الذي سمعنا أنهم يرسلونها إلى السماء . صفحة (155) .... بالرغم من ذلك ، فإن للحضارة المادية انقساماتها الداخلية التي تجعلها في معرض الصراع الداخلي ، الذي يكون في الأعم الأغلب عنيفاً وعميقاً. وهذا الإنقسام هو المعبر عنه بمفهوم (يأجوج) مرة ومفهوم (مأجوج) أخرى . وهذا الإنقسام لبس حديثاً ، بل هو قديم قدم المادية نفسها .فالمادية البدائية كانت منقسمة ،وكان انقسامها مشوباً بالشعور القبلي .والمادية (التقدمية) منقسمة ، ولكن انقسامها ايدولوجي ومصلحي معاً. الجواب الثاني: إن مفهوم الدجال يمثل المادية الحديثة ... ولذا لم ينقل عنه قبل الإسلام أي وجود .وإنما بدأت إرهاصاته –حسب إفادات الأخبار التي عرفناها في التاريخ السابق (1)- أي بعد بدء الإسلام ،وكان وجوده الكامل متأخراً عنه بألف عام . وأما مفهوم (يأجوج ومأجوج) فهو يمثل الخط المادي بتاريخه الطويل .ولذا كان له وجود بدائي ووجود حديث. ولم يخل التاريخ المتوسط بينهما من التأثيرات والإرهاصات . وهذا يعني أن الوجود الحديث ليأجوج ومأجوج ، هو الدجال نفسه ، وليس شيئاً آخر . الجواب الثالث : إن مفهوم يأجوج وماجوج ، يعني الحضارتين الماديتين بوجودهما الأصيل .وأما عنوان الدجال فلا يعني ذلك بالضبط ، وإنما النظر فيه إلى نقطة تأثر المسلمين بتلك الحضارة المادية .فالدجال يعبر عن عملاء تلك الحضارة في البلاد الإسلامية ،وهم متصفون بنفس أوصافهم ومتخذون نفس منهجهم في الحياة .... وكثيراً ما مارسوا الحكم وزرعوا الشبهات ،وحاولوا فك المسلمين عن دينهم وإبعادهم عن طريق ربهم . ويؤيد ذلك اتخاذ مفهوم الدجال ، الدال على انه مسلم بالأصل ، ولكنه أصبح كافراً ومنحرفاً ، يدعو الناس إلى الكفر والإنحراف ، وقد ينطلق في إثبات أفكاره في الأذهان عن طريق الخداع والتمويه ، بإستعمال المفاهيم الإسلامية بشكل مشوه ومستغل للمنافع الشخصية والنتائج الباطلة . كما يدل عليه الحديث الذي أخرجه أبو داود (1)، قال : قال رسول الله (ص) : من سمع الدجال فلينأ عنه ، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن ، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص644 . (2) انظر السنن ج2ص431 صفحة (156) وهناك اجوبة أخرى محتملة للجواب على الأسؤال الذي ذكرناه في هذه الناحية ، لا حاجة إلى سردها . وللقارىء أن يختار أياً من هذه الوجوه الثلاثة شاء ....فإن أياً منها كاف في تصحيح تفسيرنا للدجال وليأجوج ومأجوج معاً . الناحية الرابعة : طبقاً للأطروحة التي فهمناها عن يأجوج ومأجوج . فإن انتشارهما من ردمهما سيكون قبل عصر الظهور .وسيظهر المهدي (ع) وينزل المسيح عيسى بن مريم ، وهم حلبة العالم ، فيتم القضاء عليهم تماماً .دال على تأخر انتشارهما عن عصر الظهور . منها : ما أخرجه الحاكم في المستدرك(1) في حديث يتحدث فيه عن نزول المسيح وسيطرة المسلمين وقتلهم لليهود ، ويقول : يظهر المسلمون فيكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية .فبينما هم كذلك ، أخرج الله أهل يأجوج ومأجوج .... الحديث . فإذا عرفنا أن نزول المسيح وكسر الصليب وقتل الخنزير تعبير آخر عن قيام الدولة العالمية المهدوية العادلة.... كان الحديث دالاً على خروج يأجوج ومأجوج بعد تأسيس هذه الدولة . ومنها ما أخرجه مسلم(2) ورويناه في التاريخ السابق(3) في حديث يذكر فيه حادثة نزول المسيح ثم يقول : فبينما هو كذلك ، إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم ، فحرز عبادي إلى الطور .ويبعث الله يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون ... الحديث . فإذا استطعنا أن نبرهن – كما سيأتي – على تأخر نزول المسيح (ع) عن ظهور المهدي (ع) ،وكان انتشار يأجوج ومأجوج بعد نزول المسيح – كما قال الخبر – إذاً ، فسيكون انتشارهم بعد ظهور المهدي (ع) . ـــــــــــــــــ (1) انظر المستدرك على الصحيحين ج4ص491. (2) انظر صحيح مسلم ج8 ص197وما بعدها . (3) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص633. صفحة (157) إلا أنه يمكن المناقشة في هذه الأخبار من وجهين : الوجه الأول : وجود الدلالات المعارضة في الأخبار لهذه الدلالة . وتدل على تقدم ظهور يأجوج ومأجوج على الظهور . ولعل أهم ما يدل على ذلك :ما دل من الأخبار على خوف المسلمين من فتح يأجوج ومأجوج .وهي عديدة وقد سمعنا بعضها ،وهي دالة بوضوح على تحصن المسلمين منهم وعجزهم عن قتالهم وسحبهم لمواشيهم معهم وهذا الخوف إنما يمكن تحققه قبل تأسيس الدولة العالمية ،بل قبل ظهور المهدي (ع) أساساً . إذ لا معنى للخوف بعد الظهور ، حين يكون النصر محرزاً والأمن مستتباً ...طبقاً لقوله تعالى :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ، كما استخلف الذيم من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً "(1) اذاً ، فيتعين أن يكون انتشار يأجوج ومأجوج الموجب للخوف والتحرز بين المسلمين ، سابقاً على الظهور حين لا يكون للمسلمين قوة مهيمنة عليا. وقد يخطر في الذهن : أن هذه الأخبار دلت على وجود هذا الخوف بين المسلمين بالرغم من وجود المسيح (ع) فيهم . وأنه (ع) مأمور بتحصينهم ضد اعتداءات يأجوج ومأجوج .فإذا كان نزول المسيح (ع) بعد الظهور كما أسلفنا ، إذاً فسيكون فتح يأجوج ومأجوج بعده أيضاً. والصحيح : أن هذه الرواية إنما تدل على تقدم نزول المسيح على الظهور ، وأنه ينزل في زمان اضطراب المسلمين وضعفهم ووجود الفتن فيهم .وهذا ما سوف نناقشه في القسم الثاني من هذا التاريخ ..ويكفينا الآن أن نعلم بوجود عدد من الأخبار دال على تأخر نزوله (ع) عن الظهور . ـــــــــــــــــ (1) النور : 24/ 55 صفحة (158) إذاً ، فلا بد من الإلتزام بأن انتشار يأجوج ومأجوج سابق على النزول والظهور معاً ، ونرفع اليد عن دلالة هذ االخبر بهذا المقدار .وهو المطابق مع الأطروحة التي عرفناها قبل قليل . الوجه الثاني : وجود الدلالات المعارضة من ناحية أخرى . وذلك : أننا سنسمع الروايات الواردة لسرد حوادث ما بعد الظهور ،وسنجدها جميعاً خالية من التعرض ليأجوج ومأجوج .وإنما سنجد العالم هو العالم الذي نعرفه خالياً من الغرائب التي نسبت إلى هاتين القبيلتين ، يظهر المهدي (ع) وينزل المسيح (ع) فيحكمان فيه بالعدل .ومعه تكون تلك الأخبار ككل دلالة على عدم انتشار يأجوج ومأجوج يومئذ. وحيث علمنا من القرآن المكريم والسنة الشريفة ، أنهم لا بد أن ينتشروا في يوم ما ، إذاً فهذا واقع قبل الظهور لا محالة . وهنا لا بد لنا أن نتنازل عما دلت عليه بعض الأخبار السابقة عن تأخر انتشار هاتين القبيلتين عن نزول المسيح .تماماً كما قلنا في الجواب السابق . وينبغي أن نلاحظ أيضاً ، أنه طبقاً للأطروحة التي فهمناها لا تكون هناك أية معارضة بين أخبار يأجوج ومأجوج المادية على الظهور ، تنفي عن هاتين القبيلتين كل الغرائب ،وإنما هما يمثلان العالم نفسه كما نعرفه ، فيما عرفناه من دلالة الأخبار على سيطرة المهدي (ع) على العالم كما نعرفه ، يكون منسجماً مع الأطروحة كل الإنسجام . نعم ، طبقاً للأطروحة يكون عمل المهدي (ع) مكرساً في أول ظهوره للسيطرة على يأجوج ومأجوج ، أو المادية السابقة على ظهوره .وهذا المفهوم لم يرد فيأخبار ما بعد الظهور .وهذا يعني تحول المفهوم في هذه الأخبار وترك التعرض إلى عنوان يأجوج ومأجوج ...ولا يعني وجود الأشكال في هذه الأطروحة . صفحة (159) السفياني وهو من الحركات الإجتماعية التي أكدت عليها المصادر الإمامية تأكيداً كبيراً . وأهملتها مصادر العامة إلى حد كبير، على العكس من الدجال ، كما أشرنا في التاريخ السابق .(1) وقد سبق هناك أن ذكرنا العديد من تفاصيل أوصافه وأعماله ، وأعطينا عنه فهماً خاصاً ،وهو كونه يمثل حركة الإنحراف، او حركة منحرفة واسعة النفوذ ، في داخل المجتمع المسلم . والمهم في تاريخنا هذا أن ننظر إلى أعمال السفياني ،كشيء سبق على الظهور بقليل ،بحيث يتم الظهور ، ولا يزال السفياني يعمل عمله وينشر حكمه ودعوته ، كما عليه ظاهر الأخبار . وينبغي أن نتكلم حول ذلك ضمن عدة نواحي . الناحية الأولى : في سرد الأخبار التي تفيدنا في حدود الغرض الذي أشرنا إليه ، بعد سردنا من أخبار السفياني في التاريخ السابق(2) الشيء الكثير وعرفنا أنها متواترة لا مناص من الأخذ بها إجمالاً . أخرج الصدوق(3) عن أبي منصور البجلي ، قال: سألت أباعبد الله (ع) عن اسم السفياني .فقال : وما تصنع بإسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس : دمشق وحمص وفلسطين والأردن وقنسرين ، فتوقعوا الفرج .قلت : يملك تسعة أشهر ؟ قال : لا ، ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً . وأخرج النعماني في الغيبة(4) عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل يقول فيه : لا بد لبني فلان من أن يملكوا . فإذا ملكوا ثم اختفوا تفرق ملكهم أو تشتت أمرهم ، حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني .هذا من المشرق وهذا من المغرب . يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان .هذا من هنا وهذا من هنا حتى يكون هلاك بني فلان على ايديهما ،أما أنهم لا يبقون منهم أحداً . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص621 وما بعدها . (2) انظر ص622 وما بعدها . (3) انظر إكمال الدين ( المخطوط ) . (4) ص135. صفحة (160) ثم قال : خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ، كنظام الخرز ، يتبع بعضه بعضاً . الحديث . وأخرج النعماني أيضاً (1) بسنده عن الحارث عن أمير المؤمنين (ع) في حديث يقول فيه : وإذا كان ذلك ، خرج السفياني ، فيملك قدر حمل امرأة ، تسعة أشهر ، يخرج بالشام ، فينقاد له أهل الشام إلا طوائف من المقيمين على الحق ، يعصمهم الله من الخروج معه .ويأتي المدينة بجيش جرار ، حتى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف الله به .وذلك قول الله عز وجل في كتابه : " لو ترى إذ فزعوا فلا فوت وإخذوا من مكان قريب" (2). وأخرج أيضاً (3) بسنده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) قال : السفياني أحمر أصفر أزرق ، لم يعبد الله قط ، ولم ير مكة ولا المدينة قط . يقول : يا رب ثأري و النار ، يا رب ثأري والنار . وأخرج الشيخ في الغيبة(4) عن بشر بن غالب (قال): يقبل السفياني من بلاد الروم منتصراً في عنقه صليب ، وهو صاحب القول . وأخرج أيضاً(5) عن أبي عبدالله (ع) قال : كأني بالسفياني – أو لصاحب السفياني – قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة .فنادى مناديه :من جاء برأس شيعة علي ، فله ألف درهم ، فيثب الجار على جاره ، ويقول : هذا منهم . فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم ،أما أن إماراتكم يومئذ ، لا تكون إلا لأولاد البغايا. ـــــــــــــــــ (1) ص163. (2) سبأ 34/51. (3) الغيبة ص164. (4) ص278. (5) المصدر ص273. صفحة (161) ولعل أهم الأخبار التي تحدد حركات السفياني وحروبه ، خبران : أحدهما : ما أخرجه الشيخ(1) عن عمار بن ياسر(انه قال) : أن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان ، ولها إمارات ...إلى أن قال : ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك: رجل أبقع ورجل أصهب ورجل من أهل بيت أبي سفيان ، يخرج من كلب ،ويحضر الناس بدمشق .ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني . ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد ، وتنزل الترك الحيرة . وتنزل الروم فلسطين .ويسبق عبد الله عبد الله حتى يلتقي جنودهما بقرقيسيا على النهر ويكون قتال عظيم . ويسير صاحب المغرب فيقتل الدجال ويسبي النساء . ثم يرجع في قيس حتى ينزل الجزيرة السفياني .فيسبق اليماني ، ويحوز السفياني ما جمعوا . ثم يسير إلى الكوفة فيقتل أعوان آل محمد (ص) ويقتل رجلاً من مسميهم ، ثم يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح. وإذا رأى اهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان ،فألحقوا بمكة ، فعند ذلك تقتل النفس الزكية ، وأخوه بمكة ضيعة .فينادي مناد من السماء : أيها الناس ، اميركم فلان .وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً .كما ملئت ظلماً وجوراً . ثانيهما : ما أخرجه النعماني(2) بسنده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل يقول فيه : يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات ، راية الأصهب وراية الأبقع وراية السفياني .فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون ، فيقتله السفياني ومن تبعه ، ويقتل الصهب . ثم لا يكون له همة إلا الأقبال نحو العراق .ويمر جيشه بقرقسيا ، فيقتتلون بها ، فيقتل بها من الجبارين مائة ألف . ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة ، وعدتهم سبعون ألفاً ، فيصيبون أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً . فبينما هم كذلك ، إذ اقبلت رايات من خراسان ، وتطوى المنازل طياً حثيثاً ، ومعهم نفر من أصحاب القائم . ـــــــــــــــــ (1) المصدر ص278 (2) انظر الغيبة للنعماني ص149 صفحة (162) ثم يخرج من موالي أهل الكوفة في ضعفاء ، فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة .ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة ، فينفر المهدي (ع) منها إلى مكة .فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة . فيبعث جيشاً على أثره ، فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفاً ترقب على سنة موسى بن عمران . قال : وينزل أمير جيش السفياني البيداء ، فينادي مناد من السماء : يا بيداء ابيدي القوم ، فيخسف بهم ، فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر ... الحديث . ثم يبدأ الحديث بشرح حوادث الظهور التي ستسمعها في القسم الثاني . وسنذكر الأخبار الدالة على قتال السفياني للمهدي ومقتله على يده في ناحية آتية . الناحية الثانية: في إمكان الإعتماد على هذه الأخبار في الإثبات التاريخي ، طبقاً لمنهج الذي سردنا عليه في هذا الكتاب . إن الإتجاه العام لهذه الأخبار منطبق على هذا المنهج ، لولا بعض نقاط الضعف: النقطة الأولى : أن الخبر الذي رواه الشيخ عن عمار بن ياسر، لم يرو عن أحد المعصومين (ع) ، بل عن عمار نفسه.وإن كان من المرحج أنه اتقى هذه المعلومات عنهم (ع) . إلا أن الكلام كلامه ، بدليل قوله في أول الخبر :أن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان .الدال على أن المتحدث لم يعتبر نفسه من أهل البيت ، وهذا ما لا يحدث لو كان المتحدث أحد المعصومين (ع) ومعه يسقط الخبر عن الإثبات التاريخي .وتكون صحته متوقفة على القرائن أو اشتراك نقله مع الأخبار الأخرى ، أو تحقق ما أخبر به في العالم الخارجي . وهذا هو الحال في الخبر الذي أخرجه الشيخ عن بشربن غالب ، فإن الظاهر منه أنه هو المتكلم ، فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي . النقطة الثانية : أن خبر عمار غير مرتب من حيث الزمان ، فهو يحتوي على حوادث مختلطة : متقدمة ومتأخرة ، وغير محددة على ما يبدو . فنزول الترك الحيرة ، تعبيرعن السيطرة العثمانية عل العراق .ونزول الروم فلسطين هو الغزو الصليبي. صفحة (163) وصاحب المغرب هو – على الأرجح – أبو عبد الله الشيعي الذي مهد بقتاله الواسع في شمال افريقيا لحكم المهدي الإفريقي (محمد بن عبد الله) (1) جد الفاطميين الذين حكموا بعدئذ مصر ردحاً من الزمن . وهذه الحوادث وردت في الحديث على عكس حدوثها التاريخي تماماً كما يتضح بمراجعة التاريخ الإسلامي. وإذا كانت حوادث الماضي فيه غير مرتبة فلعل حوادث المستقبل فيه كذلك . النقطة الثالثة : أن هناك تهافتاً بين بعض مضامين هذه الأخبار . فمن ذلك : مدة بقاء حكم السفياني ، فينما يصرح أحد الأخبار أنه يملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر ، نرى خبراً آخر ينفي ذلك بصراحة ، وأنه لا يملك إلا ثمانية . ومن ذلك : موعد وجود حركة السفياني ، فينما يظهر من بعض هذه الأخبار أن زوال دولة بني العباس يكون على يده ، إذا فهمنا من بني فلان وذلك كما هو الظاهر .ومعنى ذلك أن حركة السفياني قد وجدت وانتهت منذ أمد بعيد . نجد – إلى جنب ذلك – ارتباط حركة السفياني بالخسف ، وأن المهدي (ع) نفسه هو الذي يقتله .ومعنى ذلك أن حركته لم تحدث لحد الآن .وكم بين هذين الموعدين من بعد شاسع . غير اننا في التاريخ السابق(2) ناقشنا الخبر الدال على إزالته لدولة بني العباس .ومعه يكون هذا الموعد منتفياً، ويتعين الموعد الآخر . ومن ذلك : تعين دين السفياني .فبينما نسمع من احد الأخبار أنه مسيحي بشكل وآخر ( في عنقه الصليب ) نجد في خبر آخر أنه من المسلمين المهتمين باستئصال شيعة على (ع) . مع الإلتفات إلى أن المسيحي قلما يكون له اهتمام خاص بذلك . ومن ذلك : أن هناك تشويشاً وتضارباً في تسمية القادة الموجودين قبل الظهور .فإن ظاهر الأخبار تعاصر هذه الحركات تقريب، وكلها ذات أهمية في المجتمع ، إلى درجة يكون إهمال الخبر لذكر بعض قرينة على عدمه أساساً ، لعدم إمكان الإغراض عن ذكره – عادة – مع وجوده . ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغبة الصغرى ص354. (2) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص624. صفحة (164) ففي بعض الأخبار لا نجد غير السفياني ، وفي بعضها نجد الخراساني والسفياني دون غيرهما ، وفي اخبار أخرى نسمع بوجود عدة قواد : أبقع واصهب وسفياني ويماني . وقل مثل ذلك في المنطقة التي يحكمها السفياني .فإن المقدار الواضح من الأخبار اطلاقة من دمشق وسيطرته عليها ، إلى جنب عدم وصوله إلى مكة والمدينة المشرفتين . وأما بالنسبة إلى باقي البلدان ، فالأمر لا يخلو من تشويش . ولعل من اوضح موارد التشويش هذه : الكوفة . حيث نسمع من بعض الأخبار ارتكازه فيها وسيطرته عليها . نجد في بعضها الآخر أن (الخراساني) يحتلها معه أيضاً . بل أن انطلاقه من دمشق أيضاً لا يخلو من ظلال، نظراً إلى الخبر القائل: بأن السفياني يقبل من بلاد الروم . غير أن الذي يهون الخطب ، أن أكثر منطلقات هذه النقطة قابلة للتذليل مع شيء من التفكير ، كما سوف نطبق بعضه فيما يلي : الناحية الثالثة : من الحديث عن السفياني : في محاولة فهم الحوادث التي تدل عليها هذه الأخبار ، ومحاولة ضبطها وترتيبها وانطلاقاً من ظاهرها على المستوى (الصريح) دون (الرمزي) ... ما لم تعن الحاجة إلى الحمل على الرمز أحياناً . إن منطلق السفياني سيكون هو الشام دون بلاد الروم .وأما الخبر الدال على إقباله من هناك .فسنذكر له فهماً خاصاً في حديثنا عن علاقة السفياني بالدجال . إن دمشق ستكون في يوم من الأيام مسرحاً لحروب داخلية وصدام مسلح بين فئات ثلاث كلها منحرفة عن الحق ،وكل منها يريد الحكم لنفسه .ولا تعبر لنا الأخبار عن اتجاهات هؤلاء وعقائدهم بوضوح ، غير أنها توضح وجود الإختلاف بينها عن طريق اختلاف الوانها ... وهي تعبرعن ألوان الأمراء باعتبارهم مركز الثقل في التوجيه الفكري والعسكري لقواعدهم الشعبية ، فأحدهم ابقع. والآخرأصهب. والآخر احمر أصفر أزرق، وهو السفياني .وهو الذي يكتب له النصر في المعمعة ، ويستطيع السيطرة على الموقف في الشام ،ويتبعه أهلها ، إلا أن عدد قليل من الناس و يعصمهم الله تعالى عن اتباعه ، وهم جماعة من المخلصين الممحصين الكاملين ، المعبر عنهم في بعض الأخبار بالأولياء والأبدال وكما اسلفنا ، ويحكم السفياني الكور الخمس : دمشق ، وحمص وفلسطين والأردن وقنسرين(1) إلى جنب ما سوف يملكه من مدن العراق . ـــــــــــــــــ (1) الكور جمع كورة ، وهي المدية والبقعة (انظر أقرب الموارد ج2 ص1112) .وقنسرين كورة بالشام بالقرب من حلب ،وهي إحدى أجناد الشام ، قال ابن الأثير :وكان الجند ينزلها في ابتداء الإسلام ولم يكن لحلب معها ذكر ( تاج العروس ج3 ص508 مادة : قنسر ) . صفحة (165) وحين يستتب له الأمر يطمع بالسيطرة على العراق ، ويفكر في غزوها عسكرياً ، فيوجه إليها جيشاً يكون هو قائده .فيلتقي في طريقه جيش أرسله حكام العراق من أجل دفعه ، فيقتتل الجيشان في منطقة تسمى بقرقيسيا(1) ويكون قتالهم ضارباً ، يقتل فيه من الجبارين حوالي مئة ألف .والجبار العنيد هو كل حاكم منحرف ... وهو كناية عن أن كل من يقتل يومئذ من أي الجشين هو من الفاسقين المنحرفين .وبذلك تتخلص المنطقة من أهم القواد العسكريين الذين يحتمل أن يجابهوا المهدي (ع) عند ظهوره . وعلى أي حال ، فالنصر سوف يكون للسفياني أيضاً ، فيدخل العراق ، ويضطر إلى منازلة (اليماني) في ارض الجزيرة(2) فيسيطر عليه أيضا ويحوز من جيش اليماني ما كان قد جمعه من المنطقة خلال عملياته العسكرية . ثم يسير إلى الكوفة ، فيمعن فيها قتلاً وصلباً وسبياً ... ويقتل أعوان آل محمد (ص) ورجلاً من مسميهم يعني المحبوسين عليهم .وقد سمعت ما في أحد الأخبار من أنه ينادي مناديه في الكوفة : من جاء برأس من شيعة علي ، فله ألف درهم ، فيثب الجار على جاره ،وهما على مذهبين مختلفين في الإسلام ، ويقول : هذا منهم ، فيضرب عنقه ، ويسلم رأسه إلى سلطات السفياني ، فيأخذ منها ألف درهم . ولا تستطيع حركة ضعيفة وتمرد صغير يحدث في الكوفة من قبل مؤيدي اتجاه أهلها ... لا تستطيع التخلص من سلطة السفياني ، بل سوف يفشل وسيتمكن السفياني من قتل قائد الحركة بين الحيرة والكوفة ، وكأنه يكون قد انهزم بعد فشل حركته ، فيلقي السفياني عليه القبض في الطريق فيقتله . وفي بعض الأخبار أنه تراق بين الحيرة والكوفة دماء كثيرة ،وهو إشارة إلى هذه الحادثة ... فيها الدلالة على أن لقائد الحركة مركزاً مهماً هناك ، لن يستطيع السفياني السيطرة عليه بسهولة . ـــــــــــــــــ (1) في مراصد الإطلاع بالمد : بلد على الخابور عند مصبه ، وهي على الفرات ، جانب منها عل الخابور وجانب على الفرات ، انظر ج3ص1080 .أقول : وهي منطقة واقعة في سوريا الآن قريبة من الحدود العراقية . (2) وهي أرض ما بين النهرين في العراق . صفحة (166) وحين يستتب له الأمر في العراق أيضاً ، يطمع في غزو الأراضي المقدسة في الحجاز .فيرسل جيشاً ضخماً إلى المدينة لإحتلالها .وظاهر اغلب الأخبار أن السفياني نفسه ليس فيه . فيسير هذا الجيش بعدته وسلاحه متوجهاً نحو المدينة المنورة : ويكون الإمام المهدي ( ع) يومئذ في المدينة . فيهرب منها إلى مكة فيعرف السفياني ذلك عن طريق استخباراته ، فيرسل جيشاً في أثره متوجهاً نحو مكة . محاولاً قتله والإجهاز عليه وعلى أصحابه ،وظاهر سياق الأخبار أن الجيش المتوجه إلى مكة هو جزء من الجيش الذي كان متوجهاً إلى المدينة المنورة . إلا أن مكة حرم آمن بنص القرآن الكريم ، لايمكن أن يخاف فيه المستجير كما أن الإمام المهدي (ع) قائد مذخور لليوم الموعود وهداية العالم . لايمكن أن يقتل .ولا بد من حمايته ... ومن هنا تقتضي الضرورة إفناء هذا الجيش ، والقضاء عليه بفعل إعجازي إلهي ، فيخسف به في البيداء .ولا ينجو منه إلا نفر قليل: اثنين أو ثلاثة . يخبرون الناس عما حصل لرفاقهم . إلا أن ذلك لا يعني الكفكفة من غلواء السفياني ، بعد أن ملك سوريا والعراق والأردن وفلسطين ومنطقة واسعة من شبه الجزيرة العربية ، وهدد الإمام المهدي وحاربه ... بل سيبقى حكمه ريثما يظهر المهدي (ع) بعد الخسف بقليل ويرد جيشه إلى العراق ، ويناجزه القتال فسيطر عليه ويقتله ، كما سنذكر . هذا وقد اعتبرنا في هذا الفهم لتسلسل الحوادث ، أن كل ما ورد في شيء من الأخبار من دون أن يكون له ناف أو معارض في خبر آخر ، فهو ثابت .وهذا صحيح في سائر الأخبار ، غير الخبرين اللذين عرفنا ورودهما من غير المعصومين (ع) ووهما من نقاط الضعف في هذا الفهم . كما أنها قد تواجه نقاط ضعف أخرى ، ينبغي عرضها ونقدها : النقطة الأولى : أنه قد يخطر في الذهن : أن هذه التحركات العسكرية وما رافقها من الملابسات ، صيغت على غرار تحركات الجيوش القديمة التي كانت تحارب خلال العصر العباسي – مثلاً - حيث لا يوجد قانون دولي ولا أمم متحدة ولا حدود معترف بها . وأما بعد أن تقدمت الحضارة وأسست هذه الأسس فمن غير المحتمل أن تحدث مثل هذه التحركات . صفحة (167) ويمكن عرض عدة أجوبة على هذه الأجوبة على النقطة ، نذكر منها جوابين : الجواب الأول: أن قيمة القانون وما يستتبعه من الإعتراف بالأمم المتحدة والحدود الآمنة المعترف بها ، إنما تنطلق من المصلحة الخاصة ليس إلا ، لأن الفرد أو الدولة إذا تنازلت عن شيء من المصلحة أمكن تبادل هذا التنازل مع الآخرين ، وبذلك تنحفظ مصالح خاصة أهم وأشمل . وأما في الوقت الذي حرز الفرد أو الحاكم إمكان سيطرته على الآخرين وحصوله على الربح مع إحراز دفع الضرر عن نفسه ، فسيكون هو وبنود القانون على طرفي نقيض . ومن هنا لم يكن وجود القانون ولا الأمم المتحدة ، ولا محكمة العدل الدولية مانعاً عن أنواع الإعتداءات وأشكال الغزو والسيطرة على الشعوب الضعيفة من قبل مختلف الأنظمة ، كما نشاهده باستمرار .وليست حركة السفياني بأفضل من أي واحد من هذه الإعتداءات . الجواب الثاني : أنه من المحتمل – على الأقل – أن تكون تحركات السفيناي ذات طابع ( قانوني) مشروع في حدود الفهم الحديث لهذه المشروعية ، كما لو كانت نتيجة لإتفاقيات بين الدول أو إتحاد في شكل الأنظمة فيما بينها .أو إعلان شكل من الإتحاد بين اثنين أو أكثرمنها . وغير ذلك مما لا حاجة إلى الدخول في الحديث عن تطبيقاته في عالم اليوم . وبهذا يرتفع الإشكال الذي قد يرد إلى الذهن ، من حيث أن ظاهر الأخبار عدم وجود أية مقاومة ضد جيش السفياني حين يدخل الحجاز ... فإن ذلك يكون نتيجة لإتفاقات معينة ، أو لضعف الحكم القائم هناك يومئذ تجاه الجيش المحتل ضعفاً شديداً . النقطة الثانية : إن ظاهر بعض الأخبار التي سمعناها ، كون الإمام المهدي (ع) قبل ظهوره معروفاً للسفياني، ويبدو أن الهدف الرئيسي للجيش الذاهب إلى الحجاز هو قتل المهدي (ع) ،ومن هنا يخاف (ع) ويهرب من المدينة إلى مكة على سنة موسى بن عمران (ع) حين هرب إلى مدين ... ويكون الخسف بالجيش إنقاذاً له. ويفهم السفياني بهرب المهدي (ع) فيرسل خلفه جيشاً فيخسف به . وهذا – بظاهره – مناف لمسلك الغيبة الذي يتخذه الإمام (ع) إلى حين ظهوره ، وخاصة من الأعداء الذين يحتمل فيهم أن يقتلوه أو يشكلون خطراً عليه ولو انحصر الأمر بذلك ، وجب رفض دلالة الخبر للجزم بثبوت الغيبة قبل الظهور . صفحة (168) لكننا يمكن الإستغناء عن هذه النقطة أيضاً ، لو التفتنا إلى (أطروحة خفاء العنوان) التي عرضناها في التاريخ السابق، والتي تقول: إن المهدي (ع) خلال غيبته يرى الناس ويرونه ولا يعرفونه. وإنما تكون غيبته باعتبار غفلة الناس مطلقة عن حقيقته ... ويعرفونه بعنوان مستعار وشخصية (ثانوية) يتخذها المهدي (ع) في المجتمع . ومعه ، فمن الممكن أن السفياني يعرف تلك (الشخصية الثانوية) أعني ما أتخذه المهدي من عنوان مستعار في ذلك العصر .ويتابع أخباره بتلك الصفة .ويرسل جيشاً لقتله بتلك الصفة أيضاً .وإنما عبر عنه في الأخبار بالمهدي باعتبار حقيقته ، وإنما يخسف بالجيش المعادي له باعتبار ذلك أيضاً .إلا أن السفياني لن يشعر أنه قاصد لقتل المهدي (ع) نفسه ، ولن يشعر الناس بذلك أيضاً لأنه والناس ، إنما يعرفونه بشخصيته الثانوية دون الحقيقية . النقطة الثالثة : أنه تبقى عدة فجوات في تسلسل الحوادث لم تنطق بها الأخبار بوضوح ... ومن الصعب استدراكها بطبيعة الحال ، نذكر لها بعض الأمثلة . منها : دور الجماعة المقبلة من خراسان ، وفيها بعض أصحاب القائم (ع) بقيادة الخراساني .ما هو دورها في العراق هل هو عسكري أو فكري أو ليس لها دور .ما هو موقف السفياني منها حين يسيطر على البلاد . ومنها : دور اليماني عسكرياً وفكرياً وعقائدياً .وإن كان المظنون أنه هو المشار إليه في بعض الأخبار بأن رايته راية هدى ، كما سمعنا في التاريخ السابق(1) والسفياني سيجهز عليه و سيخلي الساحة العراقية منه .إلا أن فجوات أخرى سوف تبقى غير قابلة للجواب . ومنها : عدد أفراد الجيش الذين يتجهون إلى مكة المكرمة للقبض على المهدي (ع) .فهل هو جماعة كبيرة أو صغيرة ، فبينما يعبر عنه في عدد من الأخبار بالجيش ، وهو يوحي بالعدد . ويؤيده ما في بعض الأخبار من أنهم ثمانون ألفاً (2). إلا أن بعض الأخبار تقول : فيبعث إليه بعث(3) وهو يوحي بالإرسالية الصغيرة نسبياً . إلا أن الأغلب على التعبير بالجيش على أي حال . الناحية الرابعة : أننا فهمنا في التاريخ السابق(4) من الأخبار التي تذكر خروج الرايات السود من خراسان ... فهمنا الإشارة إلى حركة أبي مسلم الخراساني ، التي أجهزت على حكم بني أمية ومهدت لحكم العباسيين ... ومعه فقد يخطر في الذهن أن الخراساني امذكور في الأخبار التي ذكرناها هنا هو أبو مسلم ايضاً ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص632. (2) المصدر ص602. غير أن الخبر مروي عن ابن عباس لا عن أحد المعصومين (ع) .* المصدر ص599. (3) المصدرص 599. (4) المصدرص 547. صفحة (169) وهذا احتمال معقول لو استطعنا أن نفهم من (بني فلان) في الخبر الذي نقلنا عن النعماني في (الغيبة) ... بني أمية دون بني العباس . فكأنه قال : لابد لبني أمية أن يملكوا .فإذا ملكوا خرج عليهم الخراساني فأهلكهم. فيكون واضح الإنطباق على أبي مسلم دون شك . غير أن هذا الفهم مروي عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) .وهو معاصر لدولة بني أمية ... فلا يكون قوله (لا بد لبني أمية أن يملكوا) معنى واضح . بل يتعين حمله الدولة التي لم تحدث في زمانه .وهي دولة بني العباس .ومن المعلوم أن أبا مسلم أسس دولة العباسيين لا أنه أهلكها . ثانياً : إن الخبر كالصريح في تعاصر حركة الخراساني والسفياني ، ومن المعلوم عدم تحقق حركة السفياني لحد الآن !!!، إذاً فحركة الخراساني لم تتحقق ...إذاً ، فهي ليست منطبقة على حركة أبي مسلم على أي حال . ومعه ، تكون الحركة المشار إليها في أخبار الرايات السود غير الحركة المشار عليها في هذه الأخبار بقيادة الخراساني غير أننا نخسر بذلك شيئاً ذا بال ، وهو : إن الحادثة المشار إليها لو كانت واحدة ، لاستطعنا ضم أخبار الرايات السود إلى أخبار (الخراساني) ، فتصبح كثيرة ومستفيضة ، إن لم تكن متواترة وهذا غير ممكن مع تعدد الحادثة المقصودة . ولكن هذا لا يعني سقوط كلا الطائفتين من الأخبار عن إمكان الإثبات التاريخي ، كل بمقدار قابليته . الناحية الخامسة : قد ثبت بهذه الأخبار وغيرها ، كون الخسف الذي استفاضت به الأخبار في مصادر الفريقين ....إنما يكون بجيش السفياني ، حين يقصد قتل الإمام المهدي (ع) وهو مستجير بمكة . وبذلك نحصل على شيء ذي بال – على عكس الناحية السابقة – وهو انضمام أخبار الخسف المستفيضى إلى أخبار السفياني ، وإن لم تذكر السفياني بالصراحة .فإذا علمنا أن اخبار السفياني مستفيضة ، كان ضم المستفيض إلى المستفيض منتجاً للتواتر لا محالة . صفحة (170) الناحية السادسة : بقي علينا التعرض إلى مقتل السفياني على يد الإمام المهدي (ع) .ولا زلنا نتكلم طبقاً للفهم (الصريح) دون الرمزي لمفهوم السفياني ، لنتوفر في الناحية الآتية على عرض الفهم الرمزي له . وقد وردت في ذلك عدة أخبار : قال في إسعاف الراغبين(1) وهو يعدد ما ورد في الروايات من حوادث ظهور المهدي (ع) ....قال : وإن السفياني يبعث إليه من الشام جيشاً ، فيخسف بهم البيداء فلا ينجو منهم إلا المخبر . فيسير إليه السفياني بمن معه ، فتكون النصرة للمهدي ، ويذبح السفياني . وروي في البحار(2) حديثاً طويلاً عن جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر (ع) ، يتحدث فيه عن المهدي (ع) وظهوره وما يحدث بعد ذلك ، إلى ان قال : ثم يأتي الكوفة فيطيل فيها المكث ما شاء الله أن يمكث ، حتى يظهر عليها ، ثم يسير حتى يأتي العذرا (3) هو ومن معه ، وقد الحق به ناس كثير والسفياني يومئذ بوادي الرملة .حتى التقوا وهم ، يوم الأبدال ، يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد (ص) ، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد إلى السفياني ، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم .ويخرج كل ناس إلى رايتهم ،وهو يوم الأبدال .قال أمير المؤمنين (ع) : يقتل يومئذ السفياني ومن معه حتى لا يدرك منهم مخبر ، والخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب(4) .. الحديث . وفي خبر مطول آخر أخرجه المجلسي في البحار أيضاً (5) عن عبد الأعلى الحلبي قال : قال ابو جعفر (ع) : يكون لصاحب هذا الأمر غيبة ... إلى أن يقول لأصحابه سيروا إلى هذا الطاغية ، فيدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه (ص) ، فيعطيه السفياني من البيعة سلماً ، فيقول له كلب – وهو أخواله – ما هذا ؟ ما صنعت ؟ والله ما نبايعك على هذا أبداً ...فيقول :ما أصنع فيقولون : ! ... استقبله ! فيستقبله . ثم يقول له القائم صلى الله عليه : خذ حذرك ، فإنني اديت إليك ، وأنا مقاتلك ، فيصبح فيقاتلهم ، فيمنحه الله أكتافهم . ويأخذ السفياني أسيراً ، فينطلق به يذبحه بيده ...الخبر . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص138. (2) ص160-161ج13. (3) في مراصد الإطلاع بالمد : قرية بغوطة دمشق معروفة إليها ينسب مرج عذراء ج2 ص924. (4) أخوال السفياني والمحاربين معه ، كما يظهر من الخبر الآتي وغيره . (5) انظر ج13 ص189. صفحة (171) ولا نجد في هذه الأخبار تنافياً يذكر ، مع الأخبار السابقة والفهم العام الذي فهمناه عنها .فإن الجو العام لها واحد .فينبغي الآن قصر الكلام على الحوادث الزائدة التي تعرب عنها هذه الأخبار ، مما لم يكن موجوداً في الأخبار السابقة. ويكون فهمنا الآن تتمة للفهم العام السابق . إن مركز حكم السفياني سيكون هو العراق بعد انتقاله عن الشام ، ولن يوجب الجيش الذي تفشل مهمته في الحجاز ، انتقال مركز حكمه إلى هناك . ومن هنا سوف يواجه المهدي عند دخوله إلى العراق حكم السفياني بكل جبروته . غير أن السفياني – على ما يبدو – سوف يكره مناجزته القتال ، لأن ذلك سوف يثير ضده مشاكل لا تطاق .ومن هنا يدخل المهدي (ع) العراق سلماً ويمكث في الكوفة ما شاء الله له ذلك كزعيم شعبي ، حتى ما إذا اجتمع له من الرجال و السلاح ما يكفي للسيطرة على الحكم استطاع مواجهة السفياني بصراحة . وطبقاً للقواعد الإسلامية سيبدأ المهدي (ع) بعرض العقائد الإسلامية الحقة على السفياني ،فإن قبل بذلك وصار معه فهو ... وإلا ناجزه القتال . وطبقاً للإتجاه النفسي لدى السفياني لمجاملة المهدي (ع) ، سيعطي للمهدي ما يطلبه من الشهادة ،إلا أن بطانته سوف تحتج على ذلك وتشجب موقفه ، وتلزمه بأن يواجه المهدي (ع) مواجهة كاملة . ولعل هذا الإتجاه النفسي ، هو الذي يفسح المجال لتسرب كل المؤمنين المشتغلين في جيش السفياني إلى جيش المهدي (ع) ، وفي نفس الوقت يميل الفساق الفاشلين في التمحيص من سكان الكوفة قبل الظهور ، إلى الإلتحاق بجيش السفياني ، وهو يوم الإبدال .. أي تبادل الأصحاب .ويتم ذلك في الفترة الأولى قبل مناجزة القتال صفحة (172) وإذ يخضع السفياني لإقتراح بطانته ، ينكمش ضد المهدي (ع) ويتحداه فينذره المهدي (ع) بالقتال ، فيضطر السفياني إلى الصمود ضده ، فتحدث المعركة بين المعسكرين ، ويكون الفوز للقائد المهدي ، وينتهي حكم السفياني ،ويؤخذ اسيراً ويقتله المهدي في الأسر. وبذلك تتم سيطرة المهدي على العراق . بل سوف تتم سيطرة المهدي (ع) على كل المنطقة التي عرفناها محكومة للسفياني ، وهي العراق والشام والأردن وفلسطين .ومن هنا سوف تنفتح الفرصة المؤاتية للغزو العالمي . كما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب . الناحية السابعة : في محاولة إعطاء الفهم الرمزي عن السفياني ، مع الإلماع إلى علاقة السفياني بالدجال . ويحتاج الفهم الرمزي إلى شرطين أساسين ، لا يصح إلا من خلالهما ، فإن فقد أحد الشرطين ، فضلاً عنهما معاً ، كان الفهم الرمزي مما لا لزوم له . الشرط الأول : أن يكون العمل بظاهر الأخبارا متعذراً ، والفهم (الصريح) منها ممتنعاً ...باعتبار قيام القرائن على عدم صحته او اقتضاء القواعد العامة لنفيه . وهذا ما كنا نوجهه في مفهوم : الدجال أو مفهوم يأجوج ومأجوج .من حيث أن ظاهر الأخبار نسبة الخوارق والمعجزات إلى المنتسبين إلى الباطل، وهو مستحيل ، هو يعطي لهذين المفهومين صورة مخالفة للبشر الإعتياديين ومما يوثق بعد صدقه . فيكون ذلك سببا ً للإنطلاق إلى الفهم الرمزي الذي يذلل هذه المصاعب ، مع أخذ الشرط الثاني بنظر الإعتبار . الشرط الثاني : أن يكون الفهم الرمزي أقرب ما يمكن إلى الظواهر ، معطياً صورة شاملة ومتكاملة ومتساندة لمجموع الظواهر والمفاهيم الواردة في الأخبار ... بحيث لا يند عن ذلك إلا الخبر الشاذ غير القابل للإثبات التاريخي أساساً . وهذا ما حاولنا تطبيقه في فهمنا الرمزي لمفهوم الدجال ومفهوم يأجوج ومأجوج . غير أن مفهوم : السفياني فاقد للشرط الأول . إذ من الواضح بعد استعراض الأخبار السابقة وغيرها مما ورد في السفياني ، أنها خالية من أية معجزات وخوارق منسوبة إليه أو إلى غيره من المبطلين . بل هي تخلو من أية معجزة سوى الخسف بالبيداء الذي يحدث دفاعاً عن الحق لا عن الباطل ،وقد عرفنا مبرره الكامل فيما سبق . كما أن هذه الأخبار تعرض البشر على حالهم فيعصر التمحيص والفتن ، فهناك الآراء المتعارضة والجيوش المتحاربة والحكام الظالمون ، والقلة المدافعة عن الحق .وكل هذه الأمور صفات أساسية للمجتمع المعاصر. وبالتالي فهي لا تعطي صورة مخالفة للبشر الإعتياديين ليكون الوثوق بعدم صدقها موجوداً. ليكون ذلك منطلقاً إلى الفهم الرمزي . صفحة (173) إذاً ، فالفهم الرمزي الكامل مما لا لزوم له .وإنما الشيء الممكن هو ملاحظة الخصائص والصفات حول هذا المفهوم ، وإسقاط ما يمكن إسقاطه منها . فإذا اسقطناها جميعاً أو الأعم الأغلب منها ، كان (الفهم) الذي ذكرناه في التاريخ السابق(1) صحيحاً وهو ان السفياني يمثل خط الإنحراف داخل المعسكر الإسلامي ككل ، فتندرج تحته كل الحركات والعقائد التي تدعي الإنتساب إلى الإسلام ، مما كان (بعد زوال الدولة العباسية) أو يكون إلى يوم الظهور الموعود .وأما إذا أخذنا عدداً من الصفات بنظر الإعتبار ، مما تسالمت الروايات على صحته ، فإن هذا المفهوم الواسع سوف يضيق، وسوف ينحصر في تطبيق واحد من تطبيقاته ، فإنني أود أن أقول : أن مفهوم السفياني يعبر عن آخر حكم منحرف للمنطقة قبل ظهور المهدي (ع) ويمكننا أن نصف هذا الحكم مما ثبت له من الصفات ، كدخول سوريا والعراق تحت حكم واحد أو متشابه ، وحقده على أهل الحق ، وإرساله الجيش ضد المهدي ( أو ضد جماعة من أهل الحق المخلصين يكون المهدي (ع) موجوداً فيهم بعنوان آخر غير حقيقته) ، وحدوث الخسف على هذا الجيش. وأما الصفات الأخرى ، كتسميته بعثمان بن عنبسة ، وخروجه من الوادي اليابس ،وصفات جسمه وسيطرته على الأردن وفلسطين ، وتفاصيل مواقفه العسكرية ، فهي مما ينبغي اسقاطها تحت وطأة الفهم الرمزي ، وإيكال علمها إلى أهله .وإن كان الوارد من الأخبار في بعض هذه الصفات صالح للإثبات التاريخي ، وإن لم يكن أكيداً . ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص647. صفحة (174) وانطلاقاً من فهمنا هذا ، تتضح علاقة السفياني بالدجال بالمعنى الذي فهناك أيضاً . بعد أن برهنا في التاريخ السابق (1) على أن هذين المفهومين يعبران عن شيئين لا عن شيء واحد . فإن للفهمين (الصريحين) التقليدين للسفياني والدجال ، إتجاه إلى عزل أحدهما عن الآخر عزلاً تاماً ، طبقاً للظهور الأولي للأخبار ... فالمسيح ينزل فيقتل الدجال في دمشق بدون أن يكون السفياني موجوداً في العالم . والمهدي (ع) يظهر فيحارب السفياني بدون أن يكون الدجال موجوداً في العالم . ولكننا إذا علمنا أن زمن ظهور المهدي (ع) ونزول المسيح واحد ، حتى أن المسيح يصلي وراء المهدي (ع) تكرمة لهذه الأمة كما وردت بذلك الأخبار، وسنرويها فيما يلي : إذاً ، سيكون هذا الإتجاه التقليدي مبرهن البطلان .ولا بد من أن يكون الدجال والسفياني متعاصرين ، ولابد من وجود العلاقة بينهما بشكل من الأشكال. وإذا كان الدجال عبارة عن الحضارة المادية الحديثة بخطها الطويل ، وكان السفياني آخر الحكام المنحرفين في الشرق ، فسوف لا يصعب علينا تصور العلاقة يبنهما .بعد أن أصبحنا نعيش بكل حواسنا تطبيقات الدجال والسفياني بكل وضوح ....ونعلم الأشكال الصريحة والمبطنة لعلاقة أحدهما بالآخر بشكل نكون في غنى عن عرضه . وهذا التحديد للعلاقة ، منطلق من فهمنا لذينك المفهومين ، بغض النظر عما اكتسبه مفهوم الدجال من رتوش محتملة عند الحديث عن علاقته بيأجوج ومأجوج .إذ مع الأخذ ببعض الأطروحات التي ذكرناها هناك ، سوف نحتاج إلى بعض التغيير في تصور العلاقة ...وهذا ما نوكله إل القارىء الذكي . النفس الزكية وهو إنسان قرنت حركته ومقتله بظهور الإمام المهدي (ع) ، في أخبار المصادر الخاصة على الأغلب . وقد سبق في التاريخ السابق(2) أن بحثنا ذلك وعرضنا الأخبار التي تصرح بأن مقتل النفس الزكية من المحتوم، وغيرها . ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص630وما بعدها (2) انظر ص604وما بعدها إلى عدة صفحات . صفحة (175) ولكننا لم نستطع هناك – بما كان لنا من منهج في الإثبات التاريخي – ان ندفع احتمالاً معيناً ، هو أن تكون النفس الزكية هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) .وحيث ان مقتله قد حصل في العهد العباسي الأول ، فلا ينبغي انتظار حادثة أخرى لمقتل النفس الزكية في مستقبل الدهر . ولكننا نحاول الآن أن نبحث المطلب بشكل جديد ، انطلاقاً من المنهج الذي اتخذناه في هذا التاريخ ، وهو التنزل عن التشدد السندي وقبول الخبر الموثوق، وإن لم تقم القرائن على صدقه من الخارج .وهذه هي نقطة الإختلاف بين المنهجين ، كما أشرنا في أول الكتاب . وينبغي أن نتكلم عن (النفس الزكية) ضمن عدة نواحي : الناحية الأولى : في سرد الأخبار الواردة في هذا الموضوع ، غير ما نقلناه في التاريخ السابق ، إلا القليل الذي نحتاجه فنكرره . روينا في التاريخ السابق(1) عن المفيد في الإرشاد (2) عن أبي جعفر الباقر (ع) والشيخ في الغيبة(3) والصدوق في إكمال الدين(4) عن أبي عبد الله الصادق (ع) بلفظ متقارب – واللفظ للمفيد - : أنه قال : ليس بين قيام القائم (ع) وقتل النفس الزكية ، أكثرمن خمس عشرة ليلة . وقال في الإرشاد (5) : قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع) ... وعد منها : ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام . وأخرج في البحار(6) عن السيد علي بن عبد الحميد بالإسناد إلى أبي بصير عن أبي جعفر (ع) ، في حديث طويل ، يقول فيه : يقول القائم (ع) لأصحابه : يا قوم . إن أهل مكة لا يريدونني ، ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم . ـــــــــــــــــ (1) المصدر ص605. (2) ص339. (3) ص271. (4) انظر المصدر المخطوط . (5) ص336. (6) ج13 ص180. صفحة (176) فيدعو رجلاً من أصحابه ، فيقول له : إمض إلى أهل مكة ! أنا رسول فلان إليكم ، وهو يقول :إنا أهل بيت الرحمة ومعدن الرسالة والخلافة ، ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين . وإنا قد ظلمنا واضطهدنا وقهرنا وابتز منا حقنا ، منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا ،فنحن نستنصركم فانصرونا . فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام ، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام ، وهو النفس الزكية ... الحديث . وأخرج أيضاً(1) عن الكافي بسنده عن يعقوب السراج عن أبي عبد الله (ع) في حديث عن المهدي (ع) يقول فيه: ويستأذن الله في ظهوره :فيطلع على ذلك بعض مواليه .فيأتي الحسني فيخبره الخبر ، فيبتدر الحسني إلى الخروج ، فيشب عليه أهل مكة ، فيقتلونه ، ويبعثون برأسه إلى الشام ، فيظهر عند ذلك صاحب الأمر .. الخبر. وقال الرواندي في الخرايج والجرايج(2): وروي أن النفس الزكية هو غلام من آل محمد اسمه محمد بن الحسن يقتل بلا جرم .فإذا قتل فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد . أقول : وأرسل الصافي في منخب الأثر(3) هذا المعنى ارسال المسلمات . وأخرج الصافي(4) عن غيبة الشيخ بسنده عن سفيان بن ابراهيم الحريري أنه سمع أباه يقول : النفس الزكية غلام من آل محمد ، اسمه محمد بن الحسن ، يقتل بلا جرم ولا ذنب .فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر .فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد .. الحديث . فهذا هو كل ما وجدناه من الأخبار بهذا الصدد . وسنمحصها بعد إعطاء الفهم المتكامل عنها . ـــــــــــــــــ (1) البحار ج13ص178. (2) ص196. (3) انظر ص454. (4) ص455. صفحة (177) الناحية الثانية : في محاولة فهم هذه الأخبار ككل ، على تقدير صحتها وكفايتها للإثبات التاريخي .ويكون فهمنا هذا تتمة – بشكل أو آخر – للفهم العام الذي ذكرناه للسفياني. إن المهدي (ع) مع خاصة أصحابه حين يهربون من وجه جيش السفياني لمبعوث ضدهم .من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة ، يصبح من الواجب على أهل مكة نصرته ، بحسب تكليفهم في نصرة المؤمنين المظلومين ضد الظالمين ممن كان على شاكلة السفياني . ولكن لن يكون لأهل مكة استعداد للنصرة ، اما لأجل اختلاف مذهبهم عن مذهب المهدي (ع) في الإسلام، وإما لأجل خوفهم من سطوة السفياني وسلطته ،وحسبنا أننا سمعنا أن السفياني دخل الحجاز من دون مقاومة عسكرية ، لمدى الرهبة والخوف الذي زرعه في النفوس .ومن هنا يحافظ أهل مكة على مصالحهم الخاصة وينكمشون ضد المهدي (ع) .أعني : بعنوانه المعلن وإن جهلوا حقيقته . ويعلم الإمام المهدي (ع) بعدم استعدادهم لنصرته .فيقول لخاصته : يا قوم ، إن أهل مكة لا يريدونني .ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم ، بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم . ويكون هذا الإحتجاج اتماماً للحجة عليهم ، ومواجهة صريحة لهم بالموقف حتى لا يبقى منهم غافل أو مماطل . ومن هنا يفكر المهدي (ع) بأن يرسل شخصاً من قبله إلى أهل مكة ليقوم بهذا الإحتجاج. فيدعو بعض أصحابه ، وهو من الهاشميين ومن المخلصين الممحصين ، على ما سنعرف في الوجه فيه... ويحمله رسالة شفوية معينة ، ويأمره بأن يخطب بها في المسجد الحرام بين الركن والمقام وقد سمعنا نص الخطبة في الأخبار . وينبغي هنا أن نلاحظ أنه حين يقول : أنا رسول فلان إليكم ... لا دليل على أنه يورد اسم المهدي (ع) بحقيقته ويعرف المخاطبين أنه هو المهدي الموعود ، بل لعله يورد الإسم أو العنوان المعلن اجتماعياً له (ع) في ذلك الحين . وما أن يسمع أهل مكة هذه الخطبة ، حتى يجتمعون عليه ويقتلونه بين الركن والمقام قرب الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام .ولعلهم يقطعون رأسه ويرسلونه إلى السفياني ، ليكون لهم الزلفى لديه . صفحة (178) هكذا تقول إحدى الروايات السابقة ، ولكننا عرفنا أن مركز السفياني يومئذ لن يكون هو الشام بل هو العراق، وإن كان كلا القطرين تحت سيطرته وهذا له عدة توجيهات ، أوضحها : احتمال أن يكون السفياني في ذلك الوقت قد ترك مركزه وسافر إلى الشام لإنجاز بعض المصالح المعينة ، ريثما يعود مرة أخرى . وعلى أي حال ، فإنهم حين يفعلون ذلك ، يكونون قد عصوا العديد من أهم أحكام الإسلام وضروريات الدين .منها : المحافظة على حرمة البيت الحرام الذي اعتبره القرآن الكريم حرماً آمناً .ومنها : قتل النفس المؤمنة بدون جرم وبغير نفس ومنها : رفض نصرة المستنصرين بالحق .فيشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض ، فيأمرالإمام المهدي (ع) بالظهور لأخذ الحق ودحر الظالمين . ويكون رسول المهدي (ع) هذا هو النفس الزكية الموعود قتلها بين الركن والمقام ، وسوف لن يكون بين مقتلها وبين الظهور أكثر من خمس عشرة ليلة . وهذا هو التصور العام الذي تعكسه هذه الأخبار ولتاريخ تلك الفترة .وهو تصور سليم إلى حد كبير.لا يكاد يرد عليه إلا المناقشات القليلة الآتية التي لا تغير من جوهره شيئاً . ومعه لا حاجة إلى الحمل على الرمز ، لما قلناه من أنه يتعين ذلك عند قيام الدليل على بطلان المعنى (الصريح) . إلا أن ارتفاع هذا الفهم إلى مستوى الإثبات التاريخي ، منوط بصحة تلك الأخبار وصلاحيتها للإثبات ، وهذا ما سنبحثه غير بعيد. الناحية الثالثة : في نقد بعض الإعتراضات التي تورد على هذا الفهم العام : الإعتراض الأول : أنه كيف تيسر لرجل واحد أن يخاطب أهل بلدة بكاملها ، بشكل طبيعي غير إعجازي . إلا أن هذا السؤال يحتوي على سذاجة واضحة ، لوضوح كفاية قيام الفرد خطيباً في المسجد الحرام المحتشد بأهل مكة ، مستعملاً الأجهزة الحديثة لبث الصوت وتكبيره .لكي يستطيع الفرد أن يخاطب لأهل مكة جميعاً ، ويبلغ الحاضر منهم الغائب في أقل من ساعة من نهار . وقد يخطر في الذهن أنه من اين للنفس الزكية حصول مثل هذا الجمع ،واستعمال المكبرات . صفحة (179) وجوابه : أننا لم نلاحظ إلى الآن في (النفس الزكية) إلا جهته الخفية وهو أنه من خاصة الإمام المهدي (ع) في أواخر عصر الغيبة . ولم يتيسر لنا ملاحظة الجهة الإجتماعية المعلنة له عادة . إن اختيار المهدي (ع) له لينوب عنه بالتبليغ ، ليس جزافياً ، إلا بعد إحراز النجاح في ذلك ، أعني التبليغ ، وله القابلية الفكرية والإجتماعية المعلنة له دخيلة لا محالة في ترجيح اختياره . فقد يكون هذا الرجل خطيباً معروفاً أو وجيهاً أو له درجة من المسؤولية والسلطة في المجتمع ، ومن الممكن له أن يجمع الناس ويخطب بهم بواسطة اجهزة التكبير . وخاصة إذا عرفنا أنه سيقول قولته والناس لا زالت مجتمعة بعد الحج .فقد وردت روايات سنسمعها تعرب عن أن الظهور سيتم في اليوم العاشر من محرم الحرام ، فإذا استثنينا من ذلك خمس عشرة ليلة ، كان موعد الخطاب النفس الزكية هو اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام . أي بعد انتهاء اعمال الحج بحوالي عشرة أيام. الإعتراض الثاني : أنه كيف أمكن للنفس الزكية أن يطلع على حقيقة الإمام المهدي (ع) خلال عصر غيبته ، ويحمل منه الرسالة إلى أهل مكة .مع أن ذلك متعذر بالنسبة إلى كل أحد، إلى حين حصول الظهور . والجواب الأولي الواضح لذلك، هو ان الإرسال كان من قبل الإمام المهدي (ع) نفسه ، وهو العالم بالمصالح، ويستطيع أن يكشف حقيقته للفرد ، اياً كان ، في حدود ما يعرفه من ملابسات وحقائق . لكننا لو عبرنا عن الإعتراض بتعبير آخر من زاوية ما عرفناه في التاريخ السابق(1) من أن مصلحة الغيبة مقدمة على كل مصلحة ، فكيف جاز للإمام (ع) أن يكشف حقيقته أمام هذا الرجل ، مهما كان صالحاً . يمكن الجواب على ذلك من عدة وجوه نلخصها فيما يلي : الجواب الأول :أن ما عرفناه من تقديم مصلحة الغيبة على كل مصلحة ، وإن كان صحيحاً ،إلا أن السر الأساسي فيه هو : أن كشف الغيبة وارتفاعها مناف مع حفظ المهدي (ع) لليوم الموعود . ومن ثم تكون مصلحة الغيبة هي مصلحة اليوم الموعود . ومصلحة ذلك اليوم مقدمة على كل مصلحة . ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الغيبة ص49. صفحة (180) وهذا البرهان لايرد في واقعة إرسال النفس الزكية ، لأن مصلحة الظهور واليوم الموعود نفسه ، أصبحت متوقفة على انكشاف الغيبة النسبة إلى هذا الشخص ، وتعرفه على حقيقة المهدي (ع) . بغض النظر عن الأجوبة الآتية . فيكون مقتضى تقديم مصلحة .هو هذا الإنكشاف لا الغيبة . الجواب الثاني: أننا قلنا في التاريخ السابق(1) أيضاً :أن كل ناجح نجاحاً تاماً في التمحيص الإلهي ، بحيث يكون مؤهلاً للمشاركة في مهام عصر الظهور ، يكون في إمكانه رؤية المهدي(ع) خلال عصر غيبته ، إذ لا يحتمل أن يكون مورد خطر بالنسبة إليه .وقد دلت كثير من الروايات وعدد من أخبار المشاهدة ، بأن المجتمعين به (ع) في عصر الغيبة متعددون ، ممن يعرف هويته وصفته . وأنه يجمع إليه أنصاره ممن بلغ في التمحيص غايته ، ونجح فيه النجاح المطلوب .وإن في ذلك من المصالح التي تمت إلى ممارسة هؤلاء للقيادة في اليوم الموعود ، ما لا يخفى . ويبدو من سياق الرواية التي تعرب عن إرسال النفس الزكية ،أن هذا الرجل إنما هو من هؤلاء الخاصة الذين يجمعهم المهدي (ع) ويعرفهم بحقيقته ومن هنا لا يكون في إطلاع النفس الزكية على حقيقة الإمام المهدي (ع) أي إشكال . وينبغي أن نلاحظ هنا : أ ن النفس الزكية حتى لو كان مطلعاً على حقيقة المهدي (ع) حين إرساله ، فإنه ليس من الضروري أن يسميه في خطبته . بل قد يذكر العنوان المعلن للمهدي (ع) ويتجنب ذكر الحقيقة بالرغم من معرفته لها ، تبعاً لأمر إمامه وقائده (ع) . الجواب الثالث : أن ننطلق من الزاوية التي تصورنا بها تعرف السفياني ، على تحركات الإمام المهدي (ع) ، وهي اطلاعه عليه بعنوانه المعلن لا بحقيقته . فمن المحتمل ، أن لا يكون (النفس الزكية) مطلعاً على حقيقة الإمام المهدي (ع) الذي أرسله ...بل يذهب لتبليغ الرسالة وهو لا يعلم أكثر من كونها صادرة عن (فلان) الذي يسميه في خطبته .وهذا كاف في إقامة الحجة على الناس . ـــــــــــــــــ (1) ص150 وما بعدها . صفحة (181) كما أنه كاف لتفسير مقتله ، إذ لا دليل على أنهم يقتلونه باعتبار رسالته عن المهدي (ع) بالذات ، بل باعتبار مضمون خطبته ، وقد يكون المهدي بعنوانه العلني مبغوضاً لديهم أيضاً ، فينزعجون من تجاوب (النفس الزكية) معه وقبوله لتحمل رسالته . الإعتراض الثالث : إن هذا التسلسل التاريخي الذي عرفناه في ( الفهم العام) مناف مع ما برهنا عليه من أن شرائط الظهور هي الحكم الفصل في إنجازه عند تحققها ، وهذه الأخبار تدل على أن سبب الظهور هو تهديد السفياني للمهدي (ع) بالقتل ، وقتل النفس الزكية فأيهم نأخذ؟ والجواب : إن كلا الفكرتين صادقتان وكلا السببين سبب صحيح في نفسه ،وليس مقتل النفس الزكية وتهديد المهدي (ع) إلا نتيجة من نتائج شرائط الظهور . فإن التخطيط العام السابق على الظهور ، بما له من خصائص وصفات ، عرفناها في التاريخ السابق ، منتج لعدة نتائج يهمنا الآن منها اثنتان : النتيجة الأولى :وجود العدد الكافي من الأفراد المخلصين الممحصين ، لغزو العالم بالعدل بين يدي المهدي (ع) وهذا هو الشرط الأخير المتبقي من شرائط اليوم الموعود الثلاثة التي عرفناها في التاريخ السابق(1). وبمجرد نجازه يتم الظهور وينجز اليوم الموعود . النتيجة الثانية : تطرف العدد الأكبر من أفراد المسلمين ، فضلاً عن غيرهم ، إلى جانب الإنحراف والضلال ، وأخذهم بالأفكار اللا إسلامية ، وعصيانهم أحكام الإسلام . وكلما ازداد الزمان ، ازدادت نتائج التمحيص تركيزاً ...وحصلت كلتا النتيجتين بشكل أوسع وأوضح . فيتكاثر في أحد الجانبين قوى الحق والإخلاص ، ويتكاثر في الجانب الآخر انحراف المنحرفين وظلم الظالمين ، على مختلف المستويات الإجتماعية . حتى يصبح جانب الإنحراف والفساد في المجتمع عاصياً لأوضح احكام الإسلام ، ومنكراً لضروريات الدين ، ومهدداً لحرمات الشريعة من أجل مصالحه وشهواته ...الأمر الذي ينتج أفظع النتائج لدى احتكاك اجتماعي بين الجانبين . ـــــــــــــــــ (1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص475 وما بعدها إلى عدة صفحات . صفحة (182) ومعه تكون كلتا النتيجتين اللتين سمعناهما من الأخبار ، طبيعية وواضحة . فموقف المهدي (ع) من السفياني سوف لن يكون إلا الشجب والإستنكار ، في حدود المقدار الممكن له حال غيبته ...الأمر الذي يولد رد الفعل لدى السفياني بإرسال الجيش وتهديده بالقتل .وأما موقف النفس الزكية فواضح من خطبته ، وإن هو إلا صورة أخرى من صور الشجب والإستنكار ؟ ، وسيكون رد الفعل هو قتله من داخل بيت الله الحرام . وستكون ردود الفعل هذه متطرفة إلى درجة إهدارها للأحكام الضرورية في الدين ، الأمر الذي يكشف عن تمخض التخطيط والتمحيص الإلهيين عن نتائجهما المطلوبة ....فيكون موعد اليوم الموعود قد تحقق. الإعتراض الرابع :أنه قد يخطر في الذهن :أن المستفاد من سباق الأخبار ، أن سبب الظهور هو إثارة غضب المهدي (ع) من الحادثتين المشار إليهما ، وهذا غيرصحيح ، بعد أن قامت الضرورة القطعية لدى كل مؤمن بالمهدي كونه مذخوراً لإصلاح العالم برمته ،وأنه ممن لا تهمه مصالحه الشخصية على الإطلاق .فكيف يصح أن يكون ظهوره ثأراً لهاتين الحادثتين ؟!!. والجواب على ذلك واضح مما سبق ،وواضح في ضمير كل مؤمن بعد وجود الضرورة القطعية المشار إليها . إن هاتين الحادثتين ستغضبان الله تعالى ، لا المهدي وحده ...بما يستنبطان من إهدار لضروريات الدين . ولكن الظهور سوف لن يكون ثأراً لأي منهما ...فإن مهمة المهدي (ع) الموعود أوسع وأعمق من هذا المجال الضيق ، بالرغم من أهميته .كلما في الأمر أن ظهوره سيكون قريباً منهما زماناً ، باعتبار تحقق شرائط الظهور .وليس لهاتين الحادثتين من صلة بالظهور إلا ما قلناه من الكشف عن تحقق الشرائط ، إلى جانب جعلها علامة عليه في الأخبار ...الأمر الذي ينبه المخلصين الممحصين إلى قرب الظهور . وهذا في واقعه ، يمثل إحدى الفروق الجوهرية بين شرائط الظهور وعلاماته ، تلك الفروق التي أنهيناها في التاريخ السابق(1) إلى سبعة . الناحية الرابعة : في محاولة تمحيص تلك الأخبار التي ذكرناها في الناحية الأولى ، من حيث قابليتها للإثبات التاريخي وعدمه . وفي هذا الصدد نواجه عدة نقاط : النقطة الأولى : أنها روايات قليلة وغير مستفيضة ، بخلاف ما جاء في السفياني أو الدجال، فإنه كثير، منها ما ذكرناه ومنها ما تركناه . ـــــــــــــــــ (1) انظر ص470 وما بعدها إلى عدة صفحات صفحة (183) إلا أن هذه النقطة غير مضرة ، تمشياً مع ميزان الإثبات التاريخي الذي سرنا عليه ...لو كانت الروايات متفقة في المضمون . أو كان بعضها موثوقاً سنداً ... ولم نكن نتوخى في الإثبات حصول الإستفاضة في الأخبار . وقد يخطر في الذهن : أن أخبار (النفس الزكية) الموعودة ، كثيرة العدد ، ومستفيضة ،كما هو معلوم لمن استعرضها ..وليست قليلة كما قلناه. والحق ،أننا إذا نظرنا إلى مجموع أخبار (النفس الزكية) بما فيها من الأخبار الدالة على أن مقتل النفس الزكية من المحتوم وأنه من علامات القائم ، كانت الأخبار مستفيضة حتماً . إلا أن هذا المجموع ، لا يثبت إلا مقتل النفس الزكية إجمالاً ، وهذا لا يفيدنا في صدد كلامنا الحاضر ، لإحتمال انطباقها على محمد بن عبد الله الحسني الملقب بالنفس الزكية .وأما الأخبار التي تتحدث عن التفاصيل، والتي توضح أن هناك شخصاً آخر بهذا اللقب سوف يقتل في المستقبل ، وهي ما سمعناه في أول الفصل، فليس مستفيضاً ،وإن لم يكن عدم الإستفاضة مضراً ، كما أشرنا . النقطة الثانية :إن في هذه الأخبار عدداً من جوانب الضعف : الجانب الأول : ما كان رواية عن غير المعصوم ، كالخبر الذي نقله الشيخ عن سفيان أبن ابراهيم الحريري عن أبيه ... وكلام الصافي في منتخب الأخبار . الجانب الثاني : ما كان مرسلاً ، بدون ذكر أي راوٍ على الإطلاق ، كخبر الإرشاد ، وخبر الخرايج والجرايح. الجانب الثالث : ما كان مرفوعاً مع وجود جزء من السند ، أعني بعض الرواة وجهالة الباقي .وهو رواية البحار المتضمنة لخطبة النفس الزكية ... حيث رواها المجلسي عن السيد علي بن عبد الحميد بإسناده إلى أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام . الجانب الرابع : ما كان قاصراً في دلالته أساساً على ما فهمناه .مثل خبر الإرشاد الذي يذكر من العلامات : ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام .فإنه لا يتعين أن يكون هو النفس الزكية .المسمى بمحمد بن الحسن في الأخبار الأخرى ،وإن كان المظنون هو ذلك ، لإستبعاد أن يقتل قبل الظهور بين الركن والمقام شخصان ...مع قدسية بيت الله الحرام لدى المسلمين ووضوح حرمته . صفحة (184) وكذلك الخبر الثاني للبحار . فإنه يصرح باسم النفس الزكية ، وإنما قال : فيبتدر الحسني إلى الخروج ، وهو أيضاً غير متعين الإنطباق عليه . الجانب الخامس: وجود التعارض في دلالات بعض هذه الأخبار. فلو حاولنا أن نعرف أن النفس الزكية هل هو مرسل من قبل المهدي (ع) أو لا ؟ نجد أن الخبر المطول الذي نقلناه عن البحار .يصرح بالإيجاب .ونجد الخبر الثاني ينفيه بقوله : فيبتدر الحسني للخروج .وهو واضح في عدم استئذانه من المهدي (ع) فضلاً عن تحمل الرسالة عنه – مع افتراض أنه هو النفس الزكية والغض عما سبق – . النقطة الثالثة : وفي هذه الأخبار بعض جوانب القوة ، وإن لم تكن تعدل جميع جوانب الضغف السابقة . الجانب الأول : إن الخبر القائل: ليس بين القائم وبين قتل النفس الزكية إلا خمس عشرة ليلة ، خبر موثوق قابل للإثبات التاريخي ، بحسب منهج هذا الكتاب . فقد رواه الشيخ المفيد في الإرشاد(1) عن ثعلبة بن ميمون عن شعيب الحداد عن صالح بن ميثم (الجمال) ، قال: سمعت أبا جعغر عليه السلام : وكل هؤلاء الرجال موثقون أجلاء .وكان بودي أن أشير إلى تصريحات العلماء لولا أنه يطول به المقام ، فنوكله إلى القارىء الباحث . ورواه الشيخ الطيوسي في الغيبة(2) عن الفضل بن شاذان عن الحسن بن علي بن فضال عن ثعلبة إلى آخر السند .وكلاهما من العلماء الثقات. وعليه ، فما ذكرناه في التاريخ السابق(3) من المناقشة في سند هذا الحديث مبني على التشدد السندي الذي التزمناه هناك ... وقد رفعنا اليد عن الإلتزام به هنا . الجانب الثاني : أن الخبر الثاني الذي نقله عن البحار موثوق أيضاً .فقد نقله (4) عن الكافي لثقة الإسلام الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن يعقوب السراج عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام ،وكلهم ثقات أجلاء . ـــــــــــــــــ (1) ص339. (2)ص271. (3) ص613. (4) ص178. صفحة (185) الجانب الثالث : أننا يمكن أن نستفيد من مجموع هذه الأخبار، ومن كلمات من سمعنا تصريحاتهم كالراوندي والصافي وابراهيم الحريري ، الذين اعتبروا الأمر في عداد المسلمات . فنستفيد وجود التسالم أو الشهرة الواسعة على ان مقتل النفس الزكية يكون قبل الظهور بقليل بين الركن والمقام .وأنه غير مقتل الثائر الحسني الملقب بهذا اللقب . غير أن هذا الجانب لا يخلو من المناقشة : أولاً : لأنه لم يثبت وجود شهرة وتسالم أوسع من الأخبار الموجودة لتكون قرينة عليها .وكلمات الراواندي والصافي وغيرهما قد تكون اعتماداً على هذه الأخبار فقط. ثانياً إن الشهرة – لو ثبتت- تدفع احتمال انطباق مقتل النفس الزكية على الثائر الحسني السابق .إلا أنها لا تثبت كل الخصائص المطلوبة ، ككونه رسول المهدي (ع) إلى الناس وخطبته فيهم ، ويكون سبب مقتله بين الركن والمقام مجهولاً . غير ان الأخذ بهذا الجانب الثالث قريب من النفس ، وإن لم يصل إلى درجات الإثبات التاريخي . فهذه هي النخبة من الحوادث الإجتماعية المروية ، لما قبل الظهور ، وهناك أمور متفرقة مروية أيضاً أعرضنا عنها ، لقصورها عن الإثبات التاريخي فيكون الدخول في تفاصيليها تطويلاً بلا طائل . كما أن هناك تفاصيل في تحديد الوضع العالمي قبل الظهور ، مما يمت إلى إيجاد الظرف المناسب للنصر بعد الظهور بصلة .وهي تفاصيل مهمة ، سنعرض إلى محتملاتها والإستدلال عليها في القسم الثاني الآتي عند عرض ضمانات النصر للمهدي عليه السلام . صفحة (186) القسم الثالث العالم بعد المهدي (ع) وهو ينقسم إلى بابين : الباب الأول قيادة ما بعد المهدي (ع) من حيث خصائص الدولة والمجتمع ونتكلم عن ذلك في فصل واحد ذو عدة عناوين داخلية : قيادة ما بعد المهدي وأعني به نوعية الحاكم الأعلى الذي يتولى رئاسة الدولة العالمية العادلة بعده. ونوجه بهذا الصدد أطروحتين رئيسيتين: الأطروحة الأولى : القول بالرجعة ، أي الإلتزام برجوع الأئمة المعصومين إلى الدنيا ليمارسوا الحكم بعد المهدي. الأطروحة الثانية : حكم الأولياء الصالحين بعد المهدي (ع) . وقد ورد في إثبات كل من الأطروحتين عدد من الأخبار، لا بد من سماع المهم منها ، وعرضها على القواعد والقرائن العامة ، لنختار في النهاية إحدى الأطروحتين . القول بالرجعة: حين ننظر إلى المفهوم على سعته ، يحتمل أن يكون له أحد عدة معان : المعنى الأول: ظهور المهدي نفسه ،فإنه قد يصطلح عليه بالرجعة ، باعتبار رجوعه إلى الناس بعد الغيبة ،أو باعتبار رجوع العالم إلى الحق والعدل بعد الإنحراف . وهذا المعنى حق صحيح ، إلا أن اصطلاح الرجعة عليه غير صحيح ، لأنه يوهم المعاني الاخرى الآتية التي هي محل الجدل والنقاش ،ونحن في غنى عن هذا الإصطلاح بعد إمكان التعبير عن ظهور المهدي بمختلف التعابير ،وقد مشينا في هذا الكتاب على تسميته ( بالظهور). المعنى الثاني : رجوع بعض الأموات إلى الدنيا ، وإن لم يكونوا من الأئمة المعصومين .وخاصة من محض الإيمان محضاً ومن محض الكفر محضاً. المعنى الثالث : رجوع بعض الأئمة المعصومين (ع) كأمير المؤمنين علي والحسين ،وربما قيل برجوع النبي أيضاً .وهو يرجعون على شكل يختلف عن حال وجودهم الأول في الدنيا من حيث الترتيب ومن حيث الفترة الزمنية أيضاً . المعنى الرابع :رجوع كل الأئمة (ع) بشكل عكسي ، ضد الترتيب الذي كانوا عليه في الدنيا ، فبعد المهدي يظهر أبوه الإمام الحسن العسكري وبعده يظهر أبوه الإمام علي الهادي وهكذا . ويمارسون الحكم في الدنيا ما شاء الله تعالى حتى إذا وصل الحكم إلى أمير المؤمنين كان هو دابة الأرض ، وكانت نهاية البشرية بعد موته بأربعين يوماً. والمعنيان الأخيران، قائمان على الفهم الإمامي للإسلام كما هو واضح .كما أن المعاني الثلاثة الأخيرة التي وقعت محل الجدل والنقاش في الفكر الإسلامي. وينبغي لنا أولاً :أن نسرد الأخبار الدالة على ذلك ،ونحن نختار نماذج مهمة ولا نقصد الإستيعاب . أخرج المجلسي في البحار(1) بالإسناد عن محمد بن مسلم قال: سمعت حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدثان جميعاً – قبل أن يحدث أبو الخطاب ما أحدث- أنهما سمعا أبا عبد الله (ع) يقول: أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي .وإن الرجعة ليست بعامة ،وهي خاصة ، لا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً. وبهذا الإسناد عن بكر بن أعين ، قال: قال لي من لا أشك فيه ، يعني أبا جعفر(ع) : أن رسول الله (ص) وعلياً سيرجعان. " ويوم نحشر من كل أمة فوجاَ" فقال : ليس أحداً من المؤمنين قتل إلا وسيرجع حتى يموت ،ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل . ـــــــــــــــــ (1) البحار :ج13 ص210 وكذلك الأخبار الثلاثة التي بعده. وفي رواية أخرى عنه (ع) يقول فيها: فلم يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا ردهم جميعاً إلى الدنيا حتى يقاتلوا بين يدي على بن ابي طالب أمير المؤمني(ع). وفي رواية أخرى(1) عن حمران عن أبي جعفر ، قال: إن أول من يرجع لجاركم الحسين (ع) ، فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه من الكبر. وعن أبي بصير(2) عن أبي عبدالله (ع) ، قال: انتهى رسول الله (ص) إلى أمير المؤمنين (ع) وهو نائم في المسجد، وقد جمع رملاً ووضع رأسه عليه. فحركه برجله ثم قال : قم يادابة الله . فقال رجل من أصحابه : يارسول الله ، أنسمي بعضنا بعضاً بهذا الإسم ؟ فقال : لا والله ما هو إلا له خاصة ،وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه :" وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ،أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون"(3) ثم قال : ياعلي ، إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعدائك ...إلى أن قال :فقال الرجل لأبي عبد الله (ع) : إن العامة تزعم أن قوله :" ويوم نحشر من كل أمة فوجاً "(4) عنى في القيامة، فقال أبو عبد الله(ع) فيحشر الله يوم القيامة من كل أمة فوجاً ويدع الباقين؟ لا . ولكنه في الرجعة ، وأما آية القيامة "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً "(5). وعن(6) الحسن بن الجهم ، قال: قال المأمون للرضا (ع) : يا أبا الحسن ما تقول في الرجعة ؟ فقال: إنها الحق ، قد كانت في الأمم السالفة ونطق بها القرآن . ـــــــــــــــــ (1) المصدر : ص211. (2) المصدر ص213. (3) 27/82. (4) 27/83. (5) 18/47. (6) البحار13ص214. وقد قال: رسول الله (ص) : يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذوا النعل بالنعل والقذة بالقذة. وقال (ع) إذا خرج المهدي من ولدي ، نزل عيسى بن مريم فصلى خلفه . وقال (ع) :إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ، فطوبى للغرباء . قيل : يارسول الله . ثم يكون ماذا ؟ قال: ثم يرجع الحق إلى أهله. وعن(1) عبد الله بن سنان ، قال: قال أبو عبد الله (ع) قال رسول الله (ص) : لقد أسري بي ربي عز وجل ، فأوحى إلي من وراء حجاب ما أوحى وكلمني ما كلم به ،وكان مما كلمني به... يامحمد ، عليّ آخر من أقبض روحه من الأئمة (ع) وهو الدابة التي تكلمهم..... الخبر. وفي البحار أيضاً(2) عن الإرشاد : روى عبد الكريم الخثعمي عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا آن قيام القائم مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب ، لم تر الخلائق مثله .فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم ،وكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ، ينفضون شعورهم من التراب . وقال المجلسي بعد سرده للأخبار: اعلم يا أخي أني لا أظنك ترتاب بعد ما مهدت و أوضحت لك في القول بالرجعة التي اجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار .... وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار فيما تواتر عنهم من مأتي حديث صريح ، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام ، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم ، ثم عدهم المجلسي واحداً واحداً. وهذا الكلام من المجلسي يواجه عدة مناقشات: المناقشة الأولى: أن إجماع الشيعة وضرورة المذاهب عندهم ، لن تثبت على الإطلاق ، بل المسألة عندهم محل الخلاف والكلام على طول الخط . والمتورعون منهم يقولون: أن الرجعة ليست من أصول الدين ولا من فروعه ولا يجب الإعتقاد بشيء بل يكفي إيكال علمها إلى أهله. فهل في هذا الكلام - وهو الأكثر شيوعاً – اعتراف بالرجعة. ـــــــــــــــــ (1) المصدر : ص217. (2) المصدر : ص223. وإنما اعتراف من اعترف بالرجعة وأخذ بها ، نتيجة لهذه الأخبار التي ادعى المجلسي تواترها ، إذاً ، فالرأي العام المتخذ حولها – ولا أقول الإجماع – ناتج من هذه الأخبار، ولا يمكن أن تزيد قيمة الفرع على الأصل. المناقشة الثانية: أنه من الواضح أن مجرد نقل لرواية لا يعني الإلتزام بمضمونها والتصديق بصحتها ، من قبل الناقل أو الراوي .إذاً فهؤلاء الأربعون الناقلون لهذه الروايات لا يمكن أن نعدهم من المعترفين بالرجعة. المناقشة الثالثة: أن هؤلاء الرواة الإثنين والأربعون الذين عددهم المجلسي لم يجتمعوا في جيل واحد. فلو رويت أخبار الرجعة من قبل أربعين شخصاً في كل جيل حتى يتصل بزمن المعصومين (ع) ،لكانت أخبار الرجعة متواترة .ولكن يبدو من كلام المجلسي نفسه ،وهو أوسع الناس إطلاعاً في عصره ، أن مجموع الناقلين لأخبار الرجعة من المؤلفين في كل الأجيال الإسلامية إلى حين عصره لا يعدو النيف والأربعين راوياً .فلو أخذنا المعدل وهو عملية لا مبرر لها الآن ، لرأينا أنه يعود إلى كل جيل حوالي أحد عشر مؤلفاً، لأن المجلسي عاش في القرن الحادي عشر الهجري ،وهو عدد لا يكفي للتواتر . المناقشة الرابعة : إن عدد المؤلفات التي ذكرها المجلسي ، لا تثبت عن مؤلفيها ، أو لم تصلنا عنهم بطريق صحيح مضبوط ،أو أن روايته عن مؤلفه ضعيفة أساساً .كتفسير علي بن ابراهيم ،وكتب أخرى لا حاجة إلى تعدادها. المناقشة الخامسة : إن الروايات التي نقلها هؤلاء ، ليست كلها صريحة وواضحة ، وسنعرف عما قليل أنها مشوشة قد لا تدل على الرجعة أصلاً وقد تدل على الرجعة بالمعنى العام المشترك بين الإحتمالات الثلاثة السابقة ،وقد تدل على واحد منها بعينه وتنفي الإحتمالات الأخرى .وهكذا. إذاً فالتواتر المدعى ليس له مدلول معين ، ومعنى ذلك: أن الأخبار لم تتواتر على مدلول بعينه. وسنحاول إيضاح هذه النقطة أكثر. ومعه، فكلام المجلسي يحتوي على شيء من المبالغة في الإثبات على أقل تقدير وأما مناقشات مداليل الأخبار، فنشير إلى المهم منها: المناقشة الأولى : عدم اتحاد الأخبار بالمضمون . فإن مداليلها مختلفة اختلافاً شديداً . حتى لا يكاد يشترك خبران على مدلول واحد تقريباً . والمداليل التي تعرب عنها الأخبار عديدة : المدلول الأول: رجوع من محض الإيمان محضاً ورجوع من محض الكفر محضاً. المدلول الثاني: رجوع كل مؤمن على الإطلاق .لأنه إن كان قد مات فهو يرجع ليقتل ،وإن كان قد قتل فيرجع ليموت. المدلول الثالث : رجوع الأنبياء جميعاً. المدلول الرابع : رجوع رسول الله (ص) . المدلول الخامس: رجوع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. المدلول السادس : رجوع الحسين بن علي (ع). المدلول السابع: رجوع جماعة من كل أمة. المدلول الثامن: رجوع عدد من المؤمنين في الجملة. المدلول التاسع : رجوع بعض الأئمة المعصومين (ع) إجمالاً. المدلول العاشر: رجوع الحق إلى أهله ،وهو ليس قولاً بالرجعة كما عرفنا. وليس شيء من هذه المداليل متواتر في الأخبار بكل تأكيد . نعم، هناك مدلول مشترك إجمالي بين الأخبار الدالة على المداليل التسعة الأولى . وهو رجوع بعض الأموات إجمالاً إلى الدنيا قبل يوم القيامة.وهو ما تتسالم عليه كثير من الأخبار . ومن هنا يكون قابلاً للإثبات ، إلا أنه لا ينفع القائلين بالرجعة ، على ما سنقول. المناقشة الثانية : إن الإلتزام بصحة المداليل التسعة جميعاً ، أي القول بصحة الرجعة على إطلاقها ،مما لا يمكن ، لضعف الأخبار الدالة على كثير منها .وأما الإلتزام بها إجمالاً ، بالمعنى الذي أشرنا إليه، فهو لا ينفع القائلين بالرجعة ، لأن القول بالرجعة من الناحية الرسمية يتضمن أحد المعاني الثلاثة التي ذكرناها في أول الفصل . وهذا المعنى الإجمالي لا يعني واحداً منها . بل ينسجم مع افتراضات أخرى كما هو واضح . فهي لا تتعين في حدوثها بعد وفاة المهدي (ع) مباشرة ، ولا أنها على نطاق واسع. ولا تتعين في أحد المعصومين (ع) ولا من محض الإيمان محضاً ،ولا غير ذلك. نعم، هناك مداليل تتكرر في الأخبار ،واوضحها رجوع الإمام أمير المؤمنين (ع) بصفته دابة الأرض التي نص عليها القرآن االكريم .إن هذه المداليل لا ترد عليها هذه المناقشة ، وهي قابلة للإثبات من زاويتها. المناقشة الثالثة : إن القول بالرجعة يتخذ سمة عقائدية ، فإنه على تقدير صحته يعتبر أحد العقائد – وإن لم يكن من أصولها ـ وليس هو من الفروع والتشريعات على أي حال . وقد نص علماء الإسلام بأن العقائد لا تثبت بخبر الواحد وإن كان صحيحاً ومتعدداً ،ما لم يبلغ حد التواتر، وقد علمنا أن الأخبار في المداليل التسعة والمعاني الثلاثة غير متواترة ، فلا تكون الأخبار قابلة لإثبات أي منها حتى لو كان المضمون متكرراً في الأخبار ، ما لم يصل إلى حد التواتر. وأما المضمون الإجمالي المتواتر ، فقد عرفنا أنه لا ينفع القائلين بالرجعة ،وسنزيد هذا إيضاحاً. المناقشة الرابعة : إن المعنى الأخير من المعاني الأربعة التي ذكرناها أولاً ، وهو رجوع الأئمة المعصومين (ع) بشكل عكسي، لعله من أكثر أشكال الرجعة تقليدية ورسوخاً في الأذهان المعتقدة بها .وقد وجدنا أنه ليس هناك ما يدل عليها على الإطلاق ولا خبر واحد ضعيف بل ليس هناك أي خبر يدل على رجوع جميع الأئمة المعصومين على التعيين ،ولو بشكل مشوش، إلا بحسب إطلاقات أعم منها بكثير ، ككونهم ممن محض الإيمان محضاً. بل أن هناك ما يدل على نفي هذا المعنى التقليدي ، كقوله في الخبر: أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي .... فإنه لو صح ذلك لكان أول من يرجع هو الإمام الحسن العسكري (ع) وليس الحسين (ع). وأما دلالة القرآن الكريم على الرجعة : فإما أن نفهمه على ضوء الأخبار المفسرة له ، وإما أن نفهمه مستقلاً. أما فهمه على ضوء الأخبار ،وهو باستقلاله غير ظاهر بذلك المعنى ، فهذا لا يعدو قيمة الخبر الدال على هذا الفهم ،ويواجه نفس الإشكالات التي واجهناها في الأخبار .ومن ثم يكون من اللازم الإستقلال في فهم الآيات. وإذا نظرنا إلى الآيات المذكورة للرجعة ،وجدنا لكل منها معنى مستقلاً لا يمت إلى الرجعة بصلة ، حتى بذلك المعنى الإجمالي العام، أي أنها لا تدل على إحياء بعض الموتى قبل يوم القيامة ،ولا أقل من احتمال ذلك المسقط لها عن الإستدلال عن الرجعة. وقد استدل البعض بأكثر من ثلاثين آية في هذا الصدد ،وهو تطرف ومبالغة في الإستدلال بكل تأكيد ،وإنما نود أن نشيرهنا إلى ثلاث لآيات فقط تعتبر هي الأهم بهذا الصدد ، لنرى مقدار دلالتها على الرجعة: الآية الأولى : قوله تعالى: " قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ، فاعترفنا بذنوبنا ، فهل إلى خروج من سبيل "(1). وطريقة فهم الرجعة منها :أن الآية تشير إلى حياتين وموتين للناس .ونحن لا نعرف إلا حياة واحداً وموتاً واحد، فأين الثاني منهما؟ وجوابه :إن ذلك إنما يكون في الرجعة فإنها تتضمن حياة ثانية وموتاً بعدها ، فإذا أضفناها إلى الحياة المعاصرة والموت الذي يليها ، كان المجموع اثنين اثنين. غير ان هذا الفهم إنما يكون صحيحاً بأحد أسلوبين: الأسلوب الأول: أن تصح الأخبار الدالة عليه .وقد عرفنا مناقاشاتها. الأسلوب الثاني : أن يكون فهماً منحصراً ، بحيث لا يوجد مثله أو أظهر منه في سياق الآية، فإن وجد ذلك ، لم يكن الإعتماد على هذا الفهم. وهذه الآية تتضمن معاني محتملة غير الرجعة. المعنى الأول: أن يكون الموت يشير إلى ما قبل الميلاد ، حال وجود النطفة مثلاً. وأن تكون الحياة الثانية هي الحياة في يوم القيامة.فإذا أضفناها إلى الحياة والموت المعهودين كانا كما قالت الآية الكريمة. المعنى الثاني: أن يكون المشار إليه. هو حياة وموت آخر يكون في عالم البرزخ أي ان الميت يحيى بعد موته إلى عهد قريب من يوم القامة. ثم يموت بنفخة الصور الأولى حين يصعق من في السموات والأرض، وأما الأحياء ليوم القيامة فهو زمن التكلم وكأنه غير داخل في الحساب . ـــــــــــــــــ (1) 40/11 إلى معاني أخرى محتملة ، ولعل أكثرها ظهوراً هو المعنى الأول ، دون معنى الرجعة والمعاني الأخرى .فلا تكون الآية دالة على الرجعة بحال. ولعل أوضح ما يقرب المعنى الأول الرجعة ، هو أن المعنى الأول عام لكل الناس ، والرجعة خاصة ببعضهم، وظهور الاية هو العموم. الآية الثانية : قوله تعالى : "ويوم نحشر من كل امة فوجاً"(1). وقد أشار أحد الأخبار التي سمعناها إلى طريقة فهم الرجعة من هذه الآية .أن الله تعالى يحشر في يوم القيامة الناس جميعاً ، لا أنه يحشر بعضاً ويدع بعضاً : وهو المشار إليه في قوله تعالى " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً"، إذاً فهي لا تشير إلى حشر يوم القيامة،وإنما تشير إلى حشر آخر هو الحشر في الرجعة. وإنما سمي حشراً باعتبار أنه يتضمن الحياة بعد الموت لجماعات كثيرة ، مشابهاً من هذه الجهة لحشر يوم القيامة . ونحن إذا نظرنا إلى الآية الكريمة باستقلالها ، لن نجدها دالة على الرجعة بحال ولا اقل من احتمال معنى آخر بديل لمعنى الرجعة ، لا تكون الآية دالة عليه أقل من دلالتها على معنى الرجعة. وهذا المعنى هو الحشر التدريجي .فإن الحشر والحساب في يوم القيامة له أحد أسلوبين محتملين: الأسلوب الأول: الحشر الدفعي او المجموعي. بمعنى أن يحشر الناس كلهم من أول البشرية إلى آخرها سوية، ويحاسبون على أعمالهم. وهذا هو المركوز في الأذهان عادة ، غير أنه ليس في القرآن ما يدل عليه ، وترد عليه بعض المناقشات لسنا الآن في صددها. الأسلوب الثاني : الحشر التدريجي ، جيلاً بعد جيل أو ديناً بعد، أو مجموعة بعدد معين بعد مجموعة وهكذا. وحتى يتم حساب الدفعة الأولى تحشر الدفعة الثانية وهكذا. ـــــــــــــــــ (1) 27 /83 فقد تكون الآية التي نحن بصددها دالة على هذا الأسلوب من الحشر. حيث يقول :" ويوم نحشر من كل أمة فوجاً " . لأن حشر الجيل الواحد يتضمن أن يعود إلى الحياة جماعة من كل مذهب ودين :" من كل أمة" كما كان عليه الحال في الدنيا .وهو لا يريد إهمال الآخرين ، بل هو يشير إلى دفعة واحدة من الحشر التدريجي ،وأما الدفعات الأخرى فيأتي دورها تباعاً .ولن تكون مهملة بدليل قوله تعالى :"وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " أي أن الحشر التدريجي سيستوعب في النتيجة كل البشرية من أولها إلى آخرها . إذا ، فكلتا الآيتين تشير إلى يوم القيامة ،ولا تمت إلى الرجعة بصلة ،ولا أقل من احتمال ذلك بحيث تكون دلالتها على الرجعة غير ظاهرة. الآية الثالثة : " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون"(1) وطريقة دلالتها على الرجعة بأحد أسلوبين : الأسلوب الأول : أن حادثة خروج دابة الأرض تكون عند الرجعة ، فهي تخرج مع الراجعين لتقوم بوظيفتها بينهم . إلا أن هذا الأسلوب غير صحيح بكل وضوح ، لأن الآية لا تشير إلا إلى خروج دابة الأرض ، وأما أنها تخرج في جيل طبيعي في جيل الرجعة ، فهذا ما لا تشير إليه الآية إليه بحال. الأسلوب الثاني : أنها تشير إلى رجعة دابة الأرض نفسها أعني حياتها بعد الموت ، فهي تشير إلى رجعة شخص واحد لا أكثر. وإذا أمكن ذلك في شخص أمكن في عديدين . وهذا يتوقف على أن نفهم من"دابة الأرض" أنه إنسان سبق له أن عاش في هذه الحياة .وفي الآية قرينة على بشرية هذه الدابة وهي قوله : "تكلمهم" فإن الكلام يكون من البشر دون غيره .ويتوقف على أن نفهم من قوله "أخرجنا " معنى ؛ : أرجعنا إلى الحياة بعد الموت ، لا أن هذا الإنسان يولد في حينه . ـــــــــــــــــ (1) 27 / 82 وقد يجعل قوله تعالى : " إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون" ، دليلاً على ذلك ، لأن الآية إنما تكون بالرجوع بعد الموت ،وأما لو كان يولد في زمانه ، لما حدثت الآية ،وقد قامت الأخبار التي سمعنا طرفاً منها ، بتعيين هذا الإنسان بالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). والإنصاف أن فكرة الأسلوب الثاني هي المستفادة من الآية الكريمة . فدابة الأرض هو إنسان بعينه ، وقوله أخرجنا دال على الإيجاد غير الطبيعي لا على مجرد الولادة . إذاً، فالآية الكريمة دالة على رجعة هذا الإنسان. غير أنها لا تدل على أي معنى آخر للرجعة ، لا العام ولا الخاص ،ومن المحتمل بل المؤكد أن هناك مصلحة في حكمة الله تعالى لرجوع دابة الأرض ، لا تتوفر في أي بشري آخر ،ومعه لا يمكن القول بالتعميم منه إلى رجعة أي شخص آخر. ومجرد الإمكان في قدرة الله عز وجل ، وهو مما لا شك فيه ، لا يدل على الوقوع الفعلي. وإذا وصلنا إلى هذه النتيجة ،استطعنا أن نستنتج نتيجة أخرى مهمة ، هي التوحيد بين مدلول القرآن ومدلول الأخبار .فإنناعرفنا أن الأخبار لا يمكنها أن تثبت إلا المعنى الإجمالي الذي تواترت الأخبار عليه ،وهو رجوع بعض الأموات إلى الحياة قبل يوم القيامة، بشكل يناسب أن يكون هذا الراجع واحداً لا أكثر .وهذا صالح للإنطباق على ما دل عليه القرآن الكريم من رجعة دابة الأرض .فإن هذا المعنى الإجمالي لم يثبت انطباقه بدليل كاف إلا على دابة الأرض فيتعين فيه ، بعد ضم الدليلين إلى بعضهما. ومعه في الإمكان القول: إن المقدار الثابت في السنة الشريفة ، ليس أكثر مما دل عليه القرآن الكريم .كما أن ما دل عليه القرآن الكريم هو بعينه ما ثبت في السنة. ومعه ، فلم يثبت أي معنى من معاني الرجعة ولا احتمالاتها السابقة ،وإنما لا بدلنا كمسلمين ،أن نتعبد بخروج دابة الأرض التي نطق بها القرآن الكريم .وفي الإمكان أن نسمي ذلك بالرجعة إلا أنه على خلاف اصطلاحهم. فهذا هو نبذة الكلام حول الرجعة. حكم الأولياء الصالحين: أخرج الشيخ في الغيبة(1) بسنده عن ابي حمزة عن أبي عبد الله (ع) – في حديث طويل- أنه قال : يا أبا حمزة ، إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً. ـــــــــــــــــ (1) ص285 وأخرج أيضاً(1) بإسناده إلى جابر الجعفي ، قال: سمعت أبا جعفر(ع) يقول: والله ليملكن منا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة .قلت: متى يكون ذلك؟ قال: بعد القائم . قلت:وكم يبقى القائم في عالمه .قال:تسع عشر سنة .ثم يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين(ع) ودماء أصحابه ، فيقتل ويسبي ، حتى يخرج السفاح. وأخرجه النعماني في الغيبة(2) إلى قوله: تسع عشر سنة ،إلا أنه قال : ثلاثمئة سنة ويزداد تسعاً. وأخرج في البحار(3) نقلاً عن غيبة الشيخ عن أبي عبد الله الصادق (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين(ع) ، قال: قال رسول الله (ص) في الليلة التي كانت فيها وفاته ، لعلي : يا أبا الحسن ، أحضر صحيفة ودواة .فأملى رسول الله (ص) وصيته حتى انتهى (إلى) هذا الموضع .فقال : يا علي: ،إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً ومن بعدهم اثني عشر مهدياً .فأنت يا علي أول الإثنا عشر إمام ... وساق الحديث ، إلى أن قال : وليسلمها الحسن (يعني الإمام العسكري (ع) إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم. فذلك اثني عشر إماماً. ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً. فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المهديين (المقربين: نسخة الغيبة). له ثلاثة أسامي:اسم كإسمي واسم أبي، وهو عبد الله ،وأحمد، والإسم الثالث: المهدي . وهو أول المؤمنين . وفي عدد من الأدعية الواردة في المصادر الإمامية الدعاء لهؤلاء الأولياء الصالحين (ع) بعد الدعاء للمهدي (ع) والسلام عليه . ـــــــــــــــــ (1) ص286. (2) ص181. (3) ج13 ص237 وانظر غيبة الشيخ. صفحة (640) وفي بعض الأدعية المكرسة للدعاء للمهدي (ع) والثناء عايه ، يقول في آخره : اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده وزد في آجالهم ،وأعز نصرهم وتمم لهم ما اسندت إليهم من أمرك وثبت دعائمهم ، واجعلنا لهم أعواناً وعلى دينك أنصاراً ... الخ الدعاء(1) . وفي دعاء آخر يذكر فيه المهدي (ع) ويثني عليه طويلاً، ويقال في آخره: اللهم صل على وليك وولاة عهدك والأئمة من ولده ومد في اعمارهم وزد في آجالهم وبلغهم اقصى آمالهم ديناً ودنيا وآخرة .إنك على كل شيء قدير(2) . إلى غير ذلك من الادعية. هذا، وقد حاول المجلسي في البحار(3) أن يرفع التنافي بين هذه الأخبار من حيث كونها دالة على إيكال الرئاسة العليا بعد المهدي (ع) إلى غير الأئمة المعصومين عليهم السلام ،وبين القول بالرجعة الذي يقول: بإيكال الرئاسة إلى الأئمة المعصومين أنفسهم .حيث قال: هذه الأخبار مخافة للمشهور – يعني القول بالرجعة. وطريق التأويل أحد وجهين: الأول:أن يكون المراد بالإثني عشر مهدياً: النبي وسائر الأئمة سوى القائم (ع)، بأن يكون ملكهم بعد القائم.... والثاني : أن يكون هؤلاء المهدويون من أحباء القائم هادين للخلق في زمن سائر الأئمة الذين رجعوا ، لئلا يخلو الزمان من حجة . وإن كان أوصياء الأنبياء الأئمة حججاً أيضاً .والله تعالى أعلم. وقال الطبرسي في أعلام الورى(4):وجاءت الرواية الصحيحة بأنه ليس بعد دولة القائم دولة لأحد ، إلا ما روي من قيام ولده إن شاء الله ذلك ،ولم ترد في الرواية على القطع والثبات .وأكثر الروايات أنه لن يمضي – يعني المهدي القائم (ع) – من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوماً ، يكون فيها الهرج. ـــــــــــــــــ (1) مفاتيح الجنان المعرب ص542. (2) المصدر ص53. (3) ج13 ص237. (4) ص435. صفحة (641) هذا ما قالته المصادر الإمامية ،ولم نجد لدولة ما بعد المهدي في المصادر العامة أي أثر. ونود أن نعلق أولاً على كلام المجلسي : انه يعترف سلفاً أن كلا الوجهين نحو من أنحاء التأويل ،والتأويل دائماً خلاف الظاهر ، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة ،ولا يكفي مجرد الإمكان أو الإحتمال لإثباته. وعلى أي حال ، فالوجه الأول حاول فيه المجلسي على ان يقول أن الأولياء الإثني عشر بعد المهدي (ع) هم الأئمة المعصومون الإثنا عشر أنفسهم، فترتفع المعارضة بين روايات الأولياء وروايات الرجعة .ويكون المراد منهما معاً الأئمة المعصومين أنفسهم. إلا أن هذا الوجه قابل للمناقشة من وجوه نذكر منها اثنين: الوجه الأول : إن عدداً من روايات الأولياء التي سمعناها، تنص على أن الأولياء الإثني عشر من ولد الإمام المهدي(ع) .قال في أحد الأخبار :" ثم يكون من بعده اثني عشر مهدياً ، فإذا حضرته الوفاة – يعني المهدي – فليسلمها إلى ابنه أول المهديين". وقال في الدعاء "والأئمة من ولده" .مع أن الأئمة المعصومين السابقين هم آباء الإمام المهدي (ع) بكل وضوح . الوجه الثاني: إننا لم نجد – كماعرفنا ـ دليلاً كافياً على عودة الأئمة الإثنا عشر كلهم ، لا بشكل عكسي ولا بشكل مشوش ،وإنما نص فقط – بعد النبي (ص) – على امير المؤمنين (ع) وابنه الحسين (ع) . وإذا لم يثبت رجوع الأئمة الإثنا عشر جميعاً كيف يمكن حمل هذه الأخبار عليه. وأما الوجه الثاني: االذي ذكره المجلسي ، فيتلخص في الإعتراف بوجود الأئمة المعصومين (ع) والأولياء الصالحين في مجتمع ما بعد المهدي (ع) متعاصرين. ولكن الحكم العام سيكون للمعصومين (ع) .وأما الأولياء فسيكونون هداة عاملين في العالم من الدرجة الثانية .وبذلك يرتفع التعارض بين الروايات. وأوضح ما يرد على هذا الوجه هو أن روايات الأولياء ، صريحة بمباشرتهم للحكم على اعلى مستوى، بحيث يكون التنازل عن هذه الدلالة تأويلاً باطلاً .كقوله :"ليملكن من أهل البيت رجل" وقوله :" فإذا حضرته الوفاة فليسلمها – يعني الإمامة، أو الخلافة – إلى ابنه أول المهديين" قوله : "اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده "ونحوه في الدعاء الآخر. صفحة (642) ويحتوي كلام المجلسي في الوجه الثاني على استدلال ضمني على الرجعة مع جوابه. وملخص الإستدلال :أنه ثبت في الفكر الإسلامي أن الأرض لا تخلو من حجة باستمرار ما دام للبشرية وجود، حتى لو كان اثنان كان أحدهما الحجة على صاحبه.ولكن الأرض بعد الإمام المهدي(ع) ستخلو من الحجة.ما لا نقل بالرجعة ، ليرجع الأئمة المعصومون (ع) ليكونوا هم الحجج بعده، تطبيقاً لهذه القاعدة . إلا أنه من حسن الحظ أن يكون المجلسي نفسه قد أجاب على ذلك. وملخص الجواب: إننا لا نحتاج إلى القول بالرجعة كتطبيق لتلك القاعدة بل إن حكم الأولياء الصالحين تطبيق لها أيضاً، قال المجلسي لأن" أوصياء الأنبياء و(أوصياء) الأئمة حجج أيضاً" فالأرض تكون مشغولة بصفتهم أوصياء للأئمة (ع) ، فلا تكون خالية من الحجة. ومعه لا تكون هذه القاعدة مثبتة للرجعة،ولا منافية مع حكم الأولياء الصالحين. وأما تعليقنا على كلام الطبرسي ،فهو أن ما ذكره من أن ما روي من قيام ولد المهدي (ع) بعده، لم يرد على القطع واليقين ، أمر صحيح لأن الروايات الدالة على حكم الأولياء الصالحين متواترة ،ولكننا سنرى أنها صالحة للإثبات التاريخي ، وهذا يكفينا في المقام. وأما ما ذكر من أنه ليست بعد دولة القائم دولة لأحد ، فهو أمر صحيح لأنه إن أريد بدولة القائم نظام حكمه، فهو نظام مستمر إلى نهاية البشرية تقريباً أو تحقيقاً على ما سنسمع ، وليس وراءه حكم آخر .وإن أريد به حكمه ما دام في الحياة ،بحيث تنتهي البشرية بعده مباشرة ، فهو أمر غير محتمل لأنه امر تدل كثير من الروايات على نفيه، كروايات الرجعة وروايات الأولياء وروايات أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق وغير ذلك ، بل تدل على ذلك بعض آيات القرآن كآية دابة الأرض بعد العلم بعدم خروجها في زمن المهدي (ع) نفسه. إذاً ، فالبشرية ، ستبقى بعد المهدي (ع) والنظام سوف يستمر ، وإنما يراد من ذلك القول: أنه ليس بعد دولة القائم دولة لأحد من المنحرفين والكافرين على الشكل الذي كان قبل ظهوره. صفحة (643) وأما قوله : وأكثر الروايات أنه لن يمضي من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوماً ... فهذه الروايات سنسمعها، ومؤداها أن الحجة سيرفع – أي يموت – قبل القيامة بأربعين يوم، وسنرى أنه ليس المراد بالحجة شخص الإمام المهدي بل شخص آخر، قد يوجد بعد زمان المهدي (ع) بدهر طويل . وبعد هذه المناقشات ،وقبل إعطائهم الفهم الكامل لحكم الأولياء الصالحين، لا بد لنا أن نجيب على هذا السؤال الذي يخطر في ذهن القارىء :وهو أننا كيف استطعنا أن نعتبر روايات كافية للإثبات التاريخي ، على حين لم نعتبر روايات الرجعة كافية للإثبات ،مع أنها أكثرعدداً وأغزر مادة وأوضح في أذهان العديدين . وأما من زاوية كفاية روايات الأولياء للإثبات التاريخي ، فهو واضح طبقاً لمنهجنا في هذا التاريخ أنها متكاثرة ومتعاضدة ،وذات مدلول متشابه إلى حد بعيد. وأما من زاوية معارضتها لأخبار الرجعة ، فهو واضح بعد فشل الوجهين اللذين ذكرهما المجلسي للجمع بين الأخبار، إذ يدور الأمر عندئذ بين أن يكون الحكم بعد المهدي (ع) موكولاً إلى المعصومين (ع) أو إلى الأولياء الصالحين. ونحن حين نجد أن أخبار الرجعة غير قابلة للإثبات، كما عرفنا، ونجد أن أخبار الأولياء قابلة للإثبات. كما سمعنا ، لا محيص لنا على الأخذ بمدلول أخبار الأولياء بطبيعة الحال. وبالرغم من أن مجرد ذلك كاف في السير البرهاني ،إلا أننا أن نوضح ذلك بشكل أكثر تفصيلاً. إن نقطة القوة الرئيسية في أخبار الأولياء المفقودة في أخبار الرجعة ، هي أن أخبار الأولياء ،ذات مضمون مشترك تتسالم عليه، بخلاف أخبار الرجعة، فإنها ذات عشرة مداليل على الأقل ، ليس لكل مدلول إلا عدد ضئيل من الأخبار قد لا يزيد أحياناً على خبر واحد. ومن هنا نقول لمن يفضل أخبار الرجعة : ها أنت تفضل أخباراً منها ذات مدلول معين ،كرجوع الإمام الحسين (ع) مثلاً .أو تفضل تقديم مجموع أخبار الرجعة. فإن رأيت تفضيل قسم معين من أخبار من أخبار الرجعة ،فهي لا شك أقل عدداً وأضعف سنداً من أخبار الأولياء ، بل وأقل شهرة أيضاً . وكل قسم معين منها يصدق عليه ذلك بكل تأكيد ، غير ما دل على رجوع الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي سوف نشير إليه. صفحة (644) وإن رأيت تفضيل مجموع أخبار الرجعة على أخبار الأولياء ،إذاً ،فستصبح أخبار الرجعة بهذا النظر متعارضة ومختلفة المدلول كما عرفنا ،غير ذلك المدلول العام الإجمالي الذي برهنا على انطباقه على خروج دابة الأرض التي نطق بخروجها القرآن الكريم.وهو – بمنطوق الأخبار ـ يعني خروج علي أمير المؤمنين (ع) ، وهو بعيد عن أي مفهوم تقيلدي للرجعة ، بل هو ليس من الرجعة في شيء ، فإن مفهوم دابة الأرض غير مفهوم الرجعة عندهم. وهذا المفهوم لا ينافي حكم الأولياء الصالحين ولا يعارض الأخبار الدالة عليه ،وذلك لعدة أمور ،نشير إلى أمرين منها: الأمر الأول : أن خروج دابة الأرض غير محدد بتاريخ ،لا في القرآن الكريم ولا في السنة الشريفة ، ومعه فقد يحدث بعد حكم الأولياء الصالحين بمدة طويلة. الأمر الثاني: إن دابة الأرض سوف لن تأتي لتمارس الحكم الأعلى في الدولة العالمية العادلة ،كما يستشعر من القرآن وتصرح به الأخبار ، بل تأتي من أجل إعطاء الأفراد حسابهم الكامل فتعين منزلة كل فرد ودرجة تطبيقه للمنهج العادل المطلوب منه ،ولعلنا نوضح ذلك فيما بعد. وإذا تم ذلك ، لم يكن خروج الدابة منافياً مع حكم الأولياء حتى لو خرجت في زمن حكمهم ،لأن وظيفتهم في المجتمع غير وظيفتها. وبعد ترجيح روايات حكم الأولياء الصالحين ، ينبغي لنا أن نقدم لها فهماً متكاملاً ملحقاً بالتسلسل الفكري الذي سرنا عليه في هذا الكتاب. ثم نعقبه بدراً ومناقشة بعض الإشكالات التي قد تخطر في الذهن في هذا الصدد . إن الإمام المهدي (ع) لن يهمل أمر الأمة الباقية بعده ،لا لمجرد أن لا تبقى رهن الإنحلال والضياع ،وإن كان هذا صحيحاً كل الصحة، بل لأكثر من ذلك، وهو ماقلناه من أن إحدى الوظائف الرئيسة للمهدي (ع) بعد ظهوره هو تأسيس القواعد العامة المركزة والبعيدة الأمد لتربية البشرية في الخط الطويل ، تربية تدريجية لكي تصل إلى المجتمع المعصوم .وهذه التربية لا يمكن أن يأخذ بزمام تطبيقها إلا الإنسان الصالح الكامل حين يصبح رئيساً للدولة العادلة ،ومثل هذا الرجل لا يمكن معرفته لأحد غير الإمام المهدي نفسه ولعله يوليه التربية الخاصة التي تؤهله لهذه المهمة الجليلة .وأما احتمال تعيينه بالإنتخاب فهو غير وارد على ما سنقول. صفحة (645) ومن هنا سيقوم الإمام (ع) بتعيين ولي عهده أو خليفته ،خلال حياته وربما في العام الأخير ، ليكون هو الرئيس ألأعلى للدولة العالمية العادلة بعده والحاكم الاول لفترة حكم (الأولياء الصالحين). وبالرغم من أن هذا الحاكم قد يكون هو أفضل من الأحد عشر الآتين بعده باعتبار أنه نتيجة تربية الإمام المهدي (ع) شخصياً والمعاصر لأقواله وأفعاله وأساليبه ، بخلاف ما سيأتي بعده من الحاكمين .بالرغم من ذلك فإنه سيفرق فرقاً كبيراً عن المهدي (ع ) نفسه، على حد لا يصدق " أنه لا خير في الحياة بعده". والسر في ذلك- على ما سيبدو يعود إلى أمرين رئيسين : الأمر الأول: ما سبق أن عرفناه من الفرق الشخصي والثقافي والنفسي بين الإمام المهدي (ع) وخليفته،الأمر الذي ينتج اختلافاً واضحاً في التصرفات بينهما. الأمر الثاني: راجع إلى الأمة نفسها أو البشرية كلها بتعبير آخر من حيث أن المجتمع مهما كان قد سار بخطوات كبيرة نحو الأمام، في السعادة والعدالة والتكامل ،إلا أنه لم يصل إلى درجة العصمة بأي شكل من أشكالها التي سنشير إليها، وبقيت هناك في أطراف العالم مجتمعات متخلفة عن الركب العام ، لوجود انخفاض مدني أو حضاري جديد سابق فيها ،منعها أن تكون – مهماارتفعت بجهود الإمام المهدي (ع) – مواكبة للإتجاه العالمي العادل فيه. إذاً فستكون التركة العالمية ثقيلة جداً ،وتخلفات عدد من الأفراد والمجتمعات عن تطبيق العدل ، بعد ذهاب القائد الأعلى ،محتملة جداً ... وعدم استيعاب الكثيرين من وعيهم العقائدي لضرورة التجاوب الكلي مع الرئيس الجديد ،احتمال وارد تماماً ، وخاصة وأن الأمر الأول من هذين الأمرين سيعيشه العالم يومئذ بكل وضوح. نعم ،لا شك أن الإمام المهدي (ع) قبل فاته قد أكد وشدد ، بإعلانات عالمية متكررة على ضرورة إطاعة خليفتة وعلى ترسيخ (حكم الأولياء الصالحين) في الأذهان ترسيخاً عميقاً ،إلا أن البشرية حيث لا تكون بالغة درجة الكمال المطلوب ’فإنها ستكون مظنة العصيان والتمرد في اكثر من مجال. ولكن وجود هذه المصاعب لا يعني الفشل بحال، بعد القواعد التربوية التي تلقاها هذا الحاكم عن الإمام المهي بكل تفصيل. إن الدولة ستبقى مهيبة ومحبوبة للجماهير على العموم وستبقى تمارس التربية المركز وباستمرار ،تماماً كما كانت عليه في عصر الإمام المهدي أخذاً بالمنهج المهدوي العام. صفحة (646) وسيكون حكم الأولياء الصالحين ، فترة تمهيدية أو انتقالية ،يوصل المجتمع العالمي إلى عصر العصمة ،حيث يكون الرأي العام المتفق معصوماً ، كما أشرنا في التاريخ السابق(1) وعندئذ سترتفع الحاجة إلى التعيين في الرئاسة العامة ،كما كان عليه الحال خلال حكم الأولياء الصالحين ،وستوكل الرئاسة إلى الإنتخاب أو الشورى، حين يكون الأفراد كلهم من : "للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون "(2). وستوضع الشورى موضع التنفيذ طبقاً لقوانين تصدر يومئذ لا يمكن التعرف عليها الآن. وببدء الشورى يكون عصر حكم الأولياء الصالحين المنصورين بالتعيين قد انتهى. ولكن الحكام الجدد المنتخبين سيكونون أولياء صالحين أيضاً ،إلا أنه هناك فرقاً بين اسلوب تربيته أساساً .ان الحاكم الذي سيتم تنصبه عن طريق التعيين ،يكون بكل تأكيد نتيجة لتربية خاصة مركزة من قبل سلفه، مقترنة بالتعليم الواضح المفصل للقواعد الموروثة من قبل الإمام المهدي (ع). وأما الحاكم المنتخب، فهو لا يكون إلا في مجتمع يكون رأيه العام معصوماً ،ومثل هذا المجتمع كما أن الأعم الأغلب من أفراده صالحين وعادلين ولذا أصبح رأيه العام معصوماً، لأن الرأي العام من الصالحين لا يكون إلا صالحاً . يحتوي – إلى جنب ذلك ـ على عدد يقل أو يكثر وصلوا إلى درجة عليا من العدالة والإلتزام الصالح، قد نسميها بالعصمة ،أعني ما يسمى بلغة الفلاسفة المسلمين بالعصمة غير الواجبة .وبتلك الصفة نفسها يكونون مؤهلين لتولي الرئاسة العامة للدولة العالمية العادلة ،ولن يكون بينهم وبين توليهم الفعلي إلا تجمع الأصوات في صالح أحدهم. بقيت بعض الأسئلة و المناقشات ،تلقي أجوبتها أضواء كافية على هذا التسلسل الفكري ،نعرضهاعلى شكل سؤال وجواب. ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الغيبة الكبرىص480 (2) 42/36-38 صفحة (647) السؤال الأول : ما هو عدد الأولياء الصالحين؟ هذا ما لا بد في تعيينه الرجوع إلى الأخبار السابقة. قال الخبر الأول الذي نقلناه " أن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً ". وقال في خبر آخر " ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً". وموقفنا من هذا الإختلاف ،أننا أما أن نعتبر كلا الخبرين ،إذا نظرنا لكل واحد منهما مستقلاً، قابلاً للإثبات التاريخي ،وإما أن نعتبرهما معا غير قابلين له ،أو يكون أحدهما قابلاً دون الآخر. فإن لم يكونا قابلين للإثبات وهذا لا يعني سقوط أصل نظرية حكم الأولياء الصالحين ،لإستفادتها من مجموع الأخبار ...إذاً فيصعب الجواب على هذا السؤال ، فقد يكون عددهم كثيراً وقد يكون قليلاً .تبعاً للمصلحة التي يراها المهدي نفسه حين يؤسس هذا الحكم بعده ،وميزاته كماعرفنا تصل البشرية إلى عهد الشورى حين يكون الرأي العام معصوماً ، ولا يبقى العدد مهماً إلى درجة عالية. نعم، قد ينبثق من التفكير الإمامي رجحان أن يكون الأولياء اثني عشر ،كما كان الأئمة المعصومون(ع) اثني عشر، غير أن هذا بمجرده لا يكفي للإثبات كما هو واضح. وإن كان كلا الخبرين قابلاً للإثبات دون الآخر ،أخذ بمدلوله دون الاخر ،ويمكننا بدوياً أن نقول: أن الخبر القائل بعدد الإثني عشر أصح واثبت فيؤخذ به ، ويبقى الآخر غير قابل للإثبات. وأما إذا كان كلا الخبرين قابلين للإثبات، فيمكن الجمع بينهما، برفع اليد عن ظهور الخبر القائل بالأحد عشر ولياً،عن ظهوره بالحصر والضبط ، بقرينة الخبر الآخر القائل بالإثني عشر ،تكون النتيجة هو الإلتزام بالإثني عشر بطبيعة الحال. وبذلك يظهر أن الرقم الإثني عشر راجح على كل التقادير ،وإن كان يحتاج إلى دليل مثبت أحياناً ،وسنفرضه فيما يلي أمراً مسلماً لتسهيل الفكرة على أقل تقدير. السؤال الثاني: كم مدة حكم الأولياء الصالحين بالسنين؟ إذا كان عدد الأولياء الحاكمين إثني عشر، وهم يتولون الرئاسة في عمر اعتيادي بطبيعة الحال، غير أن معدل العمر الإعتيادي ،في دولة العدل الكامل في مجتمع السعادة والأخوة والرفاه ، لن يكون هو الستين أو السبعين، بل هو مئة على أقل تقدير ، ومن هنا يمكن أن يعيش الرئيس ثمانين عاماً منها ،وهو على كرسي الرئاسة. فإذا كان معدل بقاء الفرد منهم ستين عاماً ،كان مجموع مدة حكم الأولياء الصالحين سبعمئة وعشرين عاماً. صفحة (648) وهي مدة كافية جداً لتربية البشرية تربية مركزة دائبة ودقيقة ،وإيصالها إلى مجتمع العصمة. السؤال الثالث: كيف يعرف المجتمع بدء صفة العصمة؟ ومعرفته بذلك يعني عدة نتائج أهمها ما عرفناه من انتهاء حكم الأولياء الصالحين وبدء حكم الأولياء المنتخبين عن طريق الشورى . لمعرفة المجتمع بذلك عدة أطروحات محتملة: الأطروحة الأولى: في غاية البساطة، وهي أن المجتمع عرف بوصية المهدي(ع) نفسه عدد الأولياء الصالحين الذين سيمارسون الحكم فيه ،ككونهم اثني عشر فرداً – مثلاً ـ فإذا تم العدد ، كان حكم هؤلاء الأولياء قد انتهى وبالملازمة يكون مجتمع العصمة قد بدأ .إذ من غير المحتمل أن تكون الدولة قد فشلت في مهامها التربوية. الأطروحة الثانية : لو فرضنا عدد الأولياء كان مجهول، وهو أمر بعيد عن أي حال .فمن المحتمل أن تكون هناك وصية خاصة بالأولياء أنفسهم موروثة من الإمام المهدي (ع) تقول : في عام كذا إذا مات الولي الحاكم يومئذ ، فعليه ألا يوصي إلى شخص بعده ، بل ينتقل الأمر إلى الشورى. وقد يكون في ضمن الوصية تعليل ذلك بأن مجتمع العصمة قد بدأ. الأطروحة الثالثة : أن تكون هناك وصية خاصة بالأولياء موروثة عن الإمام المهدي (ع) تحدد انتهاء حكمهم بحوادث وصفات اجتماعية معينة ،تعود إما إلى وقائع تاريخية أو إلى تحديد في المستوى العقلي والثقافي للبشرية ، الذي سيكون عليه في المستقبل ، أو إلى غير ذلك. وهذه الأطروحة صادقة أيضاً فيما إذا لم يكن عدد الأولياء الصالحين معيناً سلفاً. السؤال الؤابع: إن هؤلاء الأولياء الصالحين، هل هم متفرقون من حيث النسب ، أو انهم متسلسلون في النسب ينتهون إلى الإمام المهدي (ع) نفسه، أو أنهم على شكل آخر. وينبغي أن نفهم سلفاً أنه لا اهمية كبيرة في الجواب على هذا السؤال إذ الأهم في الموضوع هو صفاتهم الذاتية وأعمالهم العادلة ، دون قضية النسب . صفحة (649) نعم ، أجابت يعض الأخبار على ذلك ، قال أحدها: " إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً" .والمفهوم من قوله من أنهم من نسل أهل البيت (ع) إجمالاً .وقال الخبر الآخر : " فليسلمها إلى ابنه أول المهديين" وهو دال على أن الولي الأول ابن المهدي نفسه ولم يذكر الأولياء الذين بعده. ويقول احد الأدعيى التي سمعناها : " وولاة عهدك والأئمة من ولدك" فلو اعتبرنا كل هذه الأخبار قابلة للإثبات مستقلة، لفهمنا أن هؤلاء الأولياء الصالحين هم من نسل أهل البيت (ع) ولا يراد بأهل البيت في لغة الأخبار إلا الأئمة المعصومين (ع) .وحيث لا يحتمل أن يكونوا من نسل إمام آخر غير المهدي (ع) باعتبار بعد المسافة الزمنية ،إذاً فهم من أولاد الإمام المهدي نفسه .وهذا افتراض واضح تعضده بعض هذه الأخبار ولا تنفيه الأخبار الأخرى . يبقى لدينا هل أنهم متسلسلون في النسب أحدهم ابن الآخر ،أو أنهم متفرقون من هذه الجهة ،وإن انتسبوا إلى المهدي في النهاية. وفي هذا الصدد لا تسعفنا الأخبار بشيء ، لكن هناك فكرة عامة صالحة للقرينية على التسلسل النسبي .وهي ما نسميه بتسلسل الولاية .فإن كل ولي في ذلك العهد المرحلي السابق على صفة العصمة يحتاج إلى إعداد خاص وتربية معينة ، قبل أن يتولى الحكم . ومن الصحيح أن المجتمع ككل وخاصة إذا كان صالحاً وعادلاً يمكنه أن يربي الحاكم أفضل تربية ، إلا أن هناك عدداً من الحقائق والأساليب والقوانين الإجتماعية وغيرها ، تكون خاصة بالحاكم عادة ولا يعرفها غيره على الإطلاق ،وهي موروثة وراثة خاصة عن الإمام المهدي (ع) .وهي تحتاج في ترسيخها وكشفها إلى الحاكم الجديد إلى مدة وجهود من قبل الحاكم السابق ، الأمر الذي لا يتوفر عادة بين الوالد وولده ،ومن الصعب جداً توفره بين أبناء الأعمام مثلاً. ومعه، فمن المظنون جداً أن يكون تسلسلهم النسبي محفوظاً ،من أجل الحفاظ على تسلسل الولاية الضروري لتربية كل حاكم. السؤال الخامس: هل المنطلق إلى فكرة "حكم الأولياء الصالحين" بعد الإمام المهدي هو الفهم الإمامي للمهدي ، أو ينسجم مع الفهم الآخر . صفحة (650) كلا .إن حكم الأولياء الصالحين الذي طرحناه ، ينسجم تماماً مع الفهم الآخر الذي يقول : إن المهدي رجل يولد في حينه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً .ولا ربط له مباشر بغيبة المهدي قبل ظهوره ولا بكونه الإمام الثاني عشر من الأئمة المعصومين كما هو واضح. غير أن فكرة حكم الأولياء الصالحين ، يبقى مفتقراً للدليل من أخبار العامة أنفسهم .ولم نجد في حدود تتبعنا أي إشارة في تلك المصادر إلى دولة ما بعد المهدي (ع) مهما كانت صفتها ،ويبقى مفكرو العامة بعد ذلك مخيرين بالإلتزام بهذه الأطروحة. السؤال السادس : ماذا – بعد ذلك – عن احتمال العصيان والتنرد خلال حكم الأولياء الصالحين . لا شك أن هذا الإحتمال يتضاءل تدريجياً، بالتربية المركزة التي تمارسها الدولى باتجاه العدالة والكمال .حتى ما إذا وصل المجتمع إلى درجة العصمة ، ولو بأول أشكالها ، ارتفع احتمال التمرد والعصيان ارتفاعاً قطعياً ، لبرهان بسيط هو منافاة العصمة مع العصيان ،ولا أقل من أن تكون الأكثرية الساحقة للبشرية كذلك ، بحيث من الصعب أن يفكر أحد في حركة تمرد أو بث دعاية باطلة. وإنما يقع التساؤل عن الفترات الأولى لحكم الأولياء الصالحين ، عدة ضمانات ضد مثل هذا الإحتمال ، يمكننا أن نتعرف على بعضها ، بحسب مستوانا الذهني المعاصر: الضمان الأول: السعادة والرفاه والأخوة والتناصف بين الناس هذا الذي أسسه ونشره الإمام المهدي نفسه، الأمر الذي يجعل الفرد ومن ثم الجماعات تميل تلقائياً إلى حب هذا النظام واحترامه والتعاطف معه ،مما يحدو بالأعم الأغلب جداً من الناس بعدم التفكير بأي عصيان واضح ، بل يحدو الكثيرين إلى الوقوف تلقائياً تجاه أي تمرد أو عصيان يفهمون به ،وفضحه ولوم صاحبه لوماً شديداً . الضمان الثاني: القواعد والأسس الخاصة التي علمها المهدي (ع) نفسه لخلفائه ، مما يمت إلى طبيعة المجتمع وحركة التاريخ وأفضل الطرق في التصرف به ودفع شروره ، وجلب مصالحه .الأمر الذي كان هو (ع) ، أكثر الناس علماً به وإطلاعاً على تفاصيله. ومن أجل فوائد علمه بذلك ، تزريقه إلى خلفائه الصالحين ، ليستطيعوا أن يبنوا دولتهم الحديثة ، ويدفعوا عنها الشرور بأيسر طريق. صفحة (651) الضمان الثالث : عالمية الدولة العادلة : فإن لهذا العنصر جهتين من الضمان . الجهة الأولى : الهيبة التي تكسبها الدولة العالمية في نفوس الناس وعقولهم بصفتها تمارس حكما مركزيا مهما لم تمارسه اي دولة اخرى في التاريخ . الجهة الثانية : سيطرتها على كل مصادر ومصانع الأسلحة في العالم لا يستثنى من ذلك شيء ، ولها الطرق المعقدة للحد من التهريب والختل والخداع ونحو ذلك. فهذه الضمانات وغيرها ، تنتج في هذا الصدد ، نتيجتين مهمتين : النتيجة الأولى : أنها تقف ضد احتمال كثرة التمرد والعصيان ، بشكل يعيق عن تطبيق المنهج التربوي العام . إذ مع وجودها سيقل من يفكر من البشر بالحركات العصيانية. النتيجة الثانية: أنها تقف ضد ما قد يحدث من حوادث التمرد والعصيان من القلائل الذين قد يفكرون بذلك، وعن طريق هذه الضمانات التي تملكها الدولة ستستطيع أن تقضي على كل حركة. السؤال السابع: هل لدابة الأرض خلال هذا العهد ، وظيفة معينة؟ لما كانت الوظيفة الرئيسة لدابة الأرض ، كما يستفاد من الأخبار، هي تمييز الكافر من المؤمن ، والمنحرف من الملتزم ،وإعطاء القيمة الأخلاقية لكل منهم علانية ، فهذا لا يمكن أن ينجز في عهد ما بعد الظهور، المتطور نحو المجتمع المعصوم الخالي من الكفار والمنحرفين ... فهو لا يمكن ان ينجز إلا في إحدى فترتين : الفترة الأولى : فترة ما بعد المهدي (ع) مباشرة ، حيث تعيش الدولة العالمية العادلة أحرج عهودها وأدق فتراتها ، بعد فقد قائدها العظيم. فإنه من الصحيح ،كما عرفنا ،أن الإمام المهدي (ع) قام باستئصال المنحرفين من الكرة الأرضية ، إلا أن هناك جزءاً من البشر ،مهما كان قليلاً ، قد سلم لدولة المهدي خوفاً أو طمعاً ، لا عن إخلاص حقيقي ، فمن المحتمل جداً أن تتحرك الأطماع بعد القائد الأعظم إلى السبطرة على الدولة أو على بعض أجزائها على الأقل. والضمانات السابقة وإن كانت صالحة للوقوف ضد أي احتمال ، غير أنه من المحتمل أن تخرج دابة الأرض، لتأخذ بعضد الدولة العالمية العادلة ، باتجاه النصر والسبطة على كل تمرد وعصيان. صفحة (652) الفترة الثانية :الفترة السابقة على يوم القيامة مباشرة ،وهي فترة سنبحث عن صحة وجودها في الفصل القادم .غير أنه – على تقدير صحتها – سيتصف المجتمع العالمي خلالها بالكفر والإنحراف ، بعد أن يكون قد تنازل عن آخر صفات العصمة والعدالة. فمن المحتمل أن دابة الأرض تخرج لتضمن بقاء المؤمنين على إيمانهم ،ومدى خسارة الكافرين والمنحرفين ، حين تنازلوا بسوء تصرفاتهم عن العصمة والعدالة ،وتقف في وجه الذين يكفرون بقتل المؤمنين ، أو الإطاحة بكيانهم بشكل أو آخر . وعلى أي حال ، فحيث نعلم من القرآن الكريم ، بضرورة خروج دابة الأرض ،وعد خروجها خلال المجتمع المعصوم لعدم انسجام وظيفتها معه كما أنه ليس هناك احتمال حقيقي لخروجها قبل الظهور ... إذاً يتعين وجودها في إحدى الفترتين المشار إليهما .وأما إذا عرفنا في الفصل الآتي. عدم وجود الدليل على إنحراف المجتمع بعد اتصافه بالعصمة ، إذاً ينحصر خروج دابة الأرض بعد وفاة المهدي (ع) مباشرة ، لتقوم بوظيفتها الكاملة. وبذلك يكون سيف الإمام علي بن ابي طالب قد وطد الإسلام في "آخر الزمان" كما وطده في عصر الرسالة وصدر الإسلام سلام الله عليه. وبهذه الأسئلة وضعنا الرتوش الكافية على فترة حكم الأولياء الصالحين وما بعدها ،ولا ينبغي لنا أن نزيد على ذلك ، وإنما نحيل القارىء إلى الكتاب الرابع الآتي من هذه الموسوعة. صفحة (652) الباب الثاني قيام الساعة على شرار الخلق وهو باب في فصل واحد وينبغي أن يتم الحديث في هذا الفصل ضمن عدة جهات: الجهة الأولى : في سرد أهم الأخبار الدالة على ذلك .وهي واردة في مصادر الفريقين . أخرج مسلم في صحيحه(1) عن عبد الله بن عمر عن رسول الله (ص) – في حديث تحدث فيه عن الدجال والمسيح عيسى بن مريم (ع) ، ثم تحدث فيه عن عصر ما بعد المسيح فقال فيما قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام الساعة لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار ّ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور . وأخرج أبو داود(2) عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله (ص) : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها ، فذاك حين " لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً "(3) وأخرج الحاكم في المستدرك(4) عن أبي أمامة ، قال : سمعت رسول الله (ص) لا يزداد الأمر إلا شدة ولا المال إلا إفاضة ،ولا تقوم الساعة إلا على شرار من خلقه .وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ـــــــــــــــــ (1) ج8 ص201. (2) ج2 ص430. (3) 6 /158. (4) ج4 ص440. صفحة (657) وأخرج أيضاً(1) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدين إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ،ولا مهدي إلا عيسى بن مريم . وأخرج الشيخ في الغيبة(2) عن عبد الله بن جعفر الحميري ، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو(3) عند أحمد بن اسحق بن سعيد الأشعري القمي ، فغمزني أحمد أن اسأله عن الخلف – يعني الحجة المهدي (ع) . فقلت له : يا أبا عمرو إني أريد (أن) أسألك وما أنا بشاك فيما أريد أريد أن أسألك عنه .فإن اعتقادي وديني أن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً ، فإذا كان ذلك وقعت (رفعت) الحجة ، وغلق باب التوبة .فلم يكن" ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ،أو كسبت في إيمانها خيراً...(4) فأؤلئك الأشرار من خلق الله عزوجل .وهم الذين تقوم عليهم القيامة ... الحديث وأخرج السيد البحراني في معالم الزلفى(5) عن بستان الواعظين ، قال حذيفة : كان الناس يسألون رسول الله (ص) عن الخير وكنت أسأله عن الشر فقال النبي (ص): يكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم ،فإذا غضب الله تعالى على أهل الأرض أمر الله سبحانه وتعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق .فينفخ على حين غفلة من الناس ... الحديث . فهذه كل الروايات التي وجدناها دالة على هذا المضمون . ـــــــــــــــــ (1) ج4 ص440 ويرويه في الصواعق (98) عن ابن ماجة. (2) ص218. (3) هو الشيخ عثمان بن سعيد النائب الأول للنهدي (ع) خلال غيبته الصغرى. (4) 6 / 158. (5) ص136. صفحة (658) الجهة الثانية :في نقد هذه الأخبار . إن أكثر هذه الأخبار يمكن إسقاطها عن الإستدلال تماماً ،لأن كل خبر يواجه بحياله بعض المناقشات ، فلا يبقى منها إلا القليل. أما الخبر الذي أخرجه مسلم في صحيحه ، فهو يصف أولاً فسق الناس وإطاعتهم للشيطان ،وتحولهم إلى عابدي أوثان. وهذا كله – بمعنى وآخر- مما يقع قبل الظهور . ويقول بعدها : ثم ينفخ في الصور. والنفخ فيه كناية عن نهاية البشرية .إلا أن وجود هذه النهاية في ذلك الجو الفاسق مما لا يدل عليه الخبر ،لأن حرف العطف (ثم) دليل على التراخي والإنفصال كما نص النحاة واللغويون .فإن لم يكن الخبر دليلاً على بقاء البشرية بعد ذلك المجتمع الفاسق ، فلا أقل من كونه ليس دليلاً على انتهائه به. وأما خبر أبي داود ، فهو غير دال بالمرة على المضمون المشار إليه .فهو دال على أن الناس يؤمنون كلهم حين تطلع الشمس من مغربها .ولا يقول شيئاً غير ذلك .وقد قلنا في التاريخ السابق(1) أن المراد من الشمس التي تطلع من مغربها : المهدي حيث يطلع بعد غيبته ،ولا تقبل عندئذ من الفاسق توبة. وكذلك الخبر الثاني الذي نقلناه عن الحاكم ،فإن فيه قوله :ولا مهدي إلا عيسى بن مريم ،وقد نقده ورفضه أهل الحديث العامة والخاصة ،كما سبق ،ولا حاجة إلى تكراره ، مضافاً إلى إشكالات أخرى مشتركة ستأتي. وكذلك الخبر الذي نقلناه عن معالم الزلفى فإنه خبر مرسل وضعيف ،ويحتوي من خلاله على مضامين مدسوسة وغير صحيحة ، كما يبدو لمن راجعه في مصدره . لا يبقى عندنا – بعد هذا – إلا خبران ، أحدهما : الخبر الأول الذي نقلناه عن الحاكم والخبر الذي أخرجه الشيخ في الغيبة. على أن خبر الشيخ أيضاً لا يخلو من مناقشة فإنه ليس رواية عن معصوم وإنما يعبر فيه عبد الله بن جعفر الحميري عن إعتقاده ،وليس بالضرورة أن كل ما يعتقده له الإثبات التاريخي الكافي ،وإن كان هو شخصياً من العلماء الصالحين ، كما ثبت في تاريخه. وعلى اي حال ، فالخبران يواجهان إشكالاً مشتركاً ، هو أن مثل هذه القضية وهي: ان الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس ،من الأمور الإعتقادية في الدين .ومن الواضح عند العلماء أن الأمور الإعتقادية لا تثبت بخبر الواحد وإن كان صحيحاً سنداً وواضحاً مضموناً ،وإنما تثبت فقط بالخبر المتواتر القطعي ، مع العلم أن مجموع هذه الأخبار غير متواترة فضلاً عما بقي بعد النقد منها. ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الغيبة الكبرى ص596 صفحة (659) هذا مضافاً إلى أشكال مشترك آخر على أكثر من خبر واحد .كالخبر الذي يقول " لا يزاد الأمر إلا شدة ولا الدين إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ... فإن قارىء هذه الموسوعة ،وخاصة التارخ السابق، يعلم أن هذه هي صفة المجتمع قبل الظهور . وسيرتفع كل ذلك بالظهور ،مع أن ظهور الخبرين هو أن ذلك باق إلى يوم القيامة .وهو أمر تنفيه كل الدلائل السابقة التي عرفناها. أضف إلى ذلك معاضة هذه الأخبار ، بما دل على بقاء دولة العدل إلى يوم القيامة .لأن الإنحراف القوي يستدعي لا محالة ،انتقال الحكم إلى المنحرفين مع أن الأخبار تنص على بقاء الدولة مع المؤمنين العادلين . أخرج الصدوق(1) في إكمال الدين بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الإمام الرضا (ع) عن آبائه عن النبي (ص) – في حديث طويل ـ قال (ص) : فنوديت : يا محمد ، أنت عبدي وأنا ربك – ويستمر الحديث إلى ذكر آخر الأئمة الإثني عشر ، المهدي (ع) فيقول :- حتى يعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي ،ثم لأديمن ملكه ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة. وأخرج النعماني في الغيبة(2) بسنده عن يونس بن رباط ، قال : سمعت أبن عبد الله (ع) يقول: إن أهل الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدة ،أما أن ذلك إلى مدة قريبة وعاقبة طويلة . وأخرج الشيخ في الغيبة(3) بإسناده عن أبي صادق عن أبي جعفر (ع) قال : دولتنا آخر الدول، ولم يبق بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا ،لئلا يقولوا ، إذا رأوا سيرتنا : إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء ، وهو قول الله عز وجل : " والعاقبة للمتقين"(4). ـــــــــــــــــ (1) نسخة مخطوطة. (2) ص152. (3) ص282. (4) 7 /128. صفحة (660) وأخرجه المفيد في الإرشاد(1) في ضمن حديث عن علي بن عقبة عن أبيه،وكذلك فعل الطبرسي في الإعلام(2). فقوله: "ولا داولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة" واضح ببقاء المجتمع برمته مؤمناً إلى نهاية البشرية، وهو ناف بصراحة لفكرة المجتمع الفاسق قبل يوم القيامة. وكذلك قوله:"دولتنا آخر الدول" فإنه واضح أنه ليس بعد دولة الحق دولة من حين قيامها إلى آخر عمر البشرية .فإذا علمنا أن البشرية لا يمكن أن تخلو من حكومة أو دولة ،وأن المجتمع المنحرف يستدعي انحراف الدولة عادة ، يتعين أن تكون دولة مستمرة في البشرية إلى آخر عمرها. ومع وجود هذه المناقشات ،تكون تلك الأخبار ساقطة عن إمكان الإثبات التاريخي ،ولا دليل على انه : لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ،وستأتي في الكتاب التالي مناقشات أخرى قائمة على أسس جديدة . الجهة الثالثة : إعطاء الفهم المتكامل لهذه الأخبار ، أعني القائلة أنه لا تقوم القيامة إلا على شرار الناس . فإننا لا يخلو الأمر إما أن نلتزم بمضمون هذه الروايات ،وإما أن ، رفضها. وعلى كلا التقديرين يمكننا أن نربط تسلسل الفكرة بالنتائج التي توصلنا إليها والمعلومات التي عرفناها فيما سبق . ومن هنا لا بد أن يقع الكلام في ناحيتين : الناحية الأولى : إذا التزمنا بصدق هذه الأخبار، فسيكون تسلسل الفكرة على الشكل التالي : إن التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور، بعد أن ينتج نتيجته الكبرى وهي إيجاد المجتمع المعصوم ،وتنتقل الرئاسة الإسلامية من التعيين إلى الشورى ، يكون الهدف الأعلى من خلقة البشرية ،وهو إيجاد العبادة الكاملة في ربوعها ، قد تحقق ،وخاصة بعد بقاء المجتمع على حاله الرفيع ردحاً طويلاً من الزمن . ـــــــــــــــــ (1) ص344. (2) أعلام الورى ص432. صفحة (661) عندئذ يبدأ – طبقاً لهذا الفهم – تخطيط إلهي جديد ، هو التخطيط الأخير في البشرية ، ليستهدف إيجاد المجتمع الكافر او المنحرف بكل أفراده ، ليكون هو المجتمع الذي تقوم عليه الساعة . ولو نظرنا إلى طبائع الأشياء بحسب فهمنا المعاصر ،أمكننا أن نجد الخطوط العامة لهذا التخطيط العام. إن الدفع الإيماني القوي الذي أوجده المهدي القائم (ع) في البشرية والذي أذكى أواره وحافظ على كيانه المهدويون الإثني عشر بعده ، خلال مئات السنين ، حتى انتج نتيجته الكبرى ،هو المجتمع المعصوم ....إن هذه الدفع سوف يكون مهدداً بالخطر إلى حد ما حين ينقلب أمر الخلافة من التعيين إلى الإنتخاب. إن هذا الدفع سوف يبقى صافياً صحيحاً أجيالاً متطاولة من الزمن ما دامت درجة العصمة محفوظة في المجتمع ،إلا أن الأجيال المتأخرة سوف تنزل عن هذه الدرجة تدريجياً. وستعمل عوامل الشر في نفس الإنسان ونوازع المصلحة من جديد .وسوف لن يوجد لها الردع الكافي في حفظ العصمة ، لأن التخطيط الإلهي قاض بارتفاع هذه الصفة تدريجياً من المجتمع. وسوف يأتي بالإنتخاب إلى كرسي الرئاسة ،أولياء مهما كانوا على مستوى العدالة العليا ، إلا أنهم لم يرافقوا المهدي (ع) ولم يعاصروا خلفاءه المهديين .ولم توجه إليهم تربية خاصة من أجل تولي مهام الرئاسة – ومن هنا سوف يبذل كل رئيس وسعه في دفع التيار المنحرف لن يستطيع الإجهاز عليه ، بل يبقى يستفحل على مر السنين ويعم بين البشر ، إلى أن ينحسر الدين عن القلوب والعقول ، ويصبح الناس كما كانوا قبل ظهور المهدي (ع) على مستوى عصيان واضحات الشريعة الإلسامية ،حيث سمعنا من إحدى الروايات قتل إحدى الشخصيات الإسلامية داخل الحرم ،بل سوف يزداد الوضع سوءاً حتى لا يقال الله ،الله ، على ما نطقت بعض الروايات(1) . ـــــــــــــــــ (1) انظر مثلاً – مستدرك الحاكم ج4 ص494 صفحة (662) الأمر الأول : إن الرئيس العادل الذي هو حجة الله على الخلق في ذلك الحين يصبح مسلوب الصلاحيات من الناحية العملية لا يستطيع القيام بأي عمل على الإطلاق ، ولا يؤمل من وجوده أي فائدة. الأمر الثاني: إن الله عز وجل يشتد غضبه على الأمة والبشرية ، بحيث تكون أهلاً لأي عقوبة. ويترتب على الأمر الأول أن الرئيس الإسلامي ،حيث لا فائدة من وجوده فينبغي أن يرتفع من الأرض، فيقبضه الله له ،ويتوفاه .وذلك قبل يوم القيامة بأربعين يوماً ، كما ورد في الرواية . وعند زوال هذا القائد ، لن تكون البشرية على مستوى الشعور بالمسؤولية إنتخاب شخص جديد ،بل سيبقون في فساد محض وظلم كامل لمدة أربعين يوماً .وهم شرار الله ، فيؤثر الأمر الثاني أثره ،وذلك بإنزال العقاب عليهم بالنفخ في الصور وقيام الساعة. وبهذا التسلسل الفكري استطعنا الجمع بين عدة قواعد مروية في السنة الشريفة ، أحدها: أن الدولة الإسلامية العادلة تبقى إلى يوم القيامة ثانيها : ان الحجة يرفع عن الأرض قبل يوم القيامة بأربعين يوماً. ثالثها : أن القيامة تقوم على شرار الناس ،وعرفنا عدم المنافاة بين هذه التخطيط والتخطيط السابق عليه المنتج لوجود المجتمع المعصوم. يبقى سؤالان قد يخطران على الذهن ، ينبغي ذكرهما مع الإجابة عليها: السؤال الأول : أنه كيف يمكن للمجتمع المسلم بعد ارتفاع صفة العصمة عنه أن يمارس الإنتخاب ،مع أن إعطاء حق الإنتخاب إليه ،كان بسبب هذه الصفة ،إذاً، فلا بد أن يرتفع بارتفاعها ،ويعود الأمر إلى التعيين أو إلى أي أسلوب آخر. وهذا السؤال له عدة إجابات ، نذكر أهمها: أولاً : إن الإنتخاب سوف لن يكون عشوائياً ، وإنما يكون للمؤهلين للرئاسة ، بحسب النظام الساري المفعول في الدولة العالمية ، لا يختلف في ذلك عصر العصمة عما بعده .وإنما الفرق أنه في عصر العصمة يتوفر عدد كبير من الناس المؤهلين لذلك، بخلاف العصر المنحرف اللاحق له ،فإن عددهم يتضاءل تدريجياً ،وهذا لا ينافي قاعدة الإنتخاب بطبيعة الحال. ثانياً : إن القاعدة يومئذ سوف تقتضي بقاء الإنتخاب ، لأن هذا هو الأمر المعروف الموروث عن الدولة العادلة ، وليس بين البشر من يستطيع إيجاد تشريع جديد ،كما جاء به المهدي (ع) نفسه زيادة على المعروف قبله .ومن هنا ينحصر سير البشرية على قاعدة الإنتخاب بالضرورة ،وسيكون تغييره انحرافاً عن القواعد العادلة المعروفة يومئذ . صفحة (663) وأما اقتران الإنتخاب بصفة العصمة ،وإناطته بها ، فقد لا يكون شيئاً مفهوماً فهماً عاماً يومئذ ،وإنما هو تقدير خاص موجود في ذهن المشرع الذي بلغ للناس وجوب الإنتخاب عند دخولهم في عصر العصمة .وهو آخر الأولياء المهديين الإثني عشر .وقد يكون معروفاً لبعض خاصته أيضاً. السؤال الثاني : إن إعداد البشرية للإنحراف يعني رضاء الله تعالى بالظلم وإرادته لوجوده ، فكيف يصح ذلك منه وهو العدل المطلق؟ وقد سبق أن أثرنا مثل هذا السؤال ، في تاريخ الغيبة الكبرى(1) على التخطيط الإلهي لما قبل الظهور ،وأجبنا عليه بشكل يرفع الشبهة. وملخص الفكرة التي ينبغي أن نفهمها الآن هو أن وجود الظلم لا يستلزم رضاء الله تعالى بالظلم وإرادته له ولا إجبار الناس عليه ،وإنما حين تتعلق المصلحة بوجود الظلم في الخارج ، من قبيل ما فرضناه من ضرورة قيام الساعة على شرار الخلق ، ذلك الفرض الذي نتكلم الآن على أساسه ، فيكفي لله عز وجل أن يرفع المانع عن وجوده. ومن هنا يكفي غض النظر عن هذا الإنحراف ، ورفع اليد عن مزيد التوضيح والتربية للناس إلى جانب الحق والعدل ، لكي يوجد الظلم باختيار الأفراد الظالمين أنفسهم ،وبكل قناعة منهم ،مع وجود الحجة البالغة لله عليهم بالنهي والزجر التشريعي عن التورط في هذا العقاب .واستحقاق العقاب عليه. وهذا هو الذي خططه الله تعالى لعصر الغيبة موقتاً لغرض التمحيص والإعداد ليوم الظهور ، كما سبق أن فصلناه في التاريخ السابق ،وهو الذي يخططه أيضاً عند اقتراب الساعة من أجل إيجاد المجتمع الذي يمكن قيام الساعة عليه ، بعد استحالة قيامها في المجتمع المؤمن ، على ما هو المفروض في هذا لكلام. هذا كله على تقدير الإلتزام بصحة تلك الأخبار. الناحية الثانية :إذا التزمنا بعدم صحة تلك الأخبار ، وعدم كفايتها لإثبات قيام الساعة عل شرار خلق الله ، بل يمكن أن تقوم الساعة على المجتمع المؤمن نفسه ،طبقاً لما سبق أن ذكرناه من المناقشات. ـــــــــــــــــ (1) ص269 وما بعدها. صفحة (664) وإذا كان هذا ممكناً لا استحالة فيه ،كان ذلك متعيناً ،ولا يكون التخطيط إيجاد المجتمع المنحرف ممكناً ،وذلك: أولاً : لكونه لغواً بلا مبرر ولا حكمة .وإيجاد اللغو قولاً أو فعلاً ، محال على الله تعالى الحكيم الكامل من جميع الجهات. ثانياً: لكونه مستلزماً ـ كما قلنا ـ لتقليل مستوى التربية والإيضاح ، وهو ظلم للناس ما لم يقترن بمصلحة مهمة مبررة له ، والمفروض عدم وجودها. ومعه فيتعين القول ببقاء المستوى المطلوب من العناية والتربية ، نتيجة للقواعد الواضحة التفصيلية التي اعطاها الإمام المهدي طبقاً لوعي ما بعد الظهور، ونتيجة للدفع الإيماني الذي أوجده في الأمة ،ذلك الدفع الذي أنتجه المجتمع المعصوم في نهاية المطاف ،والذي لا يزول أثره إلى نهاية البشرية ، فإن الوعي إذا كان على أعلى مستوى ، لا يكون قابلاً للزوال ،ولا الإنحراف وإنما تؤكده الحوادث وترسخه المشاكل باستمرار، لو وجدت في مثل هذا المجتمع المعصوم. وبعد حصول صفة العصمة ، سوف يكون المجتمع والدولة – بغض النظر عن شخص المهدي (ع) – أصلب عوداً واقوى تطبيقاً للنظام الإسلامي الكامل .ومن هنا يكون من الطبيعي أن تتلاحق التأييدات الإلهية وتترسخ بين أفراد المجتمع ، فكيف يكون الإنحراف مع وجود هذا التأييد. ويستمر المجتمع في الترقي والتكامل في عالم الروح ، حتى يكون كل فرد مترقباً لقاء الله تعالى شأنه مسروراً بالوصول إلى رضاه العظيم ونعيمه المقيم .فيشاء الله عز وجل أن يأخذهم جميعاً إليه كما تزف العروس إلى عريسها والحبيب إلى حبيبه ، فيموتون جميعاً موتاً كشم الرياحين ،وبذلك تنتهي البشرية ويبدأ بذلك يوم القيامة. وسيأتي في الكتاب الآتي تفسير أعمق من ذلك لنهاية البشرية ، فليكن القارىء على علم بذلك. صفحة (665) ولا حاجة هنا إلى افتراض ارتفاع الحجة قبل أربعين يوماً من يوم القيامة ،ولا إلى افتراض فساد المجتمع ، فإن كلا الأمرين منقول بالروايات التي نفترض في هذه الناحية الثانية عدم صحتها . بل يكفي ـ منطقياً ـ لقيام الساعة تحقق الهدف من خلق البشرية ،وهو وجود العبادة الكاملة ردحاً طويلاً من الزمن ، بحيث لا يبقى بعدها هدف آخر متوقع لها على وجه الأرض، وإنما ينحصر وجودها وتكاملها في عالم آخر ،وقد تحقق ذلك بوجود المجتمع المعصوم ، فيبقى وجود البشرية بلا موضوع فلا بد من زوالها بشكل من الأشكال. فهذا التسلسل الفكري المبني على عدم صحة الأخبار القائلة بأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس ،هو الأنسب مع القرائن والقواعد العامة الإسلامية ، مضافاً إلى عجز تلك الأخبار عن قابلية الإثبات كما عرفنا . وعلى اي حال ، فلا ينبغي إعطاء شيء من تفصيل نهاية البشرية أكثر من ذلك ، بعد العلم أنه سيأتي في الكتاب الآتي ما يعطي ذلك كله بتوفيق من الله العلي العظيم. هذا آخر ما اردنا إيراده من تاريخ ما بعد الظهور ،والحمد لله رب العالمين على حسن التوفيق ،وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. قد تم بيد مؤلفه المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمد بن السيد محمد صادق الصدر . بتاريخ مساء يوم الجمعة المصادف 11 رمضان 1392 هجرية الموافق 12 تشرين الاول 1972 ميلادية في النجف الاشرف. صفحة (666) المصادر أهم مصادر هذا التاريخ : 1-الإحتجاج .تاليف أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي مط: النعمان . النجف الأشرف .عام 1386- 1966. 2- الإرشاد. للشيخ محمد بن محمد بن النعمان . الملقب بالمفيد .ط: طهران . عام 1377ه 3- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب لمؤلفه المولى الشيخ علي اليزدي الحائري .ط : أصفهان في عام 1351 هـ شمسي. 4- أسد الغابة في معرفة الصحابة للشيخ عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير .ط الأوفست .الإسلامية .طهران. 5- إسعاف الراغبين للأستاذ الشيخ محمد الصبان ، على هامش نور الأبصار (انظره). 6- الإشاعة أشتراط الساعة ، تأليف السيد الشريف محمد بن رسول البرزنجي الحسيني .ط. الأولى ، مصر عام ، 1370 هـ. 7- بحار النور ، تأليف الشيخ محمد باقر بن محمد تقي المعروف المجلسي الجزء الثالث عشر .ط: الحجر عام 1305 هجري . 8- البيان في أخبار صاحب الزمان .للحافظ أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد النوفلي القرشي الكنجي الشافعي . قدم له وعلق عليه : محمد مهدي الخرسان .مط النعمان ، النجف الأرشرف .1962-1382 9- الجامع الصحيح ، للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي .مط الفجالة الجديدة ، القاهرة : عام 1387-1967. 10- الحاوي للفتاوي للشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر بن محمد السيوطي حقق أصوله وعلق على حواشيه ، محمد محي الدين عبد الحميد .ط مصر ، الثالثة .مط السعادة .عام 1959 م. 11- الخرايج والجرايج للشيخ قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله بن الحسين رواندي .ط الهند ، على الحجر ، عام 1301 هجري. 12- سنن أبي داود ،للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث بن اسحق الأزدي السجستاني .ط مصر .الأولى ،عام 1371- 1952. 13- سنن ابن ماجة .للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني بن ماجة ، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار أحياء الكتب العربية .عام 1373-1953. 14- شرح نهج البلاغة . للشيخ محمد عبده ،بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد مطبعة الإستقامة .مصر ،مهمل من التاريخ. 15- صحيح البخاري لابي عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن يردذية البخاري الجعفي مطابع الشعب مصر 1378هجري. 16- صحيح مسلم لابي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري .مطبعة محمد علي صبيح واولاده .مصر. 17- الصواعق المحرقة في الرد على اهل البدع والزندقة .للمحدث شهاب الدين احمد بن حجر الهيثمي المكي ط مصر عام 1312. 18-الغيبة للشيخ ابي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ط النجف الثانية عام 1385. 19- الغيبة للشيخ ابي عبد الله محمد بن ابراهيم بن جعفر الملقب بالنعماني ط تبريز عام 1383. 20- الفتوحات المكية.للشيخ ابي عبد الله محمد بن علي المعروف بابن عربي الحاتمي الطائي .اوفست دار صادر بيروت .مهمل من التاريخ. 21- الفصول المهمة في معرفة الائمة .للشيخ نور الدين علي بن محمد بن احمد المالكي المكي الشهير بابن الصباغ. 22- الكافي (الأصول) لثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني . نسخة خطية من مكتبتنا الخاصة . وقع الفراغ في تحريرها في عصر يوم الثلاثاء من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1077 هجري .بيد محمد بن طاهر آقاجان الشوشتري . 23- الكامل في التاريخ: .لأبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير . بيروت ، لبنان عام 1387-1967. 24- كامل الزيارات. للشيخ الأقدم أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي ،حققه وعلق عليه الشيخ ميرزا عبد الحسين الأميني التبريزي . المطبعة المرتضوية . النجف .1356 هجري. 25- الكتاب المقدس ، أي كتب العهد القديم والعهد الجديد .انتشر على يد جمعية التوراة البريطانية والأجنيبة. ط جامعة كامبردج . بريطانيا. 26- كشف الغمة في معرفة الأئمة . للعلامة أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي .المطبعة العلمية .قم. 27- مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع ، لصفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي .وهو مختصر معجم البلدان لياقوت. تحقيق وتعليق : علي محمد البجاوي .دار إحياء الكتب العربية ، مصر عام ، 1374- 1955. 28- مطالب السؤل في مناقب آل الرسول .تأليف الشيخ أبي سالم كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن القرشي العدوي الشافعي .دار الكتب التجارية في النجف الأشرف ،1371- 1951. 29- مفاتيح الجنان .تأليف : الشيخ عباس القمي .ترجمة السيد محمد رضا النوري النجفي .ط : طهران .عام 1359. 30- الملاحم والفتن .للسيد رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاوس ، الحسني الحسيني .ط الثالثة . الحيدرية . النجف الأشرف 1383- 1964. 31- منتخب الأثر في الإمام الإثني عشر .تأليف الشيخ لطف الله الصافي . الثانية .مهمل من التاريخ . 32- وسائل الشيعة في تحصيل مسائل الشريعة للشيخ الحسن بن الحر العاملي ط الحجر – طهران عام 1314هجرية. 33- ينابيع المودة.تأليف الحافظ سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي . الطبعة السابعة .ط النجف الأشرف . الحيدرية.عام 1384- 1965.